عن انسحاب السلطة الفلسطينية من الاتفاقيات مع إسرائيل

د. عبدالعاطي محمد –

تحسبا للنتائج التي يمكن أن تترتب على نية الحكومة الإسرائيلية ضم غور الأردن وبعض أجزاء من الضفة الغربية، سارع الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى إعلان السلطة الفلسطينية انسحابها من كل الاتفاقيات والتفاهمات الموقعة بينها وبين كل من إسرائيل والولايات المتحدة، ومن كل الالتزامات المترتبة على هذه الاتفاقيات والتفاهمات بما فيها الأمنية.

ومع أن ذلك ليس قرارا مفاجئا في حد ذاته بالنظر إلى أنه كان متصدرا للخطاب السياسي للسلطة على مدى عدة شهور مضت، إلا أن الإعلان عنه رسميا وضع مستقبل العلاقة بين كل من واشنطن وتل أبيب في مهب الريح وأثار تساؤلات عديدة حول مستقبل الحل السلمي للقضية الفلسطينية.
وفي مثل هذه الخطوات الحادة التي تعني في مظهرها ومعناها المباشر انقطاعا في قواعد اللعبة السياسية المتعلقة بمسار صراع طويل سواء تم وصفه بالصراع العربي الإسرائيلي أو الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، من الطبيعي والمشروع إثارة الجدل حول دوافع، وجدية الخطوة الفلسطينية أحادية الجانب، وما إذا كان من الوارد تنفيذها أم العدول عنها، وكذلك عن توقيت اتخاذها، هل كان مناسبا أم لا، وما هي الحسابات التي وردت في ذهن القيادة الفلسطينية عند اتخاذ القرار، وما هو تأثيرها على موقف كل من إسرائيل والولايات المتحدة، والأكثر أهمية ما إذا كانت مؤثرة حقا في مسار الحل السياسي للصراع؟
بداية وكمحاولة لفهم أبعاد القرار الفلسطيني، لم يكن ما حدث مفاجأة بالنسبة للمعنيين بمتابعة العلاقة بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل. فالإشارة للانسحاب من الاتفاقيات والتفاهمات الموقعة منذ قيام السلطة عقب اتفاقيات أوسلو 1993 كانت من أبرز نقاط الخطاب السياسي للسلطة خلال فترة الاستعدادات لإجراء الانتخابات الإسرائيلية العامة التي تمت لثلاث مرات حتى تمكن نتانياهو زعيم الليكود من البقاء مجددا في السلطة ولكن بالاشتراك مع جانيتس زعيم حزب أزرق أبيض (ثلاث سنوات لكل منهما)، وكلاهما من اليمين مع فوارق بسيطة في الدرجة. وآنذاك كان مشروع الضم من أبرز ملامح الحملات الانتخابية للطرفين. واستشعر الجانب الفلسطيني أن المسألة تتعدى الدواعي الانتخابية وتصل إلى التوجه السياسي الحقيقي الذي يرغب اليمين الإسرائيلي في تفعيله على أرض الواقع. وبدا خطاب السلطة آنذاك تحذيريا بأنه في حال الإصرار على هذه الرغبة ستصبح السلطة في حل من الاتفاقيات مع إسرائيل. وكان نتانياهو قد أعلن في سبتمبر 2019 عزمه ضم غور الأردن وشمال البحر الميت لإسرائيل في حال فوزه في الانتخابات. وبعد فوزه في المرة الثالثة بتشكيل الحكومة مناصفة مع جانيتس، حدد الأول من يوليو 2020 موعدا لمناقشة بسط السيادة الإسرائيلية على غور الأردن وأجزاء من الضفة، وهنا انتقل الخطاب السياسي للسلطة الفلسطينية من موقع التحذير إلى موقع القرار، أي صدور الإعلان في 19 مايو 2020 بالانسحاب من الاتفاقيات والتفاهمات كرد فعل على نية الضم من جانب إسرائيل.
وفي حسابات الجانب الفلسطيني من وراء القرار هناك ما هو خاص وما هو عام، فأما الخاص فإنه ينصرف إلى أن مشروع الضم يعني اقتطاع نحو 30% من مساحة الضفة (هي منطقة غور الأردن وشمال البحر الميت) وفرض شرعية الأمر الواقع بالنسبة لما هو قائم من مستوطنات. وهناك جزء كبير من المنطقة موضع تفاوض بين السلطة وإسرائيل منذ أن بدأت عملية السلام، وإقدام إسرائيل على الضم يعني بوضوح إلغاء عملية التفاوض من جانب واحد هو إسرائيل.
ومع أن إسرائيل منعت الفلسطينيين الذي يشكلون أغلبية سكان المنطقة من الاستفادة من الإمكانيات الاقتصادية المهمة لها حيث جودة الزراعة وتوفر المياه وإمكانية توليد الطاقة، إلا أنها ظلت مطلبا مشروعا للفلسطينيين وإلا لماذا خضعت للتفاوض ولماذا قبلت إسرائيل بذلك منذ 1967. ومن هذه الحسابات الخاصة أيضا حرص السلطة الفلسطينية على تجنب أية مشكلات ترتب اضطرابا في العلاقات الفلسطينية الأردنية، ففي حالة تنفيذ إسرائيل لرغبتها في ضم غور الأردن، ومع استمرار وجود الاتفاقيات بين السلطة وإسرائيل، يمكن أن تجد السلطة نفسها طرفا في تهديد أمن الأردن والإضرار بمصالحه الاستراتيجية، وهو ما لا تقبله السلطة بالطبع.
ولكن ما هو عام أكثر أهمية مما هو خاص لأنه يتعلق بجوهر عملية السلام وأمن الشرق الأوسط. فالضم يعني وضع نهاية لأية فرص لحل الدولتين، فمن ناحية يتعارض مع كل القرارات الدولية التي أسست لعملية سلام أو لحل سلمي للصراع، حيث الإقرار بالتفاوض على كل القضايا وعدم الاعتراف بضم الأراضي بالقوة وعدم شرعية المستوطنات، وبالتالي ينقل الضم المسألة برمتها من المسار المتفق عليه منذ مؤتمر مدريد 1991 إلى وضعية الاحتلال وتلك قضية لها مسار مختلف جذريا عن مسار مدريد. وباختصار لا دولة فلسطينية وفق التوجه الإسرائيلي الذي يتعامل بمنطق الاحتلال دون أن يتحمل تبعاته وليس بمنطق التفاوض. وإذا حاجج البعض بأن إسرائيل ضمت القدس الشرقية رسميا عام 1980 وكذلك الجولان عام 1981، فإن الرد واضح وهو أن لا هذا وذاك قد حظي بشرعية دولية بل بالرفض، ولم تخرج الولايات المتحدة عن هذا الموقف الدولي إلا في عهد إدارة دونالد ترامب الحالية. ومن ناحية أخرى فإن الضم يخلق عدم استقرار أمني في المنطقة لأنه يهدد قطعا الأمن القومي الأردني على الحدود، ومن الوارد أن يفتح مجالا جديدا لعمليات مسلحة من جانب الجماعات المتطرفة، هذا فضلا عن أنه يهدد اتفاقية السلام الأردنية الإسرائيلية. وما يؤكد المخاوف في هذا السياق أن المنطقة المراد ضمها استخدمتها إسرائيل أساسا لأغراض عسكرية أي أن الضم موجه لأغراض أمنية إسرائيلية دون النظر للتهديدات الأمنية التي يمكن أن تتعرض لها الأطراف الأخرى المعنية. ولعل ما هو عام هو الذي حدا بالرئيس الفلسطيني إلى القول إنه من الآن فصاعدا تتعامل السلطة الفلسطينية مع إسرائيل على أنها سلطة احتلال وعليه يتعين عليها تولي كل الظروف المعيشية للشعب الفلسطيني بحكم ما ورد في اتفاقية جنيف الرابعة 1949 بما فيها الأوضاع الأمنية. وهنا لا يصبح ممكنا التعامل مع القضية الفلسطينية بمسار عملية السلام المعروفة، وإنما وفق واجبات دولة الاحتلال وهى إسرائيل.
ومن ناحية أخرى وارتباطا بما هو عام من الحسابات الفلسطينية فإن قرار الانسحاب من الاتفاقات والتفاهمات شمل الجانب الأمريكي وليس الإسرائيلي فقط في تطور يحدث لأول مرة منذ بدء عملية السلام استنادا إلى اقتناع السلطة بأن إسرائيل ما كانت تستطيع الإقدام على خطوة من هذا النوع لولا أنها وجدت دعما من الإدارة الأمريكية الحالية والشواهد على ذلك عديدة ومن أهمها الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس. وعندما سئل بومبيو وزير الخارجية الأمريكي عن موقف بلاده من الرغبة الإسرائيلية قال إنه شأن إسرائيلي بحت بما كان يمثل الضوء الأخضر لنتانياهو للمضي قدما في مشروع الضم. ولذلك اعتبرت السلطة الفلسطينية الإدارة الأمريكية الحالية شريكا في المخططات الإسرائيلية ومن ثم لم تعد بذلك وسيطا، وعليه قررت الانسحاب أيضا من التفاهمات مع هذه الإدارة.
وفقا للتحليل السابق يمكن تفهم الأسباب التي دعت القيادة الفلسطينية لاتخاذ قرار الانسحاب من الاتفاقات والتفاهمات مع كل من إسرائيل والولايات المتحدة، وهو قرار ليس مفاجئا في الحقيقة حيث كانت له مؤشراته، وتوقيته ارتبط بإعلان نتانياهو فتح المناقشة في الموضوع أول يوليو كما سبق التوضيح. ولكن من حيث القوة التأثيرية للقرار هناك محددات أخرى تجعل منه في نهاية المطاف تحركا سياسيا فلسطينيا موجها إلى المجتمع الدولي لاستعادة قواعد اللعبة السياسية لعملية السلام المتوقفة منذ سنوات.
فالملاحظ أن القرار لم يتضمن حل السلطة الفلسطينية، وأشار إلى أنها ستعمل على تعزيز انتمائها إلى المنظمات الدولية بما يعني الحرص على ما حققته من مكاسب لإقرار وجود دولة فلسطينية حتى لو كانت تحت الاحتلال ولا تريد إسرائيل أن تقوم لها قائمة، والاستعداد للتفاوض مستقبلا على أية تحركات دولية لتغيير الوضع القائم. ومثلما يمكن أن تتضرر السلطة من القرار بحكم المصالح المتبادلة بينها وبين إسرائيل خصوصا على الجانب الأمني، فإن الضرر مماثل أيضا على الجانب الإسرائيلي. وهناك أطراف دولية عديدة ومنها الاتحاد الأوروبي من مصلحتها استمرار العلاقة بين الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني. ولو حدث ونفذت إسرائيل فعليا مشروع الضم، فإنه لن يحظى بموافقة دولية. وإذا كانت إدارة ترامب لا تزال تأمل تنفيذ ما يسمى بصفقة القرن، فإن الانسحاب من الاتفاقيات مع إسرائيل والتفاهمات مع واشنطن يعطل هذا المشروع حيث يخرج منه الطرف الفلسطيني وهو ما لا تريده الولايات المتحدة بالفعل. هو تحرك لاستعادة دور السلطة بالمراهنة على دعم المجتمع الدولي، ليبقى السؤال هل يخذلها هذا المجتمع الدولي بفعل قرار كهذا أعاد خلط الأوراق أم ينصفها؟!.