أي عالم نريد أن نعيش فيه؟!

غادة الأحمد

انتهت في سوريا إجراءات الحظر الذي امتد لأكثر من ثلاثة أشهر للاحتماء من وباء “فيروس كورونا”، وانتهت معه أيام العزلة والتباعد الاجتماعي وأيام التفكر والتأمل فيما يحدث أو سيحدث مع هذه الجائحة التي أدت إلى إجراءات لم يشهد لها التاريخ مثيلا فضلاً عن الحجر الصحي ومنع التجول. ومن الجوانب القاسية أيضا لأزمة كورونا مواصلة استخدام العقوبات الاقتصادية على سوريا وغيرها من الدول لزيادة الألم وجعل المعاناة أشد مرارة، إذ ماذا سيحدث للذين يعيشون كل يوم بيومه “من اليد إلى الفم”؟ سيتضورون جوعاً ويموت المعزول وحيداً”.
وإذا تساءلنا حول مصير البشرية بعد كورونا، يجيبنا عالم اللسانيات الشهير نعوم تشومسكي أن الفيروس التاجي حمل معه أشياء إيجابية هي إشارات تحذيرية لنا من الخطر الداهم الذي يلوح في المستقبل القريب ليحثنا على التحرك والاستعداد. بخاصة أن الديمقراطية في خطر بسبب حالة الاستثناء التي يتحكم فيها ” قلة قليلة هم أسياد النيوليبرالية”. وسيواصلون التحكم برأيه إن لم تتم الإجابة عن سؤال وجودي يطرحه تشومسكي بإلحاح الآن تحت السحابة السوداء لهذه الأزمة وهو: أي عالم نريد أن نعيش فيه؟
يرى تشومسكي ” أن أمامنا خيارات عديدة تتراوح “بين تركيب استبدادي للغاية” في العالم تتحول فيه الدول إلى أكثر وحشية، أو خيار الراديكالية وإعادة إعمار المجتمع، أو خيارات أخرى كالعودة إلى المصطلحات الإنسانية المعنية بالاحتياجات البشرية وعدم تغليب الصوت الاقتصادي لمنفعة النيوليبرالية، التي سيسعدها التضخم الهائل لعنف الدولة الذي بدأت ربما تجلياته تظهر تحت ذريعة التعامل مع أزمة فيروس كورونا، لا سيما إن طالت الأزمة.
أزمة كورونا، باعتقاد تشومسكي، هي مجرد جزء واحد من كابوس رهيب مقبل، وإن لم يشرع الناس على الفور في تنظيم أنفسهم ويتضامنوا في ما بينهم لتحقيق عالم أفضل بكثير من العالم الذي يعيشون فيه، فهم سيواجهون مصاعب هائلة لطالما أعاقت طريق الحق والعدالة، كما أن الاستعداد للتعامل مع الخطرين الوجوديين للحرب النووية والتغيرات المناخية والكوارث التي سيتسبب بها الاحتباس الحراري، والتي “لن نتعافى منها ما لم نكن حازمين في مواجهتها حين نصل إلى تلك المرحلة، وهي باتت وشيكة الحدوث”.
يشدد تشومسكي على لحظة تاريخية حاسمة للإنسان. ليس فقط بسبب فيروس كورونا بل لأن الفيروس يحضرنا للوعي بالعيوب العميقة التي تواجهها البشرية. “فالعالم معيب وليس قوياً بما فيه الكفاية للتخلص من الخصائص العميقة المختلة في النظام الاقتصادي والاجتماعي العالمي كله، واستبداله بنظام عالمي إنساني كي يكون هناك مستقبل للبشرية قابل للبقاء”.
ويعتقد تشومسكي أن فيروس كورونا “علامة تحذير ودرس للبشرية، وعلينا أن نبحث في الجذور التي تؤدي إلى الأزمات، التي ربما تكون أسوأ مما نواجهه اليوم، والتحضير لكيفية “التعامل معها ومنعها من الانفجار”!.
ويسأل تشومسكي: “في الوقت الذي تزداد فيه المسافة الاجتماعية في إجراءات العزل المنزلي والحجر الصحي والتباعد الاجتماعي بين ملايين البشر في البلد الواحد، أو بين مليارات الأشخاص عبر العالم، كيف يمكن الحديث عن خلق حركة اجتماعية نشطة لتواجه ما نعيشه اليوم أو ما هو مقبل وقريب جداً من تهديدات وجودية؟ قد يبدو هذا الحديث غير واقعي، وقد يتصور البعض أن عصر الإنترنت كفيل بتسهيل الأمور، بل قد يرى أن العزلة الاجتماعية بدأت قبل كورونا بكثير وقد تسبب بها الاستخدام المفرط للهواتف الذكية المرتبطة بالإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي وكل تكنولوجيا المعلومات لا سيما بين أوساط الشباب، لكنها قد تكون هي المخرج والوسيلة إذا أحسن استخدامها لتنظيم الصفوف والتضامن الاجتماعي لخلق حركة اجتماعية واسعة النطاق، إن تمكن الناس من استخدام هذه التقنيات استخداماً جيداً في زمن العزل المنزلي والتباعد الاجتماعي، للانضمام والاستقطاب والتعاون والتنسيق والتشاور المتعمد، على الرغم من العوائق التي سيتسبب بها توقف الإنترنت لفترة من الوقت.
ويؤمن تشومسكي كما أؤمن أنا بأن الناس سيجدون طريقهم وسيعثرون على وسائل أخرى للاستمرار وتوسيع الأنشطة وتعميقها وترميم انكساراتها ولملمة جروحها، ليبنوا عالماً جديداً قابلاً للعيش فيه. يكفي أن نمتلك الإرادة والعزم والتصميم، يكفي ألا نفقد الأمل”.