يحيى القيسي يسبر أغوار النفس البشرية في روايته “حيوات سحيقة”

عمّان – العمانية: يواصل الروائي الأردني يحيى القيسي، عبر روايته الجديدة “حيوات سحيقة” مشروعه للرواية المعرفية التي تستند على البحث في الماورائيات، والنبش في النفس البشرية، ومحاولة سبر أعماقها، والقبض على ما هو كامن فيها من ذكريات وتأملات وصور وخيالات.
تتخيل الرواية الصادرة عن دار خطوط وظلال للنشر والتوزيع في عمّان، وجود حيوات سابقة للإنسان قد يكون عاشها من قبل، انطلاقًا من أن الوجود الروحي سابق على الوجود الجسدي، وهو ما لا يمنع من وجود تجسّدات للنفس البشرية سابقًا، لأنّ الجسد عبارة عن قميص أو مركبة
للنفس الأثيرية، يغادرها حين الموت.
وكعادته في أعماله السابقة، يطرح القيسي أسئلة تسعى لزلزلة طمأنينة القارئ نحو المعارف “المعلّبة” من أجل مشاركته في البحث عن المعرفة، أكثر من منحه الإجابات الجاهزة أو فرض الحلول عليه.
واختار القيسي لبطولة روايته شخصية شاب يعمل في مجال البحث وتقديم خدماته في مجال الإرشاد سياحي في منطقة تاريخية. وعبر مجموعة من الأحداث المتلاحقة والغامضة التي تعصف برتابة أيامه، يبدأ بالبحث عن تفسير منطقي للظواهر التي تمثل أمامه، ثم يقع فريسة لماضٍ شديد الضراوة وحاضر مرتبك لا يعوّل عليه، وبينما يحاول الهروب من ماضيه السحيق الذي يطارده بلا رحمة، يتورط في اللحظة الراهنة وذلك حين يجد التطرّف سبيله إلى أحد أفراد عائلته وبعض أقربائه، مما يدفعه للبحث عن الخلاص في كتب الأسبقين للنظر فيها لعله يجد مخرجًا أو تفسيرًا، لكن ما يعثر عليه يبدو أكثر قتامة وهولًا.
من جهة أخرى، تبدو تجربة البطل في العمل مع فريق بريطاني لتصوير الأفلام الوثائقية، وعلاقته مع فتاة أجنبية، فرصة للنظر إلى الواقع باشتراطاته الراهنة، والعثور على ضوء للاحتفاء بالحياة نفسها بدلًا عن الانغماس بالماضي أو انتظار مستقبل قد لا يأتي.
تجمع الرواية ما بين الخيال الأدبي والبحث الفكري، في محاولة لتقديم عمل يحتفي باللغة شعريتها في بعض أحواله، وينشغل بالتوثيق التأريخي الشائق في أحوال أخرى.
من أجواء الرواية: “ثم مرّ أمامه من عرف من البشر في حيواته الكثيرة: عقلاء المجانين المحتجزون في المارستانات وهم ينطقون بالحكمة. غانيات متمدّدات على أسرّة دكاكين النخاسة ينتظرن الذكور الذين تتوثّب فيهم الشهوات. فقهاء، ومناطقة، ومتكلّمون، وفلاسفة، ومتصوّفة، ومجاذيب،
وزنادقة، وهراطقة، وأتقياء، كلّ قد علم منزلته ومقولاته وعلومه ومكاشفاته. محتسبون يطاردون التجّار في أسواق الأندلس لأنّهم يغشّون في الموازين، ويخلطون الحليب بالماء، ويبيعون الفاكهة الذاوية، ويخلطون البزور الرديّة بالطيّبة، والعطور الهندية بالبلدية، ويرشّون الكتّان بالماء حتى يثقل عند الوزن، ويبيعون اللحم البائت بالطري، والهزيل بالسمين. رُعاة يسقون إبلهم من واحة ظليلة وسط صحراء شاسعة. قصّاصو أثرٍ يتتبّعون أثر غزاةٍ مرّوا على مضاربهم في الليل، وقائفون يقرؤون العلامات ويتفرّسون في وجوه أطفال لمنحهم النسب. شحّاذون هائمون على وجوههم في الطُرقات، بطونهم ضامرة، وقلوبهم حائرة، يبحثون عن كسرة خبزٍ، أو شربة ماء، أو حتى قطرة حنان”.
يُذكر أن القيسي وُلد عام 1963، وعمل في مجال التعليم، والإدارة الثقافية، والصحافة، والدراسات، وهو يقيم في بريطانيا. صدر له في الرواية: “بعد الحياة بخطوة” (2018)، و”الفردوس المحرّم” (2015)، و”أبناء السماء” (2010)، و”باب الحيرة” (2006). وله في القصة مجموعتان، بالإضافة إلى كتاب فكري.