في الدولة والاجتماع السياسي

محمد جميل أحمد –

فكرة الدولة التي ظهرت خلاصا للاجتماع السياسي للبشر في أوروبا من إكراهات الإمبراطوريات ذات الطابع الديني، بدت اليوم الفضاء الوحيد الذي يعيد تعريف جميع البشر في هذا العالم وفق انتماءاتهم كمواطنين.
فالدولة بما هي إطار للجماعة الوطنية، تمثل اليوم الفضاء الأكثر انسجاماً للاجتماع البشري في الأزمنة الحديثة ، فلا عبرة بتلك الدواعي التي تتبناها بعض الجماعات المتطرفة حين ترفع شعارات لا تدرك خطورتها ومأزقها مع نظم الإدراك التي انتظمت العالم الحديث في تعريف هويات الأفراد كمواطنين لدول في جميع أنحاء العالم.
انتظام الدولة القومية الحديثة ونزوع سلطتها التي هي سلطة إكراه معقلنة ، قد تنأى من طبيعة الدين الأصلية في كونه ينتمي إلى حقل مفاهيمي ودلالي بخلاف مفهوم الدولة ، وثانياً في كونه سلطة ضمير أراد الله لصاحبه أن يكون حراً فيما يفعل وما يدع متحملاً مسؤوليته في كلا حالتي الفعل والترك.
إن قوة الاجتماع السياسي للدولة نابعةٌ من قدرتها أيضاً على احتكار العنف وتنظيمه وتوجيهه الوجهة الصحيحة، وهو الأمر الذي تتجلى فيه سوية الانتظام المدني إذ يراكم تقاليد الوعي بالقانون والالتزام بقواعده ما يغدو، بعد ذلك، سلوكاً طبيعيا في تصرفات المواطنين تحقق به الدولة الكثير من إنجازاتها القومية في العديد من المجالات، كالتعليم والإسكان، وسياسات الهوية، والإعلام، ووضع التصورات العامة للحياة من خلال مركز قوة ناعمة يكون بمثابة سلطة معنوية راسخة.
وإزاء حجتين تتوهمهما كل من ايديولوجيتي؛ الإسلام السياسي من ناحية، والقومية العربية من ناحية أخرى، إذ تنزع الأولى إلى فكرة الخلافة الجامعة مسقطةً إياها على الدولة القومية الحديثة، فيما تنزع الثانية إلى الدولة القومية لتذوب فيها فيما بعد الدولة القطرية ؛ لا تلبي فكرة الدولة القومية الحديثة واجتماعها السياسي مثالات القوميين والإسلاميين، فلم تكن الخلافة سوى شكل من الاجتماع السياسي والروحي للمسلمين بدا صورة تاريخية فحسب، أو هو الانبثاق الأول لتفكير المسلمين في الانتظام والاجتماع السياسي، فيما لم تكن فكرة الدولة القومية العربية قائمةً إلا في رؤوس القوميين العرب الذين احتذوا حذو تركيا الكمالية في مثال دولتهم العربية المنشودة.
من أهداف الدولة؛ تدبير الاجتماع السياسي عبر الجماعة الوطنية وآصرة المواطنة، واحتكار العنف، وتنظيم المجتمع وفق أسس تكمن أهميتها في القدرة على تسكين التناقضات واستقطابها، وهي في هذا تفعل جزءا من فعل دولة «الخلافة» في كونها تنظيماً تاريخياً لاجتماع المسلمين السياسي، لكن الفرق اليوم يكمن في أن شروط الحداثة السياسية التي تحكم العالم ، ليست هي الشروط الإمبراطورية التي حكمت العالم القديم ، ما يعني أن الأيديولوجيا الانسدادية التي تتخبط فيها بعض الجماعات المتذرعة بالسياسة، فيما هي تحاول الوصول إلى دولة مستحيلة (بحسب وائل حلاق) لن تؤدي إلا إلى مزيد من الاغتراب في معرفة هوية الحداثة السياسية.
بطبيعة الحال، لا تتطابق اليوم استحكامات الدولة القومية في بلداننا العربية، مع تلك الدول التي استحكمت أدواتها في أوروبا والولايات المتحدة من خلال تدبير الاستقرار الكلي عبر توطين الديمقراطية وتكريس المواطنة باعتبارها الفكرة المركزية للاهتمام الذي يربط علاقات الأفراد في المجال العام، بحيث لا يزاحمها في مركزية الوعي أي مفهوم آخر كالدين أو العرق أو الطائفة، ولهذا فإن قوة الدولة مثلاً في الولايات المتحدة هي التي استطاعت أن تضعف فوران جماعات اليمين المسيحي وأن تقلم أظافرها، رغم طاقتهم الهائلة في النشاط ، والتي ربما أصبحت خطراً على الدولة لولا رسوخ الدولة، أولاً، في القيام بمهامها، ووعي المواطنين ثانياً، مع أن طاقات وفوران اليمين الديني أقوى بكثير من في المنطقة، لكن ضعف الدولة في المنطقة العربية والتشويش الذي لا يضبط الوعي تماما (ولا وعي كثير من الناس في بعض الحالات) عن رفع حرج التناقضات المتوهمة بين الدين والوطن، هو الذي يجعل الخطر قائماً في ظل ذلك الوعي المأزوم.
لهذا ستظل المنطقة العربية عرضة للتنازع، ما دامت تكرس باستمرار أيديولوجيا انشقاقية ليس لها القدرة على تدبير تصورات معرفية وضوابط متصلة بالفكر المقاصدي الإسلامي.
ذلك أن الخطورة تكمن في أن من قام فكره على الاقتران الشرطي بين وعي الجماعة كمبرر للسعي إلى تلك الدولة المستحيلة سيكون باستمرار منتجاً لايديولوجيا نسقية ومأزومة.
وهي أيديولوجيا ليس لها القدرة على الانفكاك عن مبرر وجودها أبداً، لأن أي تفكيك لتلك الأيديولوجيا ودحضها بالمعرفة سيكون بمثابة الزلزال الذي سيهدم الفكرة من أساسها وهنا تكمن خطورة.
إن عدم القدرة على النظر إلى قوة الدولة في المجال العام بحسبانها قيمة عليا مكتسبة من قيم الاجتماع السياسي، سيجعل من فكر الكثيرين مغيباً عن وعي تمثلات الانتظام المدني بوصفه جزءًا من صناعة وفعل يوميين لمقتضيات الاجتماع السياسي، وليست جزءاً من الطبيعة كالماء والهواء! ولعل في التفكك الذي يضرب اليوم بعض دول المشرق العربي ما قد يعين على إدراك الفرق.