كيف أدارت الحكومة الجزائرية أزمة «كوفيد 19»؟

د. أم السعد عبد الرحمن مكي –
الجـــــــــــزائر –

بيَنت الفترة الماضية من عمر تعامل الحكومة الجزائرية مع الفيروس المستجد (كوفيد 19- كورونا) بأن عنصر (العلاقات العامة) أو إدارة الأزمة، قد نجح وطابق ولحد بعيد جهود مختلف دول العالم في مثل هذا الظرف الاستثنائي، والذي لم تشهد له البشرية طوال عمرها مثيلا، أقول ذلك وأنا أحاول إجراء مقارنات عدة من خلال متابعتي لدورات إلكترونية حول العلاقات العامة، بحيث إن عنصر (العلاقات العامة) في شق إدارة الأزمة تحديدًا ظهر بشكل كبير في هذه الفترة، ويمكن التفصيل في ذلك من خلال الإشارة قدر الإمكان إلى ما قامت به الحكومة الجزائرية من خطوات عملية واقعيا وافتراضيا.
النقطة الأولى، وتتعلق بتوفير المعلومات، ولعلها واحدة من أكثر النقاط حساسية في عمر أيَة أزمة تمرَ بها البلدان، وفي هذا السياق فقد عمدت الحكومة الجزائرية ومنذ توليها زمام المسؤولية إلى توفيرها عبر صلاحيات الوزير الأول، وبخلق منصب (ناطق رسميَ)، ولعل هذا المصطلح في لغة الإعلام وفي عالم السياسة له مدلوله ووزنه، ويعني الكثير من حيث الأهمية التي توليها المؤسسة (والتي هي في هذه الحالة جهة حكومية) وهذا حرصا على ضمان سيولة المعلومات لمن يحتاجها، وخاصة لوسائل الإعلام ومن خلالهم للجمهور الواسع، وفي نفس الوقت للعمل على (توحيد) مصدر المعلومات بعدم إحداث تشتت في الجهات التي تقدمها، وحتى لا يحدث فيما بعد أي تداخل أو خلط أو خلل ما يودي بالأمور إلى تنامي الإشاعات، أو احتكار جهة ما لها والتلاعب بها وكسب نفوذ وما إلى ذلك من المسببات التي لا يستدعي الوضع شرحها. ولم تكتف الحكومة الجزائرية بناطقها الرسميَ، بل دعمت ذلك بما أسبغته من مهام ومكانة لوزير الاتصال، والذي يمكنه أن يتدخل على الخط لضمان ما يمكن أن يراه مناسبا خدمة للجهاز التنفيذي الحكومي، ودعم وجوده وتمكينه، وأكثر من ذلك التمكين بهذه الشخصيات حتى لا تبقى الساحة السياسية (خاوية)، ولأنه في زمن (الفيروس التاجي) أصبح للمعلومة أكثر من مصدر، ومن تخصص، -وهذا لا يعني تعدَد الناطقين باسم الحكومة الجزائرية-، لكن الظرف الحرج الذي تمرَ به الجزائر على غرار دول العالم جعل لقطاعات أخرى مكانة متقدمة أكثر من غيرها، فبعدما كان الحديث الأكثر تكرارا وبروزا عبر وسائل الإعلام التقليدية والافتراضية والساحات يتمحور حول: الشغل، السكن، الطاقة، وإطلاق سراح الناشطين، فجأة انزوت كل هذه المطالب إلى حين، وحلَ محلها عنصر تأمين الحياة والغذاء، ويمكن الإشارة إلى أن حتى (أزمة الماء) لم يعد له وزن في (زمن كورونا) رغم أنها كانت تثير جدلا كبيرًا. بظهور مفردات جديدة على الساحة فرضها متغير الوضع العالميَ، أصبح الناطق الرسمي أكثر حضورا في وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، وبالتالي الأكثر حضورا وترسخا في المخيال الجمعيَ، وأكثر لفتا للانتباه، ويمكن القول في هذا السياق إنه وحتى لو كان الشعب قبل اليوم لا يثق كثيرا في المعلومات الرسمية التي تقدمها مختلف الجهات الحكومية، لكن تلك الوساوس يمكن قياس تراجعها بشكل كبير، ولعل ذلك ناتج عن وحدة مصدر المعلومة، بحيث لم يحدث تضارب في أرقام الحالات والوفيات والمتعافين، كذلك المعلومات التي تقدمها الحكومة التي دأبت على تبني (التقنية) مدخلا جديدا في تعاملها فيما بين عناصر طاقمها (الاجتماعات اون لاين)، وبين أفراد المجتمع. الأمر بالنسبة لقطاع التجارة، وهو أحد أبرز القطاعات التي كانت حاضرة خلال أزمة (كورونا) يحتاج بذاته إلى مقام خاص، ومردَ ذلك وزير القطاع نفسه، والذي صنع جدلا واسعا على (السوشيل ميديا)، وهو وبلا مبالغة وبعيدا عن كل ذاتية يعتبر أول وزير للتجارة تحدَى (بارونات) الحليب والسميد واللحوم، ولا تزال معركته متواصلة، وهو وحده يكون قد أدخل كل الحكومة في معترك حرب ضارية، وهي التي قامت على أنقاض محاربة الفساد، وتجفيف منابعه، فكيف استغل الوزير الشاب -إن صحَ التعبير- وجوده وموقعه في حكومة لم يعترف بها قطاع كبير من الجزائريين في بادئ الأمر قبل أن يستسلموا للواقع، ومع ذلك فالجميع اشتكى فيما بعد وأبدى مخاوف من نفاد المؤن ومن المضاربة بأسعار المواد واسعة استهلاك -في السوق السوداء تماما كما كان يحصل قبل اليوم-. هذه القبضة حديث الشعب الجزائري العهد بها، وهو الذي اعتاد الاحتكار والنفاذ والمضاربة، يجد نفسه اليوم في مشهد آخر يتابع الأزمة الكبيرة وهي تكاد خيوطها تفك، ولا أتحدث هنا عن تحرير القطاع من الفساد عموما، بقدر حديثي عن جوانب أزمة التموين في زمن (كورونا) وهو وحده تحدٍ كبير جدا للحكومة الجديدة، بدليل أن أزمة السميد والحليب تراجعت، واللهفة قلت، ووفرة المواد والخضر والفواكه واللحوم ما عادت مصدر خوف للناس. إدارة الأزمة ظهر بإطلاق الحكومة الجزائرية بالمقابل الكثير من المبادرات، وذلك بالتنسيق مع قطاعات التكوين المهني، التعليم العالي والبحث العلمي، التربية، والاتصالات، وهذا لدعم المسار العلمي والبحثي وتزويد المجتمع باحتياجاته، وتحقيق لأول مرة مفهوم (الاكتفاء الذاتي)، وهذا المفهوم اليوم يجد إسقاطات كثيرة له لتأمين الأرواح والممتلكات في شكل مواد تعقيم وكمامات محلية الصنع قامت بها هذه المؤسسات عن طريق ورشاتها ومخابرها، وهذه المبادرات تعدَ الأولى من نوعها، وقد دخلت خلاياها في سباق مع الحياة، وصنعت الفرق.
كما أن المبادرات التي قامت بها الحكومة من خلال تنسيق الجهود بين وزارات التعليم، التربية والاتصالات بدخولها عالم الرقمنة، وإتاحة الدروس على الخط، والأهم من ذلك مراعاة الجانب المادي والاجتماعي للمتمدرسين والطلبة في ضمان تدفقٍ مجانيَ لشبكة الأنترنت من خلال متعاملي الهاتف النقال واحد من الجوانب التي خصصت لها من الجهد الكثير لامتصاص الغضب والخوف وما تبعه من تدابير اتسمت بالمرونة ومتجاوزة مختلف العقبات لتمضية الموسم الدراسي (على خير).
وقد أبرز هذا الوضع بأن هناك جوانب كثيرة تستحق الإشادة بها، وما قامت به الحكومة الجزائرية أيضا لغلق باب انتقادات الشارع، وحتى تبرئ ذمتها وتحقق مبدأ (المسؤولية الاجتماعية) وهو أحد أبرز المبادئ في العلاقات العامة الذي يحيل إلى دور المؤسسات تجاه جمهورها، هو ما قامت به من خطوات عملية في سبيل محاربة كل مظاهر الإشاعة الضارة بأفراد المجتمع، تأمين مختلف المواد حتى للمناطق المحظورة بشكل تامَ، وتشجيع الأفراد على إطلاق مبادرات تعاونية تشاركية لتلطيف الأجواء المشحونة بذاتها بالرعب، والأهم من كل ذلك التزاماتها المتعددة المشارب تجاه الشعب أولا بتأمين ما يجب تأمينه، وتعهداتها الدائمة من خلال وزاراتها بتوفير كل الاحتياجات ولسنوات قادمة. كذلك، العمل على حماية الأرواح ومحاربة كل ما من شأنه أن يفضي إلى نوع من الضرر أو الإقصاء، الآتي تُظهر (السرعة) في التدخل واتخاذ القرار وأكثر من ذلك فاعليته، وهي أحد العناصر المهمة أيضا في إدارة أزمة تواجه مؤسسة بحكم الحكومة، ولعل الرئيس عبد المجيد تبون عمد منذ توليه منصب رئيس الجمهورية إلى فتح قصره لمختلف مسؤولي وسائل الإعلام، ليس لمخاطبتهم على انفراد وبشكل سريَ، بل علانية، وقد أظهر مقدرة للتحكم في الخطاب الرسميَ، وفي احتواء شؤون المجتمع.
ما يحدث أن تفكيك جهود رجل العلاقات العامة في جانب إدارة أزمة بهذا الحجم لا يمكن احتواؤها في أسطر، بل يحتاج لتقارير مفصلة حسب القطاعات المتدخلة، ومع ذلك فإن (قائد) حملة العلاقات العامة والذي أسهم في إطلاق وتحريك الكثير من المبادرات ذات الاستحسان ومشاركة الجماهير الواسعة فيها، تتعلق في جانب منها بما قام به جهاز الأمن الوطني عبر فروعه، والحماية المدنية بتكريم للجيش الأبيض وأطقمه في مختلف المؤسسات الاستشفائية وخاصة العاملين في الصفوف الأولى لاحتواء خطر (كوفيد 19) العابر للبيوت والشوارع والأجساد تماما كما عبر القارات، فتواترت جلسات الإفطار الجماعيَ، الهدايا والورود والعبارات الدالة على الاعتراف بالجميل في زمن مُنع فيه التقبيل والمصافحة والاحتواء واكتفى الجميع بإيماءة وابتسامة. دون أن ننسى المجندين من أسلاك الجيش والدرك ممن لهم كل الفضل في حماية هذا الوطن الذي بدأ الناس للتوَ يتلمسون بأن فيه شيئا (جميلا)، كل ذلك من باب الاعتراف بفضل الآخرين والعمل على تحفيزهم ودعمهم، وهي خاصيَة قارَة في مهام رجل العلاقات العامة للدفع بمفرداته على البذل والخلق والابتكار.
ما يمكن قوله أيضا عن تعامل الحكومة الجزائرية ومن ورائها رجل العلاقات العامة عبد المجيد تبون، أن اعتماد سياسة التطمين لم تغب عن أجندته، وخطابه المفعم بالتفاؤل في كل مرة وهو يتوجه للشعب عموما، وهذه صفة ظهرت عقب إجراء الانتخابات الرئاسية، ويتذكر الجميع بأن أول أمنية أطلقها حين كانت بجاية تشهد غليانا بأنه قال: «أتمنى أن أزور بجاية»، وفي ذلك رسالة كبيرة لمن يعرف تفاصيل تحليل الخطاب الرسمي.
ولأن الشعب اعتاد قبل اليوم على أسلوب (الرسالة) الذي سئم منه وأخرجه إلى الشارع، فقد خاطب الرئيس تبون جمهورًا واسعًا ولمرات كثيرة، وهو يحثهم على (البقاء في المنزل – شدوا/‏ ابقوا في دياركم) حرصا منه على (سلامتهم) و(أمنهم)، وظهوره ومختلف المسؤولين مرتادين الكمامة كـ (قدوة) للجمهور، وهي مسؤولية اجتماعية للحكومات تجاه شعوبها، وذلك باستخدامه لمختلف وسائل توصيل المعلومات التقليدي منها والحديث.
وهي كذلك رسالة كررتها مختلف المؤسسات المسجدية ولقيت استجابة واسعة، لدرجة أن الكثير من المواطنين أصبحوا هم من ينتقدون سلوكيات بعضهم في حال عدم الالتزام، ويقرون بأنها مسؤوليتهم تجاه المجتمع.
هناك أيضا عنصر التصدي للإشاعة والتضليل، وهو وجه الخطر الذي يهدد أية منشأة، وتحسب له أجهزة العلاقات العامة ألف حساب، بحكم تأثيره على مكانتها، صورتها وسمعتها، ويهدد حتى كيانها (هويتها)، فإن آليات التعامل معه تحتاج إلى وقفة. كذلك فيما يتعلق بالهبة التي منحتها السلطات الجزائرية إلى الصين عند بداية ظهور الفيروس بها، والتي أثارت جدلا واسعا، ولكن سرعان ما رجحت كفة الحكومة من حيث إنها ساعدت الصين وهذه الأخيرة ردت لها الجميل أضعافا مضاعفة فكفت الألسن عنها، ليبقى عنصر التهديد قائما من خلال نشر الأقاويل والإشاعات على مواقع التواصل الاجتماعي حول الكثير من الأمور، وهنا (سارعت) الحكومة إلى إصدار خاص بالجرائم الإلكترونية تحديدا للتصدي لكل ما ينشر خاصة عبر الفيسبوك، يوتيوب، والمدونات. كما لم تغفل الحكومة اعتماد أسلوب التخويف من خلال تمرير رسائلها التوعوية بإبراز عدد الضحايا والحالات وتشخيص الخطر وهذا مهم لنشر الوعي الجماهيري، بالتزامن مع سعيها للتقرَب من المواطنين بنزول الوزراء إلى الميدان خلال الأزمة الصحية، وهي رسالة تضامنية حوارية، وكذا عمل تطبيقات مختلفة شارحة مفصلة للفيروس والتعليمات عبر وسائل ووسائط مختلفة وبلغات مختلفة مع الحرص على بداية تبني اللغة الانجليزية كلغة تخاطب بديلة للفرنسية.
وما يمكن قوله: إن إبراز الجوانب العمليَة في تعامل الحكومة الجزائرية مع أزمة (كورونا) رغم ما يشوبها من بعض النقائص التي تحدث عنها الكثيرون، تطرح استفهامات كثيرة حول ما إن كانت إدارة أزمة علاقات عامة بهذا الحجم قد عزَزت درجة الوعي لدى الجمهور الواسع (قرابة الخمسين مليون نسمة)، والالتزام بالمسؤولية الاجتماعية، كذلك أبانت الأزمة الجانب التطوعي – الذي يظهر في حالات الرضا الوظيفي كامتنان وتعبير للآخر بأنه في المستوى المطلوب، مع الإشارة إلى أن الرئيس تبون كان أول المتبرعين براتبه الشهري وطاقم حكومته، قبل أن يلتف حول المبادرة الكثيرون.
سؤال آخر يتعلق بتعدَد وسائل مخاطبة الجمهور وتنوعها وفعاليتها، وسرعة التدخل واتخاذ القرار والتدابير، والحرص على تأمين مستلزمات المواطنين، وفيما إذا كان هناك تنسيق ظاهر بين مختلف القطاعات الحساسة على وجه التحديد، وإن كانت الحكومة وظُفت الوسائط الرقيمة لتحسين صورتها بحكم أن التحدَي القادم من خلال هذه التطبيقات الجديدة وفي غرس ثقافتها لدى الجماهير، في عصر تراجع فيه كثير دور التلفزيون.
إن كانت ثمة إجابات بـ (نعم)، على الأقل يمكن القول إن مؤشرات نجاح إدارة أزمة العلاقات العامة فيما يتعلق بتعامل الحكومة الجزائرية قد (وُفقت) بدرجة ملموسة.