مجلس التعاون الخليجي.. التحديات والمستقبل

عوض بن سعيد باقوير  –
صحفي ومحلل سياسي –

إن مجلس التعاون الخليجي يظل منظومة مهمة وحيوية، فإذا كانت ثمة تحديات حقيقية تواجهها المنطقة فإن وجود تكتل مجلس التعاون يظل الواجهة السياسية التي تحافظ على مصالح ووجود دول المجلس، فالمواجهة الفردية لن يمكنها من التصدي لتلك التحديات.

تمر هذه الأيام الذكرى التاسعة والثلاثون لقيام منظومة مجلس التعاون لدول الخليج العربية والذي بدأ في مايو عام ١٩٨١ محققًا منظومةً تعاونيةً بين الدول الست الأعضاء في منطقة جغرافية متقاربة ونظم سياسية وراثية متماثلة إلى حد كبير، علاوة على التاريخ المشترك والعادات والتقاليد المترابطة وقبل كل ذلك يجمع تلك الدول الإسلام الحنيف الذي أضاء نوره العالم من خلال الجزيرة العربية، وكانت طموحات الشعوب كبيرة في مستقبل المجلس بحيث يشكل وحدة تكاملية في كل المجالات، ومن هنا كانت البدايات الأولى إيجابية من خلال الاستراتيجيات المختلفة ومن خلال القمم السنوية لقادة الدول الست بحيث اعتبر المجلس أكثر فاعلية حتى من الجامعة العربية نفسها.

مسار المجلس

واجه مجلس التعاون لدول الخليج العربية تحديات كبيرة خلال عقدي الثمانينات بشكل خاص خلال اندلاع الحرب العراقية الإيرانية على الصعيد الأمني، حتى أن هناك ربطًا بين قيام المجلس عام ١٩٨١ والعمليات العسكرية على ضفتي الخليج، كما أن تحدي الاجتياح العراقي لدولة الكويت الشقيقة في الثاني من أغسطس ١٩٩٠ هو أكبر تحدٍ وجودي لمجلس التعاون الخليجي ومع ذلك نجح المجلس في تخطي تلك التحديات من خلال حرص القيادات الخليجية على ضرورة المحافظة على مجلس التعاون باعتباره صمام الأمن للمنطقة، وأيضا يعد تكتلا سياسيا واقتصاديا مهما في ظل المتغيرات الجيوسياسية التي تتشكل في العالم.
ويعود تماسك المجلس في العقود الثلاثة الأولى على الأقل إلى وجود القيادات المؤسسة لمجلس التعاون ووجود تعاون حقيقي بينها والحكمة والموضوعية التي كانت تناقش بها أمور تلك الدول بما في ذلك عدد من الاختلافات وهي من الأمور الطبيعية في أي تكتل سياسي أو اقتصادي، كما هو الحال على صعيد دول الاتحاد الأوروبي أو منظمة الآسيان وحتى دول الاتحاد الإفريقي. وقد حقق مجلس التعاون خطوات جيدة في المجال الاقتصادي والتشريعات والتملك والربط الكهربائي وفي مجال المياه وفي مجال مشاريع الغاز وعلى صعيد التعرفة الجمركية وعدد من التطورات في مجالات الشباب والثقافة والتعليم، وهناك الاستراتيجية الأمنية والتنسيق في مجال تبادل المعلومات وعلى مستوى الجريمة.
ومن هنا فقد شكل مجلس التعاون أحلامًا كبيرةً لشعوب المنطقة وكانت هناك أفكار لضم عدد من دول الجوار خاصة اليمن والعراق، ومن خلال زخم العمل الخليجي المشترك كانت هناك آمال عريضة في رؤية مشاريع كبرى بين دول الخليج منها القطار المشترك من الكويت وحتى السلطنة مخترقًا أراضي دول المجلس وكانت هناك الخطوة المنتظرة وهي إقامة السوق الخليجية المشتركة والجيش الخليجي المشترك لحماية مقدرات شعوب المنطقة.

ما الذي حدث؟

واجه مجلس التعاون الخليجي التحدي الجديد قبل ثلاث سنوات من خلال الخلاف المتواصل بين أطراف فيه، ولا شك أن ذلك الخلاف كان بالإمكان احتواؤه من خلال الوساطة المقدرة من دولة الكويت الشقيقة التي قام أميرها الشيخ صباح الأحمد بجهود مقدرة للحفاظ على الكيان الخليجي، ولكن للأسف وقفت أطراف ضد هذا الجهد وجرت مياه كثيرة في المنطقة بعد التصعيد الإعلامي، خاصة وأن مجلس التعاون يشكل مصلحة إقليمية ودولية للأمن والاستقرار، وعلى ضوء التحدي الأكبر الحالي لمستقبل مجلس التعاون فإن الصورة تبدو ضبابية من خلال التحليل الموضوعي رغم الحرص على أهمية المجلس واستمراره.
ولعل الحديث في الآونة الأخيرة عن تصدعات في مجلس التعاون هو أمر ملموس من خلال القمم الأخيرة لمجلس التعاون، حيث التمثيل المتدني وغياب الحماس وتعمق الخلافات وأيضا دور الإعلام السلبي الذي يصب الزيت على النار، وها هو المجلس يعاني استمراره.
ولعل كلمة الأمين العام لمجلس التعاون بمناسبة الذكرى التاسعة والثلاثين لقيام المجلس تعطي بعض الأمل نحو انفراجة سياسية تنهي الخلافات، وعلى ضوء الظروف الموضوعية والمعلومات المتوفرة ومن مصادر مختلفة فإن المرحلة القادمة سوف تشهد تحركات نحو حل الخلاف الحالي، مع وجود تحديات ماثلة لا يمكن إغفالها، وهذا يقتضي الانتباه إلى أن استمرار الخلافات بين الدول وتواصل التراكم من خلال التراشق الإعلامي ووجود جهات ضد الجهود المخلصة لحل الخلاف بين الأشقاء يمهد لتعمق الخلاف.
الولايات المتحدة الأمريكية والغرب لن يحل الخلاف الخليجي ولكن الإرادة السياسية للدول الأعضاء والجلوس على طاولة الحوار هو الأمر الصحيح، وفي ظل التحدي الصحي الذي يواجه دول المجلس وانعكاسه المباشر على اقتصاديات دول المنطقة فإن المصلحة الوطنية للدول الست تحتم عليها تناسي الخلافات والتركيز على المشتركات والمصالح، ومن هنا فإن جهود السلطنة الأخيرة بلم شمل الأشقاء يتسق ودور السلطنة التاريخي في إيجاد الأمن والاستقرار للدول الشقيقة من خلال النهج الثابت للسلطنة منذ خمسة عقود.

التوجه العماني

حرص السلطنة على تماسك المجلس وعودته إلى وضعه الطبيعي هي مساعٍ عمانية مخلصة خلال عقود، وهي الآن تواصل ذلك النهج السياسي الواقعي بقيادة جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه – حيث تحرص السلطنة على التشاور مع الدول الشقيقة بما يضمن المستقبل الأفضل.
وتنطلق هذه الجهود من حرص عماني على أمن ووحدة دول مجلس التعاون الخليجي والتطلع للسلام والتعاون، من هنا فإن هذا الدور سوف يتواصل مؤكدًا على العلاقات التاريخية بين الدول والجذور العميقة، ولابد من التأكيد على بذل المزيد من الجهود للحفاظ على هذا الكيان الخليجي.
إن مجلس التعاون الخليجي يظل منظومة مهمة وحيوية، فإذا كانت ثمة تحديات حقيقية تواجهها المنطقة فإن وجود تكتل مجلس التعاون يظل الواجهة السياسية التي تحافظ على مصالح ووجود دول المجلس، فالمواجهة الفردية لن يمكنها من التصدي لتلك التحديات. من هنا نطلق دعوة صادقة للحوار بين الأشقاء وأيضا التجاوب مع الجهود المخلصة التي تبذلها السلطنة لتقريب وجهات النظر، والتفرغ لاحتواء فيروس كورونا الذي أصبح التحدي الأكبر لدول العالم، وتبقى السلطنة بقيادتها وشعبها واحة للسلام والاستقرار والحضارة الإنسانية والتاريخ المجيد.