نوافذ: بين الانتقال والانتشار ..

أحمد بن سالم الفلاحي
shialoom@gmail.com

ما يميز البعد الاجتماعي؛ ولعلها خصوصية مطلقة به؛ هو معايشته لحالتين رئيسيتين مهمتين – وفق رؤية عالم الاجتماع – وهما: الانتقال، والانتشار، وهما حالتان مرتبطتان بصورة مطلقة، فأحدهما مرتبط بالآخر، ولا ثالث بينهما، سوى الفاعلين من بني البشر، ولذلك عند النظر إلى هذا البعد، أو محاولة تقييم وسائله المختلفة، أو تأثيراته على المدى البعيد، أو المدى القريب، لا بد من النظر إلى هاتين الحالتين فيه، وإلا عد التقييم ناقصا، أو مبتورا، وبالتالي لا يمكن الجزم بحقيقة النتائج التي يتم التوصل إليها.
ولكل من هاتين الحالتين عامل مهم لتفعيله، فعامل الانتقال مرتبط بالزمن، وعامل الانتشار مرتبط بالمكان، وإن كان بعض علماء الاجتماع، ومنهم الدكتور عبد الغني عماد، خصص هاتين الحالتين بالبعد الثقافي المحض، كما جاء في كتابه (سوسيولوجيا الثقافة) إلا أن الأمر يمكن إعطائه متسعا أكبر، إذا نظر إلى الثقافة على أنها واحدة من مقومات البعد الاجتماعي الشامل.
ولذلك من المهم جدا، ربط البرامج، والخطط التنموية بهذه الخاصية الاجتماعية في حالتيها، وقدرة أفراد المجتمع على استيعابها، والتفاعل معها، ولا تبقى فقط، مجرد خدمات، مفرغة من مضمونها، لأن قدرة الفرد على استيعابها؛ أي هذه البرامج والخطط؛ معناها ديمومتها، واستمراريتها، وأن تكون لها حاضنة اجتماعية شاملها وعميقة، تعمل على المحافظة عليها، وعدم إهمالها، بالإضافة إلى قدرة الفرد الامتثال لمجموع التوجيهات الذاهبة إلى المحافظة عليه، وعلى استقراره، وأن لا يخالطه شعور مرتد، يذهب به إلى الإهمال والتقصير، وأنه ليس الوحيد مسؤولا عن ما يجري حوله من مغالطات يرتكبها البعض بحكم الجهل، وعدم التيقن، أو من الشعور بـ “اللامبالاة” لأنه إن حدث ذلك، وتنامى هذا الشعور عند كثير من أبناء المجتمع، فإن في ذلك ضربة قاسية في اللحمة الاجتماعية، وهذا ليس في مصلحة الوطن بأي حال من الأحوال.
لذلك؛ ووفق هذه الرؤية؛ تتميز حالة الانتقال المرتبطة بالزمن؛ كما قلت؛ بالسرعة الفائقة، ولكن ما يحد من سرعتها، وتأثيرها هو حالة الانتشار المرتبطة بالمكان، والتي عادة ما تتموضع وتتأصل، فكلما كانت حالة الانتشار بطيئة لاتساع الجغرافيا وبعدها، لن تنفع الانتقال سرعته الزمنية، ومعنى هذا فالحالتان يمكن أن يعملان في اتجاهين متعاكسين، إن تعطلت عجلة الانتشار، والعكس تماما، عندما يتوافقان على السير في خط أفقي متوازي، وهنا مكمن الإيجابية، إن كان المشروع تنمويا وإنسانيا، وهنا كذلك مكمن السلبية، إن كان المشروع خطيرا، وغير إنساني، كما هو الحال اليوم في انتشار وباء فيروس (كرونا – كوفيد19).
وعندما نسقط هذه الصورة على واقعنا المحلي فيما يخص التعامل مع هذه الجائحة، نرى مستوى التأثير الواضح لها في الخانة الاجتماعية على وجه الدقة، ونرى تأثيرها في حالتي الانتقال والانتشار، وأثر الزمن، والمكان في ذلك، وخصوصية البعد الاجتماعي الواضح في الصورة في عموميتها، ولذلك نقرأ اليوم على ألسنة المعنيين بالتعامل مع هذه الجائحة مستوى الخطورة المرتكبة من قبل كثير من أبناء المجتمع، في مخالفتهم للتعليمات الصادرة، وللتوجيهات الذاهبة إلى حمايتهم، ولأن هؤلاء الكثيرين ضربوا بعرض الحائط بكل ذلك، أصبح من المعتاد أن ترى كل ولايات السلطنة الـ (61) تسجل إصابات أقلها إصابة واحدة، وبعد أن كانت هناك محافظات تضم عددا من الولايات تخلو كلها من هذه الإصابة الواحدة، أصبحت تحتضن إصابات كثيرة، ذلك أن حالة الانتشار توافقت مع حالة الانتقال التي مارسها بعض الأفراد مع سبق الإصرار والترصد، وهذه ضربة قاسية لمفهوم الوعي الذي راهن عليه المعنيون منذ البداية، ومعنى هذه أن المجتمع لا يزال يحتاج إلى التوعية، والتوجيه، والتصويب، وربما الجزاء، فـ “آخر العلاج الكي” كما هي الحكمة.