نوافذ : لمن يحملون أرواحهم على أكفهم

سالم بن حمد الجهوري  –
Salim680@hotmail.com –

سأحمل روحي على راحتي ..
وألقي بها في مهاوي الردى
فإما حياةٌ تسر الصديق
وإما ممات يغيظ العدا
أتذكر هذه القصيدة للشاعر الفلسطيني عبدالرحيم محمود وتعرف باسم» الشهيد» التي كانت سبب شهرته الأدبية في العالم، والذي توفي شابا لا يتجاوز عمرة 36 عامًا خلال مشاركته في أحداث الثورة العربية الكبرى التي شارك فيها آنذاك ضد الانتداب البريطاني على فلسطين.
أتذكر هذه القصيدة الرائعة والخالدة كلما قابلت في أيامنا العصيبة هذه 3 فئات من جنودنا المرابطين على خطوط الموت خلال هذه الجائحة التي تمر بها السلطنة والعالم، وهم يبعثون فينا الأمل والتفاؤل.
أتذكر تلك العزيمة الوثابة والتضحية الغالية بالنفس وإرخاص الروح من أجل الآخرين، أتذكر أنهم يقدمون حياتهم لنا من أجل أن نبقى على قيد الحياة .. وأن تستمر الحياة نفسها، في مقابل سلامة كل واحد منا على مدى الأشهر الثلاثة الفائتة، وهم كمن قبلهم حمل روحه على كفه فعلا منذ بواكير فجر النهضة ورحلوا عنا تاركين لنا حلمهم الفجري المخضب برائحة الياسمين، بأن تكون عمان كما هي عليه اليوم، متوسدين تراب هذا الوطن يرقدون فيه بسلام آمنين. اليوم أحفادهم يقفون في 3 خطوط أمامية للدفاع عنا، يلامسون الموت في كل ثانية تعد الأخطر على الأمة وأكبر من التضحيات السابقة، يدافعون بشراشة بالغة يتمثلون في الأطقم الطبية، ورجال القوات المسلحة وشرطة عمان السلطانية.
«1»
ملائكة الرحمة كما عرفناهم يتوشحون قمصانهم البيضاء كبياض قلوبهم كل صباح، على مدى كل الوقت تجدهم بجانبك في المستشفيات والمراكز الصحية المنتشرة في ربوع عمان يحملون أرواحم على أكفهم فعلا، يضحون بها وهم يخالطون كل تلك الأعداد الموبوءة من المصابين، مبتسمين في أوجهنا رغم معاناتهم ليخففون عنك آلامك التي لم تجد البشرية له علاجًا ناجعًا حتى الساعة، وتمكنوا بإنسانيتهم ورعايتهم وإيمانهم بأنها قضية وجود، من بث روح الأمل في كل مصاب، واستطاعوا بعد الله أن يساهموا في مغادرة قرابة ألفي مصاب من المستشفيات ومراكز العزل إلى حالات الشفاء والعودة إلى أحضان أسرهم التي ينشدها كل من يقيم على هذه الأرض الطيبة، يسهرون على راحة كل المصابين بكورونا في وقت عز على المريض أن يرى حتى أهله، يتابعون حالته ويطمئنون عليه، وأن يراهم ويروه حتى وإن كان من وراء حجاب، وبعضهم في دول العالم حتى لم يتمكنوا من وداع ورؤية موتاهم.
تحية لهم في هذه الأيام التي يلتزم الناس بيوتهم وبقرب أهلهم وذويهم، بعيدين عنهم في هذا العيد الذي ينقصه الكثير من المشاهد، وهم يلاحقون مراحل إدارة الأزمة الصحية ويتطلعون إلى انجلاء الغمة، لهم كل التحية والامتنان والعرفان.
«2»
بالأمس انتشر مقطع فيديو وصورة معبران لدرجة تدمع فيها عينك، وأنت تستنطق ذلك المشهد الإنساني قلما تراه في العالم، لأحد أفراد شرطة عمان السلطانية من الذين يواصلون تقديم أروع الصور الإنسانية التي تهز الوجدان الداخلي، وهو يساعد مسنًا في ارتداء كمامة تقيه من عوارض الجائحة، بجانب طريق خلفه سلسلة جبلية، وأمام لوحة اعتقد أنها في محافظة مسندم مكتوب على طرفها (خصب) كما فهمت من اللوحة الإرشادية، يمثل ذلك الشرطي الطابور الثاني في كتيبة الدفاع عنا، واحدة من الصور المعبرة التي تمازجت فيها الأرواح وانصهرت في قالب عمانيتها، فقد علموهم أن ما يربط الدولة بمواطنيها ليست القوانين الوضعية.. بل هي الإملاءات الإنسانية .. المتدفقة من القلب كعيون الثوارة والكسفة وإرزات، التي تبقى منارات ترشد كل من ضل بسبب هذه الظروف في بحر لجي حتى لا تبتلعه الأمواج وتهضمه الظلمات.
علموهم أن الإنسانية أفق من المشاعر التي تصنع روابط الأخوة، ليست مكتوبة كعهد بين أبناء الوطن.
علموهم أن المواطنة أن تعين.. لا أن تمارس ساديتك تحت مظلة رتبتك.. علموهم أن المواطن أثمن ما يكون تحت سماء هذا الوطن، وهذا أبلغ الدروس للعالم الذي توحش في زمن ندرت فيه الإنسانية بمعانيها المتجردة.. إلا من رحم ربي.
«3»
جنودنا البواسل هم الضلع الثالث الذي يكمل كل تلك الجهود، يتسمرون مع رجال شرطة عمان السلطانية عند نقاط التفتيش حول العاصمة مسقط ومدنها وأحيائها الداخلية التي تتزايد فيها الإصابات والمحافظات ، تحت شمس حارقة تلامس فوق الـ45 درجة مئوية خلال هذه الأيام، يمر عليهم فيروس كورونا في اليوم مئات المرات من المصابين والحاملين له، وفي سيارات الإسعاف والذين يتم إنقاذهم ومن يتم فحصهم وملاحقة غير الملتزمين ومراقبة الأودية والشواطئ والشعاب والساحات والطرقات وغيرها مع عناصر الشرطة، لا تأويهم ألا خيام بسيطة من أشعة الشمس التي تلفح رؤوسهم وحرارة لا تزيدهم إلا صلابة وقدرة على المتابعة والتضحية من أجلنا كلنا.
ألف تحية لكل الذين ضحوا بأعز ما يملكون من أجلنا، ومن أجل عمان التي بفضل الله أرقام إحصاءاتها من الإصابات والوفيات مازالت أقل من التوقعات.. تحية من كل مواطن يدرك أنهم الحصون التي تحمي وتذود عن هذا البلد ومن يستظل تحت سمائه.