السباق العالمي الكبير من أجل الوصول إلى لقاح كورونا

د. صلاح أبونار –

تبدو الآن آمال الخروج الحاسم من جائحة كورونا، معلقة على الوصول إلى لقاح فعال وآمن يحمي من الفيروس الضاري. تمكنت إجراءات الإغلاق والتباعد من محاصرة الفيروس، ولكن بخسائر فادحة لا يمكن تحمل تكرارها، وتأتي تحذيرات العلماء من مخاطر التخلي السريع عن تلك الإجراءات والموجات القادمة المؤكدة للفيروس، لكي تجعل من اللقاح الحل الجذري للمواجهة والاحتواء النهائي.
ولا تبدو الأدوية القديمة المخصصة لأمراض أخرى والجديدة قيد التطوير المصممة للكورونا، مرشحة للقيام بدور جذري في المواجهة الحالية. فكلها لا تزال في مرحلة «التجارب السريرية»، ولا توجد حتى الآن مؤشرات قوية تفيد أن الجديد والأهم منها سيكون بين أيدينا قبل اللقاح بفترة مؤثرة. وستمتلك بالتأكيد ميزة تقليل أعداد الحالات الخطرة والوفيات، ومعهما تقليل الضغط الجماعي على أنظمة الصحة الوطنية. ولكن حتى هذه القدرة لا يمكننا التنبؤ بها بدقة والتعويل عليها، تبعا لقدرة الفيروس على التحور وبالتالي اختراق بعض المواصفات التي صمم الدواء على أساسها. وليس من المتوقع أن تعوق طابع كورونا الاجتياحي الواسع، والوقوف في وجه تكرار وتنقلات موجاته، كما أنها ستحتاج لسنوات لتحقيق قدرة علاجية عالية. والأخطر من كل هذا أن خبرة كورونا على درجة من التدمير، ستخلف بالتأكيد قدرا مهولا من الجزع الجماعي: «كورونا فوبيا». وهذا الجزع الجماعي الذي نلحظ مقدماته حاليا، قد يدفع لتوليد ردود فعل آلية متطرفة استباقا للخطر في لحظات تجدده. ومثل هذا الجزع لن تعيقه الثقة في دواء موجود، بل وجود لقاح جماعي يقف سدا في وجه احتمالات اجتياحات جديدة.
وهناك سباق عالمي للوصول إلى اللقاح المرتجى. في منتصف أبريل كانت المحاولات المتبعة تزيد على المائة قليلا لكنها الآن تزيد على الألف، ولكن الإعلام يتطرق فقط للمحاولات البارزة، مثل مشاريع لقاح شركات مودرنا الأمريكية وفايزر الألمانية وسينوفاك بيوتيك الصينية وجامعة اوكسفورد، وكلها دخلت مرحلة التجريب البشري. ولن يفيدنا كثيرا الدخول في تفاصيل تلك المشروعات، والأجدى رصد التحديات التي تواجهها.
سنجد التحدي الأول في نقص المعرفة العلمية بالفيروس. تشدد الدكتورة أليسون كيلفن بالمركز الكندي لعلم اللقاحات، على جدة الفيروس ومحدودية معارفنا:«ليست لدينا صورته الأكلينيكة، ولا بصمته الجينية، ولا بصمته البروتينية». ويطرح النقص تحديات أمام تطوير اللقاح. يذكر الدكتور ماثيو ميللر:«نعرف جيدا بالنسبة لبعض اللقاحات أي خلايا من نظام الحصانة على سبيل المثال، هي الأكثر أهمية لتوفير حماية ضد نوع من الفيروسات، فنكون على ثقة عالية أن الشخص سيصبح محميا. ولكن ليس هذا هو الأمر بالنسبة لكورونا». فهذا النقص المعرفي قابل للمواجهة والتخطي. تنبهنا الدكتورة ناتشا كروكرومب للوجه الآخر المضيء: «حاول الناس من قبل تطوير لقاحات في مواجهة فيروسات، ولكن لم يحدث أن بذلنا كل هذا الجهد لاكتشاف لقاح، ولا شهدنا مثل تلك المحاولات الكثيرة للوصول إليه». وهكذا نجد أليسون كيلفن وماثيو ميللر رغم إشاراتهما لنقص المعرفة يعبران عن ثقتهما في إمكانية التغلب عليها. فتذكر كيلفن أن الأسلوب الحديث في تكوين اللقاحات سيتغلب على مساحة من المشكلة، ويظهر ميللر ثقته في قدرة الجهد المبذول على تخطي الصعاب في فترة زمنية استثنائية.
وسنجد التحدي الثاني في مشكلة التحور الجيني للفيروس. يرى فريق من العلماء أن كورونا بالمقارنة بفيروس الأنفلونزا لا يبدو سريع التحور، الأمر الذي يوفر فرصة للعلماء لدراسة أساليب عمله دون الاضطرار إلى إجراء تغيرات في عملهم في اللقاح، وإذا تحور فسوف تكون تحورات هامشية يمكن لهم مواجهتها. ولكن هناك فريق آخر لا يظهر هذه الثقة في ضعف التحورات، لكنه أيضا لا يقول بضخامتها وخطورتها. وأشارت الجارديان إلى دراسة أجريت على عينة من 5300 جينوم للفيروسات من 62 بلدًا، انتهت إلى أنه بينما ظل الفيروس ثابتا إلى حد بعيد وقع لجزء من الفيروسات تحورات شملت تحورات جينية، نتج عنهما تغيرا حاسما في «البروتين المدبب» الذي يستخدمه الفيروس في الهجوم على الخلايا. وحتى الآن تبدو تحورات البروتينات المدببة نادرة الحدوث، ولكن الدكتور مارتن هيبريد المتخصص في العدوى الفيروسية ينبه إلى ضرورة متابعتها بدقة، لأن اللقاحات التي يجري بحثها وتصميمها الآن تعمل على أساس استهداف البروتينات المدببة لتعطيل عمل الفيروس، ويمكن للتحورات عند مرحلة معينة منها أن تؤدى لفقدان اللقاح فاعليته.
وسنجد التحدي الثالث في المدى الزمني المتوقع للوصول إلى اللقاح. وفقا للمنهج التقليدي يستغرق الأمر فترة تتراوح بين عامين وخمسة أعوام، مثل لقاح ايرفيبو المضاد للإيبولا الذي استغرق خمس أعوام من التجارب. والسبب الأساسي لطول المدة لا يرجع للعمل العلمي والمعملي، بل لوجود ثلاث مراحل من التجارب بعضها قد يمتد طويلا ضمانا للسلامة. ولكن الدكتور انطوني فوتشي يقدر أن الجهود الجارية ستنجح في الوصول للقاح للكورونا خلال فترة من 12 إلى 18 شهرا، ويتفق بيل جيتس مع هذا التقدير مضيفا أنها قد تنخفض إلى 9 أشهر أو ترتفع لعامين. وهذا معدل إنجاز استثنائي بالمعايير التقليدية. ولتحقيق هذا الإنجاز اتبعت المراكز البحثية أحد مسارين أو كليهما.
مسار أول لاختصار مراحل التجريب التقليدية، مثل إسقاط مرحلة التجريب على الحيوانات، وتقليص المدى الزمني لمراحل التجريب ودمجها جزئيا، والشروع من الآن في إعداد قواعد وتسهيلات الإنتاج الصناعي. وهذا المسار يجد اعتراضات من جانب بعض الباحثين. فهم يرونه مناقضا لأخلاقيات البحث، ومنتقصا لمعايير أمان وكفاءة اللقاح، وكما يقول الدكتور جوناثان كيليمان: «تمارس الأوبئة وحالات الطوارئ ضغوطا من أجل إيقاف وتعطيل حقوق ومعايير الإدارة الأخلاقية المعتادة للأبحاث. وغالبا نكتشف أن القرارات التي اتخذناها لمسايرة هذه الضغوط، جاءت الأيام والتجارب لتظهر عدم حكمتها». ومسار ثان يخص تقنية فعل اللقاح وصناعته. تستخدم تقنيات عمل اللقاح نفس تقنيات الدفاع الطبيعي للجسم. عندما تهاجم فيروسات الجسد يرد النظام المناعي بإنتاج أجسام مضادة، تتجه للفيروس وتلحق نفسها بالآنتي جينات الموجودة على سطحه، ثم ترسل إشارات للجسم لكي يهاجم الفيروسات. وللنظام المناعي ذاكرة حافظة لكل ميكروب هاجمه وهزمه، وعبرها سيتعرف على الفيروس عندما يهاجمه مرة أخرى ويدمره قبل أن يصيبه بالمرض. وتستعير اللقاحات تلك التقنية من خلال تعليم النظام المناعي كيف يهزم فيروس دون أن يكون قد أصيب من قبل بمرضه. ولتحقيق هذا الهدف تستخدم اللقاحات طريقتين: اللقاحات غير النشطة المستخدمة لفيروسات قُتلت، واللقاحات الحية المستخدمة لفيروسات حية لكنها تعرضت للإخماد. والمشكلة في الطريقتين حاجتهما لمخزون هائل من المواد البيولوجية التي يجري تنميتها ومعالجتها معمليا وهذا يستغرق وقتا طويلا. ولكن محاولات لقاح كورونا تتجه لتطوير طريقة ثالثة تمكنت من تجاوز المشاكل الزمنية. وتتمثل هذه الطريقة في أسلوبين تتبعهما مشاريع اللقاح الجارية: لقاح دنا ولقاح رنا. وتبعا لبيل جيتس يبدو لقاح رنا لشركة مودرنا الأمريكية الأكثر وعودا. بدلا من طريقه اللقاحات التقليدية التي تقوم بحقن الجسد بآنتي جينات الفيروس لتعليمه كيف يواجهه إذا هاجمه، تقوم تقنية رنا على حقن الجسم بالكود الجينى القادر على إنتاح الآنتى جين نفسه، وبعدها سيشرع النظام المناعي في مهاجمته ويتعلم كيف يقوم بهزيمته مستقبلا. وهو ما يعني تحويل الجسد الإنساني إلى وحدة لتصنيع اللقاح، وبالتالي لن نكون في حاجة إلى تلك الكميات الضخمة من المواد البيولوجية المعملية لإنتاجه، وسنكون أسرع كثيرًا في إنتاجه.
وسنجد التحدي الرابع في مدى فعالية وأمان اللقاح ومشكلات توزيعه. الأرجح أن سرعة إنتاج اللقاح لن تمكننا من الوصول للقاح كامل السلامة والفعالية. ويقول بيل جيتس إنه لم يحدث أن توصلنا لأي لقاح تمكن من استئصال مرض ما بالكامل إلا فيما يتعلق بلقاح الجديري، والأخير رغم نجاحه ليس آمنا تماما. ويضيف أنه ليس أمامنا سوى القبول بالأمر الواقع، وإننا يمكن أن نستخدم لقاح فعال بنسبة 70% فقط أو حتى 60%، لأنه سيمنحنا مساحة من الحماية ووقتا يمكننا من الوصول للقاح كامل الفعالية. وينبه أنه لا يمكننا الاعتماد على لقاح تقل فعاليته عن 60%، لأنه ليس كافيا لخلق مناعة القطيع. وربما سنجد المشاكل الأخطر في توزيع اللقاح. سيواجه التوزيع مشكلة الهوة بين العرض والطلب. سوف نكون في حاجة إلى 7 بلايين جرعة إذا كان اللقاح من جرعة واحدة. ولن يكون في مقدورنا توفيرها مرة واحدة، وبالتالي سنواجه معضلة معايير التوزيع بما تنطوي عليه من خيارات أخلاقية مريرة. وسيواجه التوزيع مشكلة الهوة بين معايير المنتجين الاقتصادية واحتياجات الحماية الإنسانية.
ولا يبدو أن تلك الهوة ستخلق أزمات داخل الدول المتقدمة، التي أنفقت البلايين لمواجهة الفيروس اجتماعيا ولن تبخل ببلايين أخرى لتحصين شعوبها ضده. وسيظهر فعل تلك الهوة عندما يتجه اللقاح لأسواق الدول الفقيرة. كيف ستواجه هذه المعضلة؟ هل ستترك العملية بالكامل لمنطق السوق؟ أم إننا سنواجه إرادة دولية قادرة على تحويلها إلى فعل تعاون دولي يتخطى معايير السوق؟ إننا قد لا نواجه المشكلة أصلا بفعل تنافس الدول على أنتاج اللقاح ورغبتها في توظيفه لاكتساب مكانه دولية؟