إصلاح المنظمات الدولية ليس بإضعافها ولا بهدمها !!

د. عبد الحميد الموافي –

لعل من أهم السمات التي تميز تطور التنظيم الدولي في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، ومنذ إنشاء الأمم المتحدة تحديدا أن مبدأ العمل الجماعي بين الدول أصبح ركيزة أساسية، ليس فقط على صعيد العمل من أجل الحفاظ على السلم والأمن الدوليين، عبر مبدأ الضمان الجماعي، الذي جسده ميثاق الأمم المتحدة، ومجلس الأمن كأهم هيئات الأمم المتحدة، ولكن أيضا على صعيد التعاون بين الدول في المجالات غير السياسية، أو ما يعرف بالتعاون الوظيفي، أي في المجالات الصحية والثقافية والتقنية وفي مجالات الطيران والنقل والاتصالات والبيئة والمناخ والاستخدام المشترك للأنهار الدولية وغير ذلك من المجالات التي تضمن تحقيق المصلحة المشتركة والمتبادلة للدول، وعلى أفضل نحو ممكن ووفق قواعد دولية متفق عليها تحولت بمرور الوقت إلى قواعد مستقرة وذات تأثير متزايد بالنسبة لسلوك الدول المختلفة الأعضاء في المنظمة، سواء كانت منظمة عالمية كالأمم المتحدة، أو منظمة قارية أو إقليمية أو متعددة العضوية كالاتحاد الأفريقي والجامعة العربية ومجلس التعاون لدول الخليج العربية على سبيل المثال.
وفي الوقت الذي ازدادت فيه أهمية المنظمات الدولية والإقليمية والفرعية المتخصصة، أي العاملة في المجالات غير السياسية، لخدمة المصالح المشتركة والمتبادلة للدول الأعضاء وللمصلحة العالمية والإقليمية بوجه عام، وذلك بمحاولة الخروج بالتعاون الوظيفي هذا إلى خارج أو بعيدا عن الخلافات السياسية التي تعرقل أو تحد على الأقل من تعاون الدول الأعضاء في هذا المجال أو ذاك، إلا أن الدول كدول، أو كوحدات سياسية أساسية، في تلك المنظمات لا تزال تمتلك قدرة غير قليلة على التأثير في عمل تلك المنظمات، بل وإمكانية عرقلته، خاصة إذا كانت من الدول ذات المساهمة المالية الكبيرة في تمويل المنظمة، أو ذات النفوذ السياسي الكبير دوليا أو إقليميا، وذلك عبر رفعها «كارت» مبدأ السيادة، أو حتى الاحتجاج أو المطالبة بإصلاح المنظمة، وفي كثير من الأحيان يكون ذلك حقا يراد به باطل، أو تغطية لمواقف سياسية ما تعود إلى الدولة التي ترفع ذلك ولمصالحها الذاتية أكثر منه للمنظمة أو أدائها. والأمثلة في هذا المجال عديدة ومتكررة، سواء بالنسبة للأمم المتحدة والمنظمات المتخصصة التابعة لها، أو بالنسبة للعديد من المنظمات الإقليمية والدولية والفرعية الأخرى. وآخر أو أحدث الأمثلة في هذا المجال إعطاء إدارة الرئيس الأمريكي مهلة مدتها شهر لمنظمة الصحة العالمية لإصلاح نفسها، أو أن تنسحب الولايات المتحدة منها، وذلك على خلفية جائحة كورونا والتوتر المتزايد بين الصين الشعبية والولايات المتحدة حول ظروف انتشار فيروس «كوفيد -19» وفي هذا المجال فإنه يمكن الإشارة باختصار شديد إلى عدد من الجوانب لعل من أهمها ما يلي:
أولًا: إنه في ظل التنافس، بل والحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة، وهو تنافس يعبر عن نفسه على مستويات عدة، تنطلق كلها من أرضية التنافس على النفوذ بين الجانبين وخشية الولايات المتحدة من تهديد الصين المتزايد لمكانتها الدولية، فإنه من المعروف أن التوجهات الاستراتيجية الرسمية الأمريكية أقرت في وثائقها، منذ إدارتي بوش الابن وأوباما، حق واشنطن في العمل بكل السبل الممكنة لمنع أية قوة دولية أخرى من اللحاق بها أو تجاوز مكانتها الدولية، وتعمل إدارة ترامب على تحقيق ذلك بوسائل مختلفة، ويزيد من خطورة تأثيرها الاتجاهات الأمريكية للانسحاب من اتفاقيات ومعاهدات دولية ذات أهمية، واهتزاز إيمان الإدارة الأمريكية بقيمة التعاون الجماعي الدولي، خاصة مع رفع ترامب لمبدأ «أمريكا أولا».
وفي هذا الإطار زاد الرئيس الأمريكي من ضغوطه على منظمة الصحة العالمية، التي تقوم بدور حيوي على مستوى مكافحة الأمراض والأوبئة ومنها كورونا الآن، بحجة أن المنظمة كانت «ألعوبة» في يد الصين، وأنها تسترت على بكين، وأنها لم تكن شفافة بشأن خطورة فيروس كورونا في البداية، حسبما أعلنه ترامب عدة مرات، فضلا عن اتهام واشنطن لبكين بالتسبب في انتشار الفيروس بشكل أو بآخر، وهو ما نفته بكين وحذرت يوم السبت الماضي من أن التوتر مع واشنطن يضع البلدين على حافة «حرب باردة».
ثانيا: في الوقت الذي أكدت فيه منظمة الصحة العالمية، على لسان المدير العام لها تيدروس جيبر ييسوس «إنها ماضية في القيام بدورها ومهمتها في مكافحة جائحة كورونا»، فإن واشنطن التي تأرجح موقفها من وقف تمويل المنظمة، إلى العودة إلى تمويلها جزئيا، إلى التهديد بالانسحاب ووقف التمويل بشكل كلي، أضافت نقطة خلاف أخرى مع منظمة الصحة العالمية، وهي المتمثلة في انتقاد موقف المنظمة من ضم تايوان كمراقب إلى عضوية المنظمة، وهو ما طالبت به واشنطن، للاستفادة من خبرة تايوان في مكافحة كورونا، ولم تستجب المنظمة لذلك، حيث أجلت الدول الأعضاء في المنظمة في اجتماع جمعيتها العمومية يوم 18 مايو الجاري اتخاذ قرار بشأن تايوان نظرا للبعد السياسي لهذه المسألة وموقف الصين المعروف منها، حيث تعد تايوان إقليما صينيا يتمتع بالحكم الذاتي في إطار نظام «صين واحدة ونظامين» الذي تم بموجبه عودة تايوان إلى الصين الشعبية، وقد اتهم وزير الخارجية الأمريكية بومبيو مدير عام منظمة الصحة العالمية «بعدم الاستقلالية» و«بالخضوع لضغوط الصين»، ومن الواضح أن واشنطن تبحث عن نقطة خلاف أخرى مع منظمة الصحة العالمية.
ومع تشعب الجدل الأمريكي الصيني حول كيفية انتشار فيروس كورونا والطرف المسؤول عنه، فإن الموقف الأمريكي تبلور في نقطتين أساسيتين، أولهما فشل منظمة الصحة العالمية في القيام بدورها في مواجهة كورونا، وعدم شفافيتها، وتغطيتها على موقف الصين في الأسابيع الأولى لانتشار الفيروس، وأن ذلك يقتضي إصلاح المنظمة أو الانسحاب منها إذا لم يتم الإصلاح وفقما تريده واشنطن بالطبع.
النقطة الثانية تمثلت في تأرجح موقف واشنطن بالنسبة لاتهام بكين بالمسؤولية عن انتشار الفيروس، بين اتهام مباشر للصين بالمسؤولية عن ذلك وبين الحديث عن «فشل صيني» في مواجهة الفيروس في الفترة الأولى لانتشاره وعدم شفافية بكين في نشر المعلومات الخاصة بالفيروس لتحذير العالم، وهناك مسافة واسعة بين الاتهام المباشر وبين مجرد الفشل. ومن ثم ازدادت الدعوة لإجراء تحقيق دولي بشأن كيفية انتشار الفيروس ومصدره وما إذا كان قد تم التلاعب به جينيا، وهو ما وافقت عليه الجمعية العمومية لمنظمة الصحة العالمية، وأيدته المنظمة ذاتها من خلال لجنة الرقابة بها التي أيدت القيام بمراجعة أداء المنظمة وتعاملها مع كورونا وبشكل شفاف «وبعيدا عن التسييس».
ثالثا: إذا كانت جائحة كورونا قد أظهرت، وباتفاق مختلف دول العالم باستثناء الولايات المتحدة، أهمية منظمة الصحة العالمية والحاجة إلى دعم دورها لصالح البشرية، فإنها أظهرت كذلك أهمية وضرورية العمل الجماعي الدولي لتحقيق ذلك، وأنه ليست هناك دولة يمكنها بمفردها التصدي لمثل هذه الجائحة، وتوفير كل متطلبات مواجهتها، وهو ما اعترفت به واشنطن ذاتها. وهذه الخلفية التي اتفقت عليها الدول الأعضاء في المنظمة في اجتماع جمعيتها العمومية يومي 18 و19 مايو الجاري تصطدم مباشرة بموقف واشنطن، التي رفضت التعاون مع الجهود العالمية للبحث عن لقاح للفيروس وفضلت العمل بمفردها، كما انتقدت قرار المنظمة إتاحة اللقاح – في حالة التوصل إليه – للاستخدام العالمي بدون حقوق مالية حصرية وبتكلفة مناسبة.
ومع الوضع في الاعتبار أن الدعوة لإصلاح منظمة الصحة العالمية هي دعوة جذابة في صيغتها العامة، ومع الاتفاق العام حول أهمية إصلاح وتطوير المنظمة وغيرها من المنظمات الدولية، إلا أن ذلك لا يمكن أن يتم من خلال إضعاف المنظمة بحجب أو تقليل التمويل المقدم لها، ولا من خلال الانسحاب من عضويتها ومحاولة هدمها بشكل أو بآخر، خاصة وأن دور أمريكا في منظمة الصحة العالمية وفي غيرها من منظمات الأمم المتحدة هو دور مؤثر بحكم الإمكانات والمساهمات المالية الكبيرة في تمويل برامجها ومن خلال نفوذ واشنطن السياسي أيضا.
ومع الوضع في الاعتبار خبرة منظمة اليونسكو وانسحاب أمريكا منها، ووقف تمويل واشنطن لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين – الاونروا – وغيرها فإن البعد السياسي للخلاف الأمريكي الصيني يضعف مصداقية الدعوة الأمريكية لإصلاح المنظمة. ومع اتفاق الجمعية العمومية لمنظمة الصحة العالمية على إجراء تقييم «محايد ومستقل وشامل» لاستجابة المنظمة وتعاملها مع الفيروس، وكذلك إجراء تحقيق دولي شفاف حول ملابسات ومصدر انتشار الفيروس، وموافقة المنظمة وكذلك الصين على ذلك بشرط عدم تسييس التحقيق، فإن المشروع الأوروبي لزياد فاعلية المنظمة وإصلاحها والحفاظ عليها وزيادة دورها، الذي ستبلوره ألمانيا وفرنسا في إطار الاتحاد الأوروبي في النصف الثاني من هذا العام، يعد مهما ومناسبا للخروج من حالة الجدل القائمة، وقد أكدت ألمانيا في حديثها عن ذلك أمام اجتماع الجمعية العمومية لمنظمة الصحة العالمية على تقديرها لدور المنظمة والحاجة إلى تطويره وهو ما يحظى بتأييد دولي عام. أما الخلاف الأمريكي الصيني السياسي والتجاري والاستراتيجي فإنه يجب ألا يؤدي إلى عرقلة أو تعطيل أو هدم منظمة الصحة العالمية التي تعد من أهم مرافق النظام الدولي وهو ما بات يدركه الجميع.