«كوفيد-19» سيعيد تشكيل علاقتنا بالدولة

ماثيو جُودْوِين – شاتام هاوس –
ترجمة – قاسم مكي –

يرى مَن يؤمنون بنظريات التاريخ الدائري أو المتكرر أن انهيار سوق الأسهم الشهير في عام 1929 كان مؤشرا على فشل الأسواق (في إدارة الاقتصاد)، ويعتقدون أنه مهَّد الطريق لتضخم دور الدولة الاقتصادي والذي قاد حينها إلى سياسة «النيوديل» في أمريكا وظهور دول الرفاه الاجتماعي في أوروبا.
لكن في أعوام السبعينات جاء الدور على الدولة الكبيرة التي ثبت أنها غير قادرة على حل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية العويصة، مهَّد ذلك العجزُ بدوره لعودة الأسواق عبر السياسات «الريجانية والتاتشرية» ولتوافقٍ اقتصادي قَبِلَ به في آخر المطاف حتى الديمقراطيون الاجتماعيون من يسار الوسط .
واليوم يرى البعض أننا في الأعوام القادمة سنعتبر أزمة كورونا تصحيحا كبيرا، فأزمة «الانكماش العظيم» الذي شهدناه في الفترة 2008-2012 جاءت بعد فشل الأسواق مرة أخرى وأيضًا لأن تلك الأزمة وأزمة الإغلاق الحالية تُمهِّدان لظهور دولة أكبر حجمًا وأكثر تدخلا (في الاقتصاد).
وعلى الرغم من أنني أشك عموما في صواب نظريات المسار الدائري للتاريخ إلا أن الحجم الهائل للإنفاق الحكومي كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي والركام المتزايد للدَّين القومي والعالمي يؤكدان على تراجع حرية السوق والسياسة المالية المحافظة (التي تقلص دور الدولة في الاقتصاد).
حتما ستترتب عن بزوغ حقبة جديدة للدولة الكبيرة والمديونية الضخمة آثار عظيمة حتى إذا لم نشعر بها لبعض الوقت. من بين هذه الآثار ارتفاع معدل الضرائب والضغط على الأثرياء «ضريبيا» وضغط الرأي العام من أجل المزيد من التدقيق والشفافية وخفض النفقات العامة.
وعلى الرغم من أنه ليس من الصعب أن نرى كيف يمكن للشعبويين استغلال ذلك إلا أن (كوفيد-19) قد يؤثر على الكيفية التي ينظر بها المواطنون للدولة على كل حال، خصوصًا أنها هبَّت إلى نجدتهم في مناسبتين خلال ما يزيد قليلا عن عقد من الزمان.
قد تكون نتيجة ذلك قبولا عاما بحجم أكبر للحكومات وتدخلا أوسع نطاقا من جانبها في الاقتصاد واستعدادًا لتجريب الأدوات التي تديرها الدولة، خصوصا وسط الأجيال الأكثر شبابا والتي ليست لها ذكريات فعلية عن حقبة ما قبل 2008، لذلك يجد الليبراليون الاقتصاديون ودعاة حرية السوق أنفسهم في وضع المدافع الآن وستلزمهم المرافعة عن قضيتهم مرة أخرى.
في أعقاب كلا الحربين العالميتين أدى التوسع الهائل في مسؤوليات الدولة والتزاماتها بالإنفاق إلى قيامها بدور أكبر في الاقتصاد وإلى قبول عام له في المجتمع العريض، كان ذلك معقولا لكنه قاد في النهاية إلى إخفاقات كبيرة في الأداء، لذلك هنالك حاجة للقيادة السياسية لمعرفة متى وكيف ينبغي تقليص دور الدولة.
وربما أن تزايد وضوح دور الطبقة العاملة في أثناء جائحة (كوفيد-19) (دور ناقلي طرود أمازون وعمال البريد وسائقي الترام والحافلات ألخ) يخرج بنا من حقبة التقسيم الطبقي إلى تضامن أوسع وعابر للطبقات ونسيج اجتماعي أشد متانة.
هذا وتشير الدراسات إلى أن الجائحات السابقة شهدت غضبا جماعيا من انخفاض الأجور وضعف شروط العمل، اقترن به وعي العمال بدورهم الذي لا غنى عنه في الاقتصاد وأدى إلى زيادات في الأجور وشروط عمل أفضل.
لكن في حين قد يكون بعض ذلك صحيحًا إلا أن ثمة أدلة بأن «الإغلاق العظيم» سيفاقم الانقسامات في مجتمعنا والتي بدأت تشتد قبل عقود قليلة ثم زادها سوءا «الانكماش العظيم».
من الواضح أن للفيروس تأثيرا متفاوتا «غير متساوٍ» في جانبي الصحة والاقتصاد كليهما، فالعاملون من طبقة «البريكاريا» هم الأكثر تضررا من التداعيات الاقتصادية لـ (كوفيد-19)، إنهم أولئك الذين يحصلون على دخول منخفضة بقطاع الخدمات غير الماهرة والأنشطة غير المستقرة والوظائف المؤقتة ومن لديهم مؤهلات تعليمية قليلة. كما تضخِّمُ أوضاعُهم الصحية «الهشة»من تأثير الفيروس نفسه.
توضح البيانات أن جماعات السود والأقليات الأثنية الأخرى أكثر تعرضًا للموت من السكان البيض، ونحن الآن نعلم أيضا بوجود معدلات وفيات عالية في المملكة المتحدة وسط عمال التشييد الذكور والعاملين بالتمريض والحراس الأمنيين وسائقي الأجرة (أصحاب المهن البسيطة)، وهي معدلات غير متناسبة قياسا بالسكان الآخرين ممن هم في سن العمل.
في الولايات المتحدة تشير الأبحاث إلى أن أكثر من 80% من الوظائف التي تأثرت بالأزمة يشغلها أصحاب الدخل المنخفض في حين أن أجر من يعملون في معظم الوظائف المتأثرة في قطاعات الاقتصاد المغلقة بالمملكة المتحدة أقل من نصف أجر من يمكنهم العمل من منازلهم.
رغما عن ذلك ستشعر الطبقات الوسطى المهنية والغنية المحمية من الآثار السلبية للعولمة بأثر فيروس كورونا خصوصًا أولئك الذين لديهم آباء وأمهات كبار في السن، لكنهم عموما يتمتعون بحماية أفضل كثيرا من آثاره الاقتصادية الضارة.
وجدت الدراسات أن أكثر من سبعة من بين كل عشرة من أصحاب الدخل المرتفع من الأمريكيين يمكنهم العمل من بيوتهم مقارنة بأربعة فقط في كل عشرة من بين نظرائهم من ذوي الدخل المنخفض في الولايات المتحدة، ويدل ذلك على أن هذه الطبقات الاجتماعية المختلفة لديها (وستظل لديها) تجارب مختلفة جذريا مع هذه الأزمة.
ووجدت الأبحاث الأخيرة أن معظم الجائحات السابقة كانت، بعكس السردية التي ترى أنها «عامل مساواة كبير»، تؤدي إلى «زيادة مستمرة وكبيرة» في مؤشر جيني الذي يقيس انعدام المساواة الاقتصادية، فبعد 5 أعوام من كل جائحة كان أولئك الذين لديهم مؤهلات تعليمية ومهارات أقل هم الأكثر معاناة.، وهؤلاء هم المجموعات نفسها التي تقف خلف معظم التقلب السياسي التي ظللنا نشهده طوال العقد المنصرم.
وعلى الرغم من أننا لن نعرف كيف تؤثر الأزمة الحالية على السياسة لفترة طويلة إلا أننا على يقين تقريبا من أنها ستعيد جذريا صياغة العلاقة بين المواطن والدولة.