الشتاء العربي

بقلم: نوح فيلدمان
ترجمة: أحمد شافعي
“الشعب يريد إسقاط النظام” تردَّدت تلك الكلمات منغومة في شتَّى أرجاء العالم العربي ابتداء من يناير 2011 واعدة بتحول في الشرق الأوسط. إذ سعت للمرة الأولى جموع غفيرة من الناس العاديين إلى القبض بأيديهم على مصيرهم السياسي، وإلى صياغة مستقبل أفضل لأنفسهم. وقد قوبل تفاؤل مطامحهم وشجاعة جهودهم بتعاطف وإعجاب من العالم كله، وبخاصة من المؤمنين بقيم حكم الذات. ولقد كان الجانب الأكثر إثارة وثورية في الربيع العربي هو أن الشعوب تحركت من تلقاء نفسها، مزيحة سيطرة الحكومات القمعية والقوى العظمى العالمية التي طالما دعمت تلك الحكومات.
لكن مثلما بتنا نعلم اليوم، فإن مسار الأحداث الملتهب الذي بدأ من تونس واكتسح مصر ومسَّ نصف دزينة من الدول وانتهى إلى سوريا لم يأت في نهاية المطاف بخير كثير إلا في المكان الذي بدأ فيه. ففي بطء وإيلام وعلى نحو متقطع، تحولت حكاية الربيع العربي البطولية إلى شيء مقبض للغاية.
ثمة كلمة تصف ما يحدث حينما يتحول النبل والأمل والقدرة البشرية على الفعل إلى صراع وخطأ وقدرة بشرية على بث الرعب. تلك الكلمة هي المأساة: هي المعكوس الذي ينتج فينا مزيجا فريدا من الخوف والتقمص الذي عرّفه أرسطو بالتطهر. في الربيع العربي، لم تكن الدعوة الشعرية إلى التغيير إلا مفتتحا أنشدته الجوقة للدراما التي أعقبته.
استغرق الأمر سبع سنين لتتكشف جوانب المأساة. والآن، على بعد مسافة قصيرة إن قيست بمقياس الزمن التاريخي، وطويلة إن قيست بكمِّ ما جرى، ثمة رؤية إجماعية تنشأ بشأن الربيع العربي. ويمكن صوغها ببساطة: كان منذورا بالفشل. يقول الخبراء وغيرهم ـ بأثر رجعي ـ إن تلك البلاد التي خرجت شعوبها إلى الشوارع معربة عن إرادتها للتغيير لم يكن لديها عزم ذاتي سياسي تحولي حقيقي. لقد كان الحكم الذاتي الشعبي العربي “سرابا” و”فجرا كاذبا”. ولقد كان العرب (أو ربما المسلمون) “استثناء” بالقياس إلى القدرات الديمقراطية لدى شعوب أخرى. والربيع العربي ـ عند النظر إليه عبر هذه العدسة الاسترجاعية ـ يبدو وكأنه لم يحدث قط، لأن الفعل السياسي الأصيل يقتضي الوصول إلى السلطة، وهذا ما لم تنجح الشعوب قط في تحقيقه فعليا، بغض النظر عما رجوه وآمنوا به لفترة عابرة.
هدف هذا الكتاب هو إنقاذ الربيع العربي من قضاء اللاوجود الضمني، واقتراح سرد بديل يبرز ممارسة العمل السياسي الحر الجماعي، بكل ما يصاحبه من مخاطر الخطأ والكوارث. ما من شك في أن الربيع العربي ـ بعيدا عن إزاحة حفنة من الطغاة ـ لم يحقق أغلب مطامحه الكبرى. ولست أنازع الكثيرين في قولهم إن الربيع العربي أضار في نهاية المطاف بحياة الكثيرين وجعلها أسوأ من ذي قبل. فمن الطاقات التي أطلقها الربيع العربي ما كان مريعا بصفة خاصة، ومنها ما أجَّجته الحرب الأهلية السورية وقيام “تنظيم داعش”.
وبرغم ذلك فإن ربيعا عربيا هو الذي أدى إلى الشتاء العربي الحالي. شيء ما حدث، أو أشياء كثيرة. وهي أشياء مهمة. فالشعوب التي طالما تحددت حياتها السياسية وصيغت من الخارج جرَّبت السياسة بنفسها، ولبرهة من الزمان نجحت. أما عدم إفضاء هذا إلى ديمقراطية دستورية أو حتى إلى حياة أفضل لأغلب الذين تأثَّروا فليس سببا للاعتقاد بأن تلك الجهود كانت عديمة المعنى. فعلى العكس من ذلك، حمل العمل السياسي الذي تحقَّق في مسار الربيع العربي ولم يزل يحمل معنى عميقا. والفشل دائما نتاج محتمل لمحاولة تقرير المصير. ومع ذلك تبقى للجهد المبذول أهمية في مسار التاريخ. وأهمية للمستقبل.
بدلا من سردية العجز والاستحالة، أريد أن أحكي قصة مختلفة للمنحنى الممتد من الربيع إلى الشتاء، من الأمل الطامح إلى الفشل المأساوي. وفقا لهذا السرد، شكَّل الربيع العربي انفصاما تاريخيا حاسما عن حقبة طويلة كانت الإمبراطوريات فيها ـ سواء العثمانية أم الأوربية أم الأمريكية ـ هي صاحبة القول الفصل في صياغة مسار السياسات العربية. تولى المشاركون في أحداث الربيع العربي وتوابعه مسؤولية سياساتهم من خلال الفعل. ومن خلال ذلك، قاموا بتحويل وإعادة صناعة قوتين كبريين هيمنتا على الأفكار السياسية في العالم الناطق بالعربية خلال القرن الماضي، وهما القومية العربية والإسلام السياسي.
في ما يلي [من الكتاب] أمضي في طرح تفسير المعنى السياسي العميق للربيع العربي وتوابعه. وهذا التفسير قوامه ثلاثة مزاعم رئيسية، كلها واسع النطاق، وكلها يحتمل أن يكون موضع جدل.
حجتي الأولى تبدأ بملاحظة أن انتفاضات الربيع العربي كانت علامة لمرحلة جديدة وغير مسبوقة في التجربة السياسية العربية، حيث انخرط المشاركون في فعل جماعي من أجل تقرير المصير لم يكن متصورا فيما يتعلق أساسا بالقوة الإمبريالية ـ لا بوصفها الهدف الأساسي للحركة الجماعية ولا بوصفها المحرِّض عليها أو الداعم لها. ومن هذا الجانب المهم، تمايزت انتفاضات الربيع العربي عن حركات الاستقلال العربية في أوائل القرن العشرين فتلك كانت مناهضة للكولونيالية. وتمايزت عن الثورات العربية على الملكيات في السنوات ما بين 1920 و1973 والتي كان يغلب أن تكون مناهضة الإمبريالية من مكوناتها الأيديولوجية. وتمايزت بوضوح كاف عن وضع الدستور والحرب الأهلية اللذين أعقبا الغزو الإمبريالي للعراق الذي استهلته الولايات المتحدة.
جوهر الزعم الذي أرجو طرحه يتعلق بالدلالة السياسية لهذه المرحلة الجديدة. في رأيي، أن المعنى السياسي المركزي للربيع العربي وتوابعه هو أنه اتسم في العالم الناطق بالعربية بعمل من الشعب منطلق جوهريا من تلقاء نفسه باعتبار أن الشعب يمثل الصانع كامل الاستقلال لتاريخه وللتاريخ العالمي بعامة. كان العرب يعملون على الاختيار بين أشكال حكم عربي ممكنة، وكانت القوى الحاكمة المناهضة لهم قوى عربية مثلهم، وليست إمبراطوريات أو وكلاء لإمبراطوريات. فالأحداث التي جرت إنما تحدَّدت، بشكل أساسي، في إطار عمل اختاره العرب والقوة العربية. وفي حدود إمكانية تحقق شيء كذلك في عالم تفاعل وتداخل عالمي، فقد كان الربيع والشتاء العربيان عربيين.
ولا أقول بذلك إن القوى الإمبريالية لم تكن ذات يد في الخيار السياسي الذي اتخذه الفاعلون العرب. فخلفية الظروف التي شكَّلت تاريخ المؤسسات السياسية العربية تلوّنت وصيغت على يد الكولونيالية والإمبريالية. فكان المتظاهرون في مصر ضد حسني مبارك يتساءلون إن كانت الولايات المتحدة سوف تدعم نظامه وعلى أي نحو ستفعل. والسنّة في سوريا كانوا يرجون أن تتدخل الولايات المتحدة عسكريا للإطاحة ببشار الأسد من السلطة مثلما سبق وتدخلت في ليبيا لإلحاق الهزيمة بمعمر القذافي. والأسد نفسه في نهاية المطاف اعتمد على التدخل الروسي شبه الإمبريالي للانتصار على المتمردين وضمان بقاءه.
لكن مغزى ما أقوله هو أن القرارات المحورية ـ للوقوف أمام الحكومات القائمة وتشكيل أخرى جديدة وإسقاطها ـ قرارات اتخذت داخليا. لم تكن دوافعها أو القواعد التي قامت عليها تتمثل في معارضة إمبراطورية أو تشجيع منها. كانت للقوى الخارجية أيديها في الحسابات السياسية لكنها لم تكن التي تحددها.
ولهذا السبب، يجب أن نفهم الطريق من الربيع العربي إلى الشتاء العربي في المقام الأول والأكبر باعتباره سردية تتعلق بتقرير المصير، والاختيار، والتوابع، لا باعتباره قصة خضوع لإملاءات خارجية. والتقييمات الأخلاقية للفضل والذنب والمدح واللوم والصواب والخطأ لا بد أن تكال في المقام الأول والأكبر للمشاركين. فبحسب خطاب يشترك فيه كثير من المشاركين والنشطاء والأكاديميين، فإن قصة السياسات الحديثة في العالم الناطق بالعربية قد تأطرت في المقام الأكبر بإطار القمع الإمبريالي ومقاومته. وإنني أقترح أن أحداث الربيع والشتاء العربيين تبرران إطارا شديد الاختلاف، إطارا حدَّده فعل سياسي جمعي حظي إلى حد كبير باستقلال ذاتي.
الحجة الثانية في كتابي هي أن القومية العربية تبدو أكثر اختلافا في الشتاء العربي الحالي عما كانت عليه قبل الربيع العربي. من ناحية، أظهر الربيع العربي وجود إحساس عابر للجنسيات، بل وعروبي، بهوية سياسية عابرة للحدود. في السابق، كانت خصائص التجربة الوطنية للدول الناطقة بالعربية قد جعلت من الممكن بل ومن الرائج أن يجري التشكيك في وجود هذا الحس العام. جرت وقائع الربيع العربي في عدد كبير من البلاد العربية ـ واكتفت بزيارة دول عربية. كانت للأحداث السياسية في بعض البلاد العربية آثار هائلة في بلاد أخرى بدءا بالمظاهرات الأولى سريعة الانتشار والشعارات والصراعات ما بعد الثورية وحتى تقنيات قمع معينة. كل ذلك عكس واقع صنع الهوية identification السياسية بين وعبر الشعوب العربية وبعضها بعضا
في المقابل، داخل الدول التي أدى الربيع العربي فيها إلى تغيرات كبيرة، كان الإحساس بوجود أمة عربية عابرة للحدود قد اقتطع بحسم، وفي بعض الأحيان تدمر، مقارنة مع لحظة ما قبل الربيع العربي. انهيار الهوية الوطنية على هذا النحو كان قد سبق تجليه فيما بعد غزو العراق، بمزيجه الإثني (من العرب والكرد) والطائفي (من السنة والشيعة). لكن في حين يمكن أن يلام التدخل الأجنبي في حالة التجربة العراقية، لا يمكن بالمثل أن يوعز أمر ليبيا وسوريا واليمن بل ومصر نفسها إلى محتل ساع إلى أن يصنف شعبا وطنيا ويتحكم فيه. فانقسامات هذه الدول الممزقة بالحرب الأهلية هي انقسامات عرقية وطائفية ودينية وجغرافية وقبلية وأيديولوجية. والتجانس النسبي في أحد هذه الأبعاد لم يوقف أبعادا أخرى للانقسام عن التحول إلى خطوط ضعف في الصراعات الجارية على السلطة.
ما يستخلص من الانقسام الداخلي العميق في بعض الدول العربية هو أنه لم يعد يمكن القول بأن القومية العربية أيديولوجية مقبولة أو قاهرة لتصور وحدة عربية بين الدول الناطقة بالعربية. الحق أن القومية ذاتها تبدو في خطر كبير في المنطقة برمتها نتيجة لهذا الانهيار في النظام الدولتي. ففي حين بدا لبنان في وقت من الأوقات بتاريخه مع الحرب الأهلية غريبا بالنسبة للوحدات الوطنية العربية الأخرى، فإنه الآن يبدو أشبه بالنموذج الأصلي. فالبلاد العربية التي لم تخض حربا أهلية في الحقبة الحديثة لم تعد حتى تمثل أغلبية واضحة بين الدول العربية.
مهم أن نشير إلى أن هذا الانهيار للهوية الوطنية هو نتاج جهود تقرير المصير الجمعية، الجهود التي لم تؤد إلى وحدة إنما إلى نقيضها. وبرغم أن قوى إمبريالية، أوربية على وجه الخصوص، قد لعبت ولا شك دورا مهما في تشكيل الانقسامات الإثنية والطائفية والقبلية في البلاد الناطقة بالعربية، فإن هذه التأثيرات التاريخية أقدم زمنيا من أن تعد أسبابا مباشرة للنزعات الانشطارية المعاصرة. فقد تطورت واقعات الهوية المعاصرة خلال عقود الأيديولوجية الدولتية، وبخاصة أيديولوجيات القومية العربية مثلما مورست في ليبيا وسوريا والعراق واليمن وما وراءها. والنقطة المحورية هنا هي أن تقرير المصير العربي سحق أسطورة الدول العربية المتحدة المتجانسة بهوياتها الوطنية الفردية.
الزعم الأساسي الثالث الذي أريد أن أطرحه هو أن الأحداث التي أعقبت الربيع العربي غيرت تغييرا جذريا من الإسلام السياسي، ونعني به بصفة عامة جملة الأفكار والحركات الطامحة إلى نظام دستوري تقوم قواعده على الشريعة. فيما قبل الربيع العربي كان الإسلام السياسي السني الحديث قد مر بعملية دامت قرابة ربع قرن شهدت قيام بعض أنصاره الأكثر بروزا بالبدء في دفع الدول العربية إلى أسلمة نظمها السياسية من خلال الوسائل الديمقراطية والدستورية. غير أن هذا النموذج ـ الذي تبناه الإخوان المسلمون ـ لم يكن قد استنفد بعد. وبرغم أن الحركات المرتبطة بالإخوان كانت قد شاركت في الحكم في الأردن والمغرب، فقد كانت مشاركتها تلك في كلتا الحالتين واقعة تحت سيطرة فعالة للملكيتين اللتين قيدتا بشدة على الساسة في حرية العمل. وكانت أقرب الدول العربية من إنتاج نموذج لحكم سياسي ديمقراطي إسلامي حديث هي العراق حيث يحافظ الدستور على الشريعة بجانب الديمقراطية وحيث قدم حزب الدعوة الشيعي وزراء لجميع الوزارات الأساسية منذ عام 2005.
بعد سقوط النظامين الرئاسيين في تونس ومصر، فاز حزبان مرتبطان بالإخوان المسلمين بالأكثرية أو بالأغلبية في كلا البلدين. وكما سأناقش بإسهاب، أخفق الإخوان المسلمين في نهاية المطاف في مصر في الحكم الفعال أو أعيقوا عنه وبعد أن أتى الجيش بعبد الفتاح السيسي بدلا من الإخوان، تعرضت الجماعة للحظر وللقمع. وبغض النظر عن الأسباب، كان انهيار جماعة الإخوان المسلمين علامة على نهاية جيلية للإسلام السياسي ذي التوجه الديمقراطي لا في مصر وحدها بل في العالم الناطق بالعربية كله.
في ظل انهيار الإخوان، أعاد حزب النهضة المرتبط بالإخوان في تونس تقديم نفسه تدريجيا كحزب إسلامي ليبرالي لا كنصير للإسلام السياسي الأساسي. وقد حدث ذلك فعليا حينما تخلى الحزب رسميا عن عنصر الإسلاموية Islamism الجوهري المحدِّد (وهو مصطلح أستعمله بالتبادل مع الإسلام السياسي) أي السعي إلى جعل الشريعة الأساس لنظام الدولة الدستوري للبلد. وسوف أحلل هذا الخيار المصيري المذهل لاحقا، أما الآن فيكفي القول بأن التحول الناجح لحزب النهضة يوشك أن يكون من توابع مصير الإسلام السياسي كما من توابع فشل الإخوان في مصر. تحول حزب النهضة الذاتي يمثل في ذاته علامة نهاية الحركات السياسية المناصر للأسلمة السياسية من خلال الوسائل الديمقراطية.
الأكثر إدهاشا، مع إظهار الإخوان وحزب النهضة بطرق مختلفة نقاط ضعف الإسلاموية ذات التوجه الديمقراطي، أن خلافة الدولة الإسلامية دخلت المشهد العالمي في سياق الحرب الأهلية التالية للربيع العربي في سوريا. خلافا للإخوان وتابعيها، تجنبت الدولة الإسلامية القيم والممارسات الديمقراطية. ويمكن في واقع الأمر تفسير نسختها من الإسلام السياسي باعتبارها رفضا واعيا لحداثية الإخوان والنزعات الديمقراطية التي انساقت إليها الحركة بفعل هذه الحداثية في نهاية المطاف. في المقابل سعت الدولة الإسلامية إلى إعادة صوغ الإسلام السياسي وتنقيحه ليكون استمرارا خالصا للحكم السياسي الإسلامي الكلاسيكي ما قبل الحديث. وتلك كانت انعطافة كبرى في منحنى الإسلام السياسي. أسست دولة فاعلة دامت لأكثر من عامين، مجتذبة أتباعا ومحققة بعض إجراءات الحكم الفعال. ولكنها فشلت هي الأخرى لا بسبب قسوتها الدامية بل نتيجة لحملة عسكرية مستمرة ممولة في الغالب من لاعبين خارجيين رأوا في الدولة الإسلامية يوتوبيا ودستوبيا في آن واحد.
يمثل الفصل الأول [من الكتاب] بحثا في معنى الفعل السياسي الثوري. وفيه أسأل: من كان الشعب؟ وما الذي أراد؟ ومن الذي كان ينبغي أن يقوم بالإطاحة؟ وما النظام الذي كان مقصودا ذهابه، وما الذي كان ينبغي أن يحل محله؟
بينما يسعى الفصل الثاني، باتخاذه مصر بؤرة له، إلى تقييم المعنى الأخلاقي. وأذهب فيه إلى أن الشعب المصري فعليا قد نطق وانخرط في عمل سياسي أصيل. غير أنني أصر على أننا لو قبلنا أن الشعب نادى بذهاب مبارك، فلا بد أن نقبل أيضا (برغم وجود الدولة العميقة ودعم الجيش لمتظاهري الإسقاط) أن الشعب نطق حينما دعا الجيش إلى إسقاط محمد مرسي الرئيس المنتخب ديمقراطيا فيما بعد الثورة.
في الفصل الثالث أتناول سوريا. ورأيي أن مسؤولية الحرب الأهلية السورية تقع على بنيات السلطة والهوية السورية التي كانت إطارا للصراع. وبصفة خاصة يقع الخطأ على تركيبة النظام في سوريا. في ضوء بنية سلطة نشأت على مدار أكثر من خمسين سنة حمل السنة والمسيحيون والعلويون على السواء عبئا ثقيلا هو طرح بنية سلطة آخر فيه خيارات تجتنب انهيار الدولة والحرب الأهلية. غير أن تلك الخيارات لم تظهر، أو على الأقل لم تظهر بالوضوح والإقناع الكافيين لاجتناب صراع سني علوي عنيف ـ هو في ذاته دليل فشل ورحيل النسخة السورية من القومية العربية على الطريقة البعثية.
يزعم الفصل الرابع أن خير سبيل إلى فهم الدولة الإسلامية هو اعتبارها حركة إصلاحية ثورية طوباوية حققت نجاحا محليا وعالميا بجاذبيتها لدى المسلمين السلفيين الجهاديين الذي تعرضوا للإحباط أو أفاقوا من أوهامهم المتعلقة بالنسخ الحداثية من الإسلام السياسي. وبرغم أن النظرة إليها من الخارج تكشف عن طبيعتها الدستوبية، فقد عكست الدولة الإسلامية طموحات أعضائها الواضحة إلى تقرير المصير من خلال الفعل السياسي. فالدولة الإسلامية لم تقم وحسب، ولم تفرض فرضا على أعضائها، ولكن الكثيرين انضموا إليها طوعا، ومن هنا فإن الدولة الإسلامية تنتمي بوضوح إلى لحظة الربيع العربي. لقد سعى بعض العرب والمسلمين إلى صنع مصيرهم السياسي بأيديهم ـ وإن في شكل مريع. وتعبر مُثُلُها ـ وانحرافاتها ـ عن رفض حركة الديمقراطية الإسلامية التي فشلت، وهي الحركة عينها التي فشلت عندما أطيح بحكم الإخوان المسلمين في مصر.
وأخيرا، في الفصل الخامس، أصف النجاح المختلط والفريد برغم ذلك في تونس، وهو نجاح يزيد بقية أجزاء الربيع العربي مأساوية إذ يبين أن فشلها لم يكن محتوما دائما. نجحت تونس في المقام الأكبر لأن شعبها وقيادته تولوا المسؤولية السياسية عن توابع أفعالهم بدلا من السعي إلى مساعدة من الخارج أو الأمل في أن تنقذهم قوى داخلية من أنفسهم. عكس توجهم في بطولة معنى الفعل الجمعي المستقل ذاتيا، أي الفعل الذي أحدده في الجزء الأول من حججي بوصفه مؤسِّسا للربيع العربي. أهم من ذلك أن التونسيين أظهروا تماسكا وطنيا داخليا حتى في مواجهة الانقسام السياسي العميق، ومن ثم فهم استثناء يثبت قاعدة الانهيار الوطني العربي. ونتيجة ذلك كانت إقامة توافقية لحركة ديمقراطية إسلامية ليبرالية، تأثرت تأثرا عميقا بالدستور التونسي. هذه الظاهرة تمثل خطوة مهمة في حجتي الأعم بشأن تحول الإسلام السياسي. غير أنني أخلص إلى أن المنجزات التونسية القيمة فشلت حتى الآن في معالجة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي أزكت الربيع العربي حيثما بدأ. فقد حلت تونس مشكلة، لكنها ليست المشكلة التي تسببت في الثورة هناك.
يحكي هذا الكتاب إذن قصة جديدة عن الربيع العربي ويقترح مجموعة من المعاني لأحداثه من ناحية وللشتاء الذي أعقبه. وإن إدراك حضور الفعل السياسي الأصيل في الربيع العربي هو رفض سردية العدمية لصالح الدعوة إلى المسؤولية السياسية. إن مستقبل العالم الناطق بالعربية يقع في أيدي الشعوب العربية التي تعيش فيه، وليس من الخارج وينبغي أن يصنع بأيديها. وإن نجاح هذه الشعوب أو فشلها سيكون، ولا بد أن يكون، في أيديها.

* المصدر: نيويورك تايمز في 12 مايو 2020