وحدة المصير.. طوق النجاة الأخير للنظام العربي

د. عبدالعاطي محمد –

في الزمان الراهن لن تعاني وحدة المصير من التناقضات السياسية ولا من التباينات الاقتصادية، لأن الخطر الجديد لا علاقة له بالسياسة وليس هناك من مبرر لإقحامها في كيفية مواجهته، ونتائجه الاقتصادية السيئة متقاربة، والانكشاف في مواجهة ما تخطط له القوى الكبرى قائم، وعليه ليس من مفر إلا تفعيل وحدة المصير العربي.
في زمان العافية كان الحديث عن وحدة المصير للأمة العربية من البديهيات، وفي زمان التفكك كان من شعارات الماضي المنسية، وفي زمان المحنة يصبح من ضرورات الإنقاذ الوطني والقومي معا. فالفكر يتغير ويتطور وفق معطيات الواقع، خصوصا عندما يمس الوجود الإنساني والتعامل مع المخاطر القومية. وعندما يصبح هذا الواقع هما عالميا تعيشه البشرية بعد أن تعرضت كلها بلا استثناء لوباء سري مثل انتشار النار في الهشيم، فإن الأمم تبحث عن أطواق النجاة لاستعادة السيطرة على الحياة ومقدراتها، وفي الصميم من ذلك استعادة العمل بمبدأ وحدة المصير.
ليس ذلك من باب العزف على أوتار الكلمات والشعارات الرنانة، ولا المبالغة في أدبيات الفكر القومي العربي، ولا الدعوة لإحياء إيديولوجيات معينة، وإنما هو استقراء لما آل إليه الحال وعالمنا العربي يعيش نفس الأجواء والمشاع ويفكر مثلما يفكر غيره في العالم الكبير في مخرج ينقذه من الكارثة التي حاقت بمقدرات الحاضر والمستقبل. والاستقراء بطبيعته يفرض على العقل المفكر الاستناد إلى ما يشهده الواقع من تغيرات مادية أو محسوسة تبصرها العين. وكلها تشير إلى أن الجميع في منطقتنا العربية أيا كانت قدراته الوطنية يتعرض لهزة عنيفة لها نتائجها السيئة على المستوى الاجتماعي والاقتصادي، إلى حد القلق الشديد على وضع ومكانة المواطن العربي اليوم مقارنة بما كان عليه في الأمس القريب، وعلى مستقبله والأجيال القادمة.
في زمان العافية خلال سنوات الاستقلال الوطني كانت المشاعر مختلفة تماما، حيث الزهو بميلاد الدول الوطنية والسعي الجاد للخروج من دائرة الفقر والتخلف إلى الغنى والرفاهية عبر خطط عديدة للتنمية، وحيث التخلص من أشكال التبعية والاستعمار القديم. وآنذاك انتعشت الأفكار التي تعزز هذا التطور الوطني الكبير، وكان الحديث طبيعيا عن مبدأ وحدة المصير العربي بغض النظر عما إذا كان ذلك نتيجة لانتشار الفكر القومي أم هو نتيجة لتشابه الظروف والأهداف الوطنية. وكان قيام الجامعة العربية 1945 تجسيدا للروح القومية التي دبت في أوصال شعوب المنطقة، وفي ميثاقها برزت مقولة وحدة المصير كواحدة من المقولات التي شكلت بنيان العمل العربي المشترك فيما بعد. وأغرت المقولة دعاة الفكر القومي إلى حد اعتبارها مبررا للوحدة السياسية المرحلية أو الشاملة دون الأخذ في الاعتبار أهمية الهوية الوطنية ولا تباين الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بين الأقطار العربية. فكان الفشل هو عنوان كل المحاولات التي من هذا القبيل. ولكن برغم هذا الفشل ظلت مقولة وحدة المصير من لوازم العمل العربي المشترك استنادا إلى أن التحديات الداخلية والخارجية واحدة وأن تحرير باقي التراب الوطني ممثلا في قضية فلسطين هو مطلب عام أو واحد. وتبلورت المقولة في معنى محدد ليس بأن تصبح شعارا لوحدة غير ممكنة عمليا، وإنما بوصفها تجسيدا لفكرة التضامن ونبذ التفكك والفرقة مهما كانت وطأة الخلافات.
ثم جاء زمان آخر منذ أن زادت التدخلات الخارجية وتعقدت ظروف القضية الفلسطينية لأسباب باتت معروفة للكافة. وقطع هذا وذاك مع زمان العافية ونقل الأوطان والشعوب إلى زمان الوهن والتفكك. والأمثلة عديدة توالت تباعا على مدى عدة عقود مضت بدءا من الحرب الأهلية في لبنان 1974 إلى تداعيات ما كان يسمى بالربيع العربي أواخر2010 وأوائل 2011، مرورا بحرب الخليج الأولى والثانية والحرب في الصومال والعشرية السوداء في الجزائر والحرب على العراق لتحرير الكويت ثم لإسقاط نظام صدام حسين، والحرب في السودان وانفصال جنوبه والاعتداءات المتكررة من إسرائيل على غزة والانقسام الفلسطيني.. ألخ.
وهذه الأحداث برغم أنها كانت عنوانا صارخا على سقوط مبدأ وحدة المصير، خاصة أنها كشفت عن وجود انقسام سياسي واضح تماما فيما يتعلق بالمواقف منها ما بين مؤيد ومعارض ولا مبال وساع إلى التوافق، برغم ذلك من الممكن القول إنها لا تصلح دليلا على سقوط مبدأ وحدة المصير لسبب بسيط ألا وهو أنها كانت بين طرفين أو أكثر ولم تشمل في طبيعتها ولا تأثيرها مجمل الأطراف العربية، فكلها لا تشير إلى أن هذه الأطراف تعرضت لخطر قومي واحد الشكل والمضمون وفي وقت واحد. وربما يفسر ذلك سبب الاستمرار على الفهم المحدد للمقصود بوحدة المصير والمشار إليه سلفا وهو التضامن ونبذ الفرقة والتفكك، حيث ظل بنيان العمل العربي المشترك على حاله بغض النظر عن عدم الرضا عن مساره ودوره.
ومن زمان العافية إلى التفكك (القبول بالتفكك كأمر واقع وليس بنبذه واستنكاره كما كان في السابق) جئنا إلى زمان المحنة، أي الهزة المدوية اقتصاديا واجتماعيا ونفسيا وصحيا التي أحدثها وباء الكورونا اللعين. وهنا يصبح لمقولة وحدة المصير معنى مختلف هو المواجهة الموحدة ضد التهديد العام والشامل لكل الشعوب العربية بدرجة واحدة وفي سياق واحد. لا يفيد المعنى المتعلق بالتضامن وحدة كمرادف لوحدة المصير، وإنما يتعين طرح معنى جديد هو الاتفاق العام غير المشروط بين دول وشعوب المنطقة العربية حول سبل التصدي لما أصبح يسمى بالمخاطر القومية غير المحسوبة. لا يتعلق الأمر هنا بالسياسة وخلافاتها وإنما بالحفاظ على الوجود الوطني ذاته حيث لا مناص من العمل المشترك المحدد بهذا الخصوص وليس بالمعنى المتداول. ولا شك أنه وبحكم مرارة التجربة التي خاضها الجميع هناك اقتناع عام بأن المستقبل أصعب من الحاضر. ودون الدخول في تفاصيل التقديرات المختلفة التي تحاول استشراف إلى أي حد يصمد عالمنا العربي، أو إلى أي حد ستتأثر مجتمعاتنا سلبيا، وحجم الخسائر المادية والبشرية، فإن هناك من يتربص بنا جميعا لرسم صورة بالغة القتامة لمستقبلنا القريب، وسواء كان مبالغا فيها أو فيها بعض الصواب، فإنه في ضوء سيطرة شبكات التواصل الاجتماعي على عقول الكثيرين وخاصة الشباب، تحدث هذه التقديرات وقعا سيئا للغاية على الروح المعنوية وتزيد من وطأة مناخ الفوضى القائم ذهنيا في المنطقة منذ سنوات.
ومن الأمثلة على هذه التقديرات الصادمة ما كتبه كاتب إسرائيلي منذ بضعة أيام حول مصير المنطقة العربية عند الانتهاء من وباء الكورونا، حيث كتب أن المنطقة ستواجه ربيعا عربيا أشد قسوة من الربيع السابق استنادا إلى أن التأثيرات السلبية الشديدة للوباء ستظهر سريعا في كل شعوب المنطقة التي ستخرج متمردة على أنظمتها وتحملها المسؤولية عن هذه التأثيرات سواء على المستوى الصحي أو الاقتصادي. وذهبت محطة بي بي سي إلى نفس المعنى في بعض تقاريرها المنتشرة على الإنترنت عن مستقبل المنطقة بعد الكورونا. ومع أن هذا وذاك ليس صحيحا لأن أنظمة المنطقة تفاعلت بالطريقة الصحيحة في مواجهة الوباء، إلا أن نشر مثل هذه التقارير وغيرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي من شأنه أن يصنع حالات مفتعلة من عدم الاستقرار.
وإذا كان رد الفعل الوطني والدولي تجاه التعامل في الوقت الراهن مع تداعيات الوباء وكيفية الحد من انتشاره لا يزال محصورا فيما يمكن تسميته التعامل في زمن الريبة، أي التحرك وسط تقديرات غير دقيقة بحكم غموض الوباء هذه المرة، فإن ذلك لا يعني بالطبع أن كل الدول والمجتمعات لا تدرك جيدا أنها تدافع عن مصيرها، بل العكس صحيح حيث أنها تبحث وتدقق في كيفية رسم مستقبلها سواء مع استمرار الجائحة (التعايش معها) أو بعد زوالها.
في زمن الريبة تتحرك لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في الحاضر المعاش بالنسبة لواقعها الوطني المباشر، ولذلك تتأخر صور العمل الجماعي أو بالأحرى الاتفاق الجماعي على سبل الوقاية مستقبلا من مخاطر من هذا النوع، أي تفعيل وحدة المصير، ولكن هذا العمل قادم لا محالة. وإذا كان هناك من المحللين من يتحدث عن صفقات يجري طبخها بين القوى الكبرى وتحديدا بين الولايات المتحدة وأوروبا والصين وروسيا لبناء نظام عالمي جديد (اقتصاديا وسياسيا وعلميا) قائم على الدروس المستفادة من وباء الكورونا، فإن هذا يؤكد وحدة المصير هي الدافع القديم الجديد الذي يتجه العالم للعمل به مستقبلا. وإذا كان هذا هو رغبة قوى بينها تناقضات بنائية لا خلاف عليها، فإنه من باب أولى أن تتجه مجتمعاتنا وحكوماتنا نفس الاتجاه خاصة أنه لا توجد بينها تناقضات بنائية صعبة المراس، بل العكس لديها تراث يعزز ذلك فضلا عما بينها من خصائص مشتركة ثقافية وسياسية واجتماعية.
في الزمان الراهن لن تعاني وحدة المصير من التناقضات السياسية ولا من التباينات الاقتصادية، لأن الخطر الجديد لا علاقة له بالسياسة وليس هناك من مبرر لإقحامها في كيفية مواجهته، ونتائجه الاقتصادية السيئة متقاربة، والانكشاف في مواجهة ما تخطط له القوى الكبرى قائم، وعليه ليس من مفر إلا تفعيل وحدة المصير العربي. لقد خرجت المقولة عن جدواها العملية في زمن العافية، وتم استبعادها عنوة في زمن التفكك، وحان – بحكم الضرورة – تفعيلها على حقيقتها في زمن المحنة. إنها طوق النجاة الأخير للنظام العربي.