بأية حال عدت يا عيد

عاصم الشيدي

مؤلم جدا ألا تكون يوم العيد وسط أسرتك الكبيرة، تفتتح عيدك بتقبيل يد والدك ووالدتك، وتزور أقاربك وأرحامك، وتقرأ الفرحة في وجوه الكبار والصغار. تعرف من تترقرق الدمعة في عينه لأنه فقد لتوه عزيزا، أو تذكّر محبا ود لو كان موجودا في يوم العيد الاستثنائي إلى جواره، وتقرأ فرحة عارمة في وجه جدة طاعنة في السن عندما يتوافد عليها أبناؤها وأحفادها يقبلون أياديها ويتمسحون بذكريات الزمن الذي أمسكت به خلال مسيرتها العمرية. مؤلم ألا تمارس طقوس العيد كما اعتدت عليها منذ نعومة ذاكرتك وبداياتك الأولى في الحياة مع من اعتدت.
هذه المرة الأولى التي لن أكون فيها يوم العيد بالقرب من والدي ووالدتي وأخوتي، إذا ما استثنيت العام الذي ذهبت فيه لتأدية مناسك الحج. وربما هذا أمر الملايين في العالم الذين لا تكتمل أعيادهم إلا بلم الشمل الأسري، وممارسة طقوس الأعياد كيفما تشكلت وفق عادات الجماعات البشرية. وإذا كنت أنا في مسقط وعائلتي الكبيرة في صحم فإن آخرين غيري يقطنون بيوتا تواجه بيوت والديهم وجها لوجه ولكن سيفتقدون الاجتماع بهم، وتقبيلهم، واحتضانهم.. وهذا أمر الله وقضائه.
الأمراض والأوبئة جزء من سيرورة الطبيعة، ولا تعرف الطبيعة خلال ذلك حزننا، وتوقنا للقاء من نحب. لا تعرف أننا نحزن الآن، أو نبكي، أو نتألم لفراق دائم أو مؤقت. هذه المشاعر شأننا نحن البشر، أما الطبيعة فلها نواميسها التي لا يمكن أن تتغير رأفة بتدفق أحزاننا ولن توقف الطبيعة دورتها من أجل أي منا ومن العبث مجرد التفكير في ذلك.
وتحدي هذه النواميس بشكل فوضوي من شأنه أن يفاقم المشكلة، ويزيد من تأثيراتها وخطرها، فالوباء لا يعطينا استثناء يوم العيد، أو استثناء لساعة فيه نتجمع فيها ثم يذهب كل في طريقه وكأن شيئا لم يحدث، هذا أمر لا تقبله نواميس الكون.
لا خيار أمام كل هذا إلا الصبر والتصرف وفق التعليمات التي من شأنها أن تبطئ انتشار الوباء على أمل التجاوز السريع وعلى أمل أن يأتي عيد الأضحى بعد شهرين وقد تجاوزنا المحنة وعدنا إلى أحضان أحبتنا الدافئة.
إن الأيام الثلاثة القادمة هي معيار مهم لمرحلة قادمة يتوق فيها الكثيرون منا إلى عودة الحياة أو جزء كبير منها. وإذا استطعنا تجاوز هذه الأيام الثلاثة دون أن نخلق بؤرا كبيرة للوباء تستدعي إجراءات احترازية كبيرة وربما تعيق بعض المصالح فإن المشهد يمكن أن ينبئ بانفراجة ولو جزئية نحو عودة الحياة أو قرارات من شأنها أن تجعلنا نتعايش مع الفيروس وفق شروط التعايش التي يقدرها الأطباء والعلماء لا التي نقررها بأنفسنا.
ويقول العلماء إن انتهاء أي وباء يحدث بطريقتين: إم بانتهاء الخوف منه اجتماعيا وإما بطريقة طبية عبر وجود اللقاح.
وإذا كان أمر اللقاح مرهون بالمختبرات الطبية التي لا تنبئ عن فرج قريب فإن الأمر الأول هو الأقرب إذا ما أردنا العودة للحياة ولكن لذلك شروط كثيرة ومن بينها الشروط التي لا بد أن نلتزم بها خلال أيام العيد والتي باتت معروفة لدى الجميع.
دعونا نتجاوز المحنة لا فاقدين ولا مفقودين حتى نستطيع أن نسرد هذه التجربة بكل مرارتها للأجيال القادمة.