قراءة في رواية “أصابع مريم” للكتابة د.عزيزة الطائية

د. عزة القصابية


للشاعرة والروائية الدكتورة عزيزة الطائية مسيرة إبداعية تحفز القارئ على سبر منجزها الأدبي والثقافي. وللكاتبة عدد من الإصدارات منها “شعر صقر بن سلطان القاسمي: دراسة نقدية” و”ثقافة الطفل بين الهوية والعولمة” ورواية “أرض الغياب” ورواية “أصابع مريم”، ومجموعتان قصصيتان: “ظلال العزلة” و”موج خارج البحر”. كما صدر للكاتبة ديوان شعر بعنوان “خذ بيدي فقد رحل الخريف”. ونالت مؤخرا جائزة الشارقة لإبداعات المرأة الخليجية في مجال الشعر.

• رواية (أصابع مريم) تفصح عن بوح الأنثى العمانية

“حديث إيمان قاد ابتسام إلى فكر أحمد أمين في تحرير المرأة والوعي بحقوقها في وجه الطوفان، وإلى نداءات هدى شعراوي، وأقوال نوال السعداوي، وشعرت أن بعض النّساء يبقين محبوسات خلف الأسوار باختيارهن “.
من هذه المقولة نعرج إلى مكامن الحرية التي فجرتها بنات مريم في رواية (أصابع مريم) للكاتبة عزيزة الطائية، والتي اصطدمت بجدار الواقع الاجتماعي كما هو الحال في باقي المجتمعات الخليجية، التي لا تزال تعيش في نفس دائرة المسلمات المتوارثة.
وفي البداية نود أن نشير إلى عنوان رواية (أصابع مريم) ما تحتويه من دلالات دينية منبثقة من معاني مقترنة باسم /مريم/ حسب ما ورد في الديانتين الإسلامية والمسيحية. والسورة الوحيدة في القرآن الكريم الموجودة باسم امرأة هي سورة مريم والدة المسيح – عليه السلام -، وهي اسم اعجمي بمعنى: العابدة الخادمة للرب.
وتعتبر بطلة الرواية (مريم) نموذجًا للمرأة الشرقية المغلوبة على أمرها، وتبين ذلك من خلال سرد الكاتبة الطائي لحكاية مريم، وهي امرأة عمانية تزوجت في سبعينيات القرن الماضي، وانجبت أربع بنات غرس والدهن فيهن أفكار الحرية، وهذا عكس توجه مريم المنغمسة في المنظومة الاجتماعية والثقافية، والتي شكلت تفاصيل حياتها.
حددت الكاتبة عزيزة الطائية أحداث روايتها ما بين (1970- 2018)، خلال تلك الفترة تزوجت بطلة الرواية مريم من حمد وأنجبت بناتها الأربع، ثم وفاة حمد ورعايتها لبناتها.
ولقد وظفت الطائية السرد التناوبي لبناء نسيج الحدث، وذلك من خلال سرد قصة تتبعها بقصة أخرى، ثم تعود إلى القصة الأولى والثانية وهكذا دواليك. وتجمع بين الشخصيات والأخذات قواسم مشتركة. ويتقرب السرد في هذه الرواية من القالب الدرامي لتعاقب الأخذات وتواليها من قصة إلى أخرى، مع توظيف لغة السرد المكثفة، والمعاني العميقة، والجمل التفصيلية المرتبطة بواقع الشخصيات حيث الأم /مريم/ تسرد عن ذاتها بصحبة بناتها الأربع، وتتداخل معهن قصص نساء أخريات من العائلة نفسها.
وينطلق الحدث من مريم، وسرعان ما يهرول سريعا إلى حياة بناتها، فقد تمكنت الكاتبة من سرد حكايات بنات مريم اللاتي أردن أن يتمردن على السائد والمألوف. وتتقارب نهايات القصص الأنثوية الواردة في ثنايا هذه الرواية، إذ أن معظمها ينتهي بطريق مسدود. وفي الغالب لا ينصفهن الرجل / المجتمع الذي يحاصر المرأة بمجموعة من /التابوهات/ ويسعى إلى تحوليهن إلى قوالب نمطية. هكذا بدت شخصية /مريم/ في مجتمعها ملتزمة بالقواعد الذكورية، في حين أن أصابع بناتها الأربع تمردن ليصبح لهن بصمات مختلفة في الحياة.

• حكاية مريم

تسرد الكاتبة الطائي قصة مريم عندما أنهت الثانوية في ولاية صور حيث الطبيعية البحرية الأخاذة، ثم تزوجت من حمد من ولاية نزوى ذات التاريخ العريق. ورغم انتماء حمد لبيئة محافظة، إلا أن سنوات دراسته في روسيا حولته إلى إنسان مختلف، فقد عاد محملا بالفكر التنويري، العلماني المتحرر. لذلك من الطبيعي أن يكون هناك تضاد واختلاف فكري وديني بين مريم المحافظة، وحمد المتحرر الذي يريد أن يعيش حياته بطريقته الخاصة التي تمنحه السعادة.
وتصاعدت الأخذات منذ بداية زواجهما، فمريم تحاول أن تجعل زوجها يعود إلى محارب ربه ويلتزم بأداء الصلاة، لكنه يصر على موقفه الفكري والاجتماعي المغاير للواقع. وهنا عاشت مريم صراعا داخليا إذ كيف تعيش مع زوج متحرر لا يؤمن بالله ويشرب الخمر ويدخن. وهي في الوقت نفسه، لا يمكن أن تترك بناتها.
ونتيجة التضاد الفكري بين الزوجين فإن الصراع تطور حتى وصل إلى الذروة عندما احتد النزاع بين حمد ومريم ليصل إلى الطلاق. ولكن مع تدخل الأهل اضطرت مريم إلى الرجوع إلى منزل الزوجية…لتكمل رحلتها المأساوية، دون أن يسمح لها المجتمع بالاعتراض على سلوكيات زوجها الغريبة. وخرجت بنتيجة مؤلمة وهي أن المجتمع لا ينصت للمرأة ويدينها في معظم الأحوال، هكذا استسلمت مريم لقدرها، حتى وافت حمد المنية. حينئذ تكالبت المسؤوليات عليها، عندما كبرت البنات الأربع وتباينت اهتماماتهن، وبدأت رحلتهن في الحياة مع استمرار الجدل حول الحرية وواقع المجتمع بما فيه من محاذير حول علاقة الرجل بالمرأة…والكثير من الأحداث التي كشفت عن المسكوت عنه للقارئ.

• شخصية مريم

تمكنت الكاتبة عزيزة الطائية في روايتها هذه من التعرض لموضوع اجتماعي من منظور نفسي وفلسفي. مع تنوع مواقف شخوصها المشبعة بالرؤى والأفكار والحوارات الصادمة بين الذات والآخر، وبين الذات وأسئلتها المقلقة.
وتصدرت شخصية /مريم/ أحداث هذه الرواية كونها الشخصية المحورية التي يتشكل الحدث حولها. وقدمت الكاتبة هذه الشخصية بصورة المرأة العربية المظلومة اجتماعيا، وهي نموذج شائع، وخاصة في المجتمعات الخليجية التي تحاصر المرأة وتقدس الرجل. كما برزت أبعاد هذه الشخصية الاجتماعية بأنها امرأة متزوجة، تقدس الحياة الزوجية وتطيع الرجل، وتتحمل سلبياته لأنها تريد الحفاظ على أسرتها، حتى لا تصبح امرأة مطلقة يشجبها المجتمع! وعلى المستوى النفسي فإن مريم تعيش معاناة حقيقية منذ بداية زواجها، لأنه الزوج إنسان متحرر لا يحترم الأسرة أو فكر المجتمع: “الشرخ الذي كان بينها وبين حمد يتسع يوما بعد آخر كما يتسع ثقب الثوب المترهل”.
وتضاعفت جرعة الأثر النفسي، عندما انفصلت مريم عن زوجها جسديا، وأصبح كل منهما ينام في غرفة، بينما الزوج استمر في عاداته السلبية وهذا جعل مريم تنفر منه، وتعتبره مجرد واجهة اجتماعية: “تم تدمير المرأة والأسرة والعائلة، وكل القيم الاجتماعية على مذبح النّفعية العلماني، حتى صارت المرأة مجرد شيء كورقة الكلينكس، وعلبة الكولا، وحبة الشوكلاتة”.

• شخصية حمد

حمد هو زوج مريم ووالد بناتها الأربع، ينتمي إلى ولاية نزوى التي تتميز بعراقة تاريخها وجمال طبيعتها. وسافر حمد إلى روسيا للدراسة وعاد وهو محمل بكم من الأفكار الاشتراكية العلمانية، وانعكس ذلك على مظهره الخارجي، عندما رفض ارتداء الزي العماني التقليدي:”مع مرور الوقت كل شيء سكن، حتى أهل الحي انصرفوا عن انتقاد أسلوب حمد وعاداته ولباسه – البنطال مع القميص”.
وهذا أربك مريم وجعلها تخجل من أهل الحي/ الحارة عندما تشاهد زوجها بزي غريب، هاتكا بذلك أعراف المجتمع، وظلت لسنين عديدة وهي تحاول تغييره حتى بعد أن كبرت بناتها: “نزع الدشداشة وألقى بالمصر، ورماهما على الطاولة، وفتح الدولاب ليخرج بذلته السوداء ورباطه الرمادي المقلم بالأسود لحضور تخرج ابنته إيمان من المدرسة وتكريمها، الأمر الذي أزعج مريم كثيرا”.
وعلى المستوى الثقافي، فإن حمد ظل متشبثا بأفكاره الشيوعية، وهو قارئ جيد للأدب العالمي، يؤمن بأن الحرية بلا حدود، ويحاول أن يروج بين بناته الأربع أفكاره التحررية، ويحثهن على التمسك بالانفتاح والتحرر. ويشجعهن من خلال سرد سيرة رموز نسائية تمردت على الواقع: “حكايات عن نساء حاربن من أجل حريتهن ثم تخلين عنها، وكان يحكي لهن قصص النساء اللاتي أثرن في التاريخ”.
وكانت مريم تخشى من تأثير أفكار حمد على بناتها: “فارق حمد الدنيا، لكن صورته ظلت في مرآة قلب البنات جميلة ومربكة في آن، وظل انعكاسها على حائط المنزل كجداريات منقوش عليها كلامه وأفكاره ومعتقداته.. بدت أرواحهن حزينة”.

• أصابع مريم الأربع

ورد في رواية (أصابع مريم) سرد قصصي مكثف عن بنات مريم الأربع اللاتي ارتبطن برجال غرباء مختلفين في القبيلة والمذهب والجنسية عنهن، وفي المقابل كانت والدتهن مريم لهن بالمرصاد وكانت سببا في فشل هذه العلاقات لأنها تتنافى مع ما تؤمن به.

• الأصبع الأولى (ابتسام)

ابتسام: أحبت ابتسام الطبيب (حسين) المشرف على وحدة تدريب طلبة كلية الطب في مستشفى الجامعة، ولكن مريم رفضت حسين لأنه من مذهب مختلف:”إذا فتحت صندوق النفس مع الذاكرة…ستظهر أشياء كثيرة، لا يعود لها رنين يلجمها أو دهشة تتنكر مفارقتها “.

• الأصبع الثانية (وفاء)

لم يكن حظ وفاء أوفر عن أختها ابتسام، فقد كان هاجس الحرية الذي زرعه أبوها فيها مؤثرا وصارخا، لذلك قررت أن تعيش تجربة حب مثيرة، مع الذي اختاره قلبها: “كتب جلال في عيني كما كتب الشاعر الفرنسي لويس أراغون في عيني محبوبته إلزا”.
وحدث نزاع بين وفاء ووالدتها وخالها، لكون جلال ينتمي لقبيلة ولا يمكن الاقتران به: “لماذا تريدين أن تضعينا في كيس أسود يصنعه لنا الآخرون؟..لقد أثقلت عليّ يا وفاء، أمامك الحياة، وشباب القبائل كثر”. واتخذ خال ابتسام موقفا عنيفا عندما علم بأنها على علاقة بهذا الشاب: “فجأة ودون مقدمات، رفع كفه محذرا ومتوعدا، وكاد أن يصفع وفاء لولا تدخل مريم محاولة حماية ابنتها…وبقي يكرر: ستجلبين لنا الكلام، بل العار يا بنت مريم”

• الأصبع الثالثة (نوال)

تميزت نوال عن بقية أخواتها بأنها بجرأتها عند اتخاذ قرار الزواج بمن تحب، وارتبطت بأستاذها في كلية الهندسة وائل عربي الجنسية: “كيف تبدو نوال امرأة في عمرها أشجع وأجمل وردة توليب هاجرت من سلطة مريم إلى حياة أخرى اختارتها عن طيب خاطر؟! تاركة وراءها تبعيات المجتمع وقوانينه. غادرت أخواتها مرفرفة بجناحيها دون اكتراث، بينما بقيت أخواتها بلا أجنحة”.
وفاجأت نوال أمها بدخول دكتور وائل إلى عالمها: “عندما فتحت الباب وجدت رجلا أربعينيا طويلا أنيقا يلبس، بذلة سوداء، وقميصا أبيض اللون بخطوط سوداء رفيعة، وربطة عنق، بها خطوط سوداء وحمراء، يحمل بين يديه باقة من الأزهار الحمراء، وصندوقا مغلفا باللون الزهري مربوطا بشريط ساتان أحمر اللون”.
وبعد جدال بين مريم وابنتها، تمكنت نوال من انتزاع موافقة أمها والمحيطين بها، رغم اختلاف الجنسية وفارق العمر بينهما: “الحب الحقيقي لا يجمع المتشابهين، الحب الحقيقي يجمع المختلفين دائما كمن بينهما فارق بالعمر.. أو اثنين”. وسافرت نوال مع زواجها وائل لتستقر في كندا: “رحلت نوال لتعيش مع زوجها في كندا رأت أشكالا وأنماطا، غريبة من البشر، ونظرت إلى نفسها بأنها غريبة عن هؤلاء البشر”.

•الأصبع الرابعة (إيمان)

كانت إيمان أكثر الأخوات تصالحا وقبولا بمسلمات وأفكار والدتها مريم، لذا وافقت على الزواج برجل آخر غير الذي أحبته: “استطاع أن ينسيني (محمود) ويحل محله بقوة، حتى غدا قلبي مزرعة خضراء بحبه.. ذاك المكان الذي لم يستطع أبو بناتي اقتلاعه من نفسي بغرس جديد”..وتمكنت أن تبدأ حياة جديدة عندما تزوجت برجل اختارته لها أسرتها: “هكذا كانت ترى إيمان في الزواج – أنه يكفيها أن تحتمي تحت ظل رجل يشد من قوتها، ويظهر أنوثتها”.
إن قدوم إيمان على الزواج برجل لم تعرفه من قبل ليس بالأمر الهين. واتضح ذلك من خلال حوار أختها ابتسام، وهي تصف حالة التوتر والخوف الظاهرة عليها ليلة زواجها، لنستمع إلى أختها ابتسام: “تبدو وكأنها تسير إلى قدر يأخذها صوب الجحيم، وكأنها طائر يساق إلى المذبحة.. سارت بعيون حزينة، وقلب يرتجف، وجسد يئن.. سارت وقد سلمت إرادتها إلى قدر مجهول قرر أن يستبيحها”.
ووافقت إيمان على أن تقيم عرسها بالطريقة التقليدية بناء على طلب أسرة زوجها، الذي رغم دراسته في الخارج، إلا أنه نموذج للرجل الشرقي: “ارتديت الزي الشعبي العماني للعرائس الذي يزدان بتمازج ألوانه المبهجة، وحليه المغرية؟ أليس أجمل من هذا اللون الأبيض وكأنك جثة مهيئة للدفن؟ “.
ولعبت إيمان دور الزوجة المطيعة للزوج/ السيد الآمر الناهي، وظلت لسنوات حتى خرجت عن صمتها: ” فحين بدأت تصارح أخواتها حياتها الزوجية كانت أقرب إلى طائر لا يملك قوة الحيلة والثبات على أرض الحياة”.
وفي النهاية باحت إيمان بوجعها الدفين لأخواتها وأمها مريم بعد سنين من الزواج:” والأهم بناتها الثلاث.. هن سلوتها الآن. لم يبق إلا فسحة من الحياة لكي ينجح زوجها السادي في تقليب الجراح مادة محرزة للوعظ والاستعراض والإسقاط”.

• ذاكرة المكان تسكن مريم

التحمت قصص مريم وبناتها الأربع، بالمكان الجغرافي الذي استقرن فيه، والذي ينتمين إلى تفاصيله، فكأن الطبيعة سكنت أرواح شخصيات الرواية، ويمكن اعتبار المكان بطلا آخر يضاف إلى مريم وبناتها: “يقين من الصورة الكاملة التي عليها مريم، وتتراءى لها القرارات والأحكام كاملة، فمريم لا تملك من أمر نفسها شيئا، لقد أصبحت جزءا من المكان”.
وفي مقطع آخر: “دائما كانت مريم تصف لحمد رائحة الذكريات القديمة في الأحياء.. فيما كان دائما حمد يحدثها عن أثر التحولات الجديدة في المدينة.. عندما سكنت هذه الحكايات في فراغات سلم الذاكرة” ص76
كما أن “المكان” هو شاهد على معاناة مريم في أكثر من موضع. عندما تصف نفسها بالصحراء ذلك المكان القصي الذي يصعب العيش فيه، حيث الطبيعة الحارة أو الباردة، وهو مكان قصي يصعب العيش فيه، وغالبا ما تنعدم الحياة على أرضه: “ها هي ذي اليوم تقف بين الصحراء والماء، تتأمل وجهها، وأمامها مريم.. تتأملها كأن الموت يدق عظامها. صحراء في صحراء، مدى شاسع لا يقرّب المسافات بينهما”.
وعندما أرادت مريم أن تصف زوجها قرنته بالمكان الذي ينتمي إليه: “وبدت قامته الطويلة أشبه بساق نخلة يبحث عن مأوى له في مزرعة نضرة”. كما اقترنت مريم بهويتها المكانية نسمع صوت المؤلفة الطائي: “حين يتأمل وجهها يغمره فضاء صور وكأن القمر يرتفع في السماء، وأطلال بيوت المكان تلمع هادئة في ضوئه، كأنها بيوت لا تزال تحمي تحت سقوفها أزواجا متعانقين”.
تمكنت الكاتبة الطائية في روايتها من توثيق أسماء عدد من الأماكن العمانية التي تقع بين مدينتي نزوى ومسقط، منذ بداية زواج مريم بحمد انتقلت الأسرة للعيش في ولاية مطرح. وبعد تحسن مستواها المادي ذهبت الأسرة للعيش في القرم، وهي مدينة راقية في مسقط تقع قرب البحر، ويمكن رصد هذه الأماكن حسب النص:
“كن ظل حنين مريم يقودها إلى ذاكرة المكان القديم إلى حي /العريانة/ في مطرح الذي أصبح اسمه بعد التحديث /بيت العرين/ ذاك المكان الذي كتب الله فيه رباطها بحمد، وحين تبوح لحمد بما تشعر به، يرد عليها:انتقلنا للعيش في /القرم/ وتريديننا أن نعود لذاك الحي الضيق
القديم”.

• “تابوهات” رسمت واقع الشخصيات

الجنس: جدلية الصراع بين الذكر والأنثى جدلية أزلية منذ القدم من خلال شخصية مريم وبناتها وما يحيط بهن من أحداث. ومنذ بداية حياة مريم الزوجية كان عليها أن تطيع زوجها حمد رغم تمرده على العادات والتقاليد. وهي تعلم أنها في حالة التطاول عليه فأن المجتمع سيعيبها، ويشجبها، واستمرت في هذه العلاقة غير المتكافئة عند إنجاب الإناث وليس الذكور، بينما حمد كان يرغب في أن يكون له أولاد: “تلك الولادة التي خيبت آمال مريم بأن يرزقها الله بذكر، كما خيبت ْ رجاءها بأن تدون ولادة ابنتها في اليوم الأول من شهر يناير”.
وتأكدت هذه العنصرية “نشأت مريم، وكلمة «بنت» تمثل أكثر من مجرد كلمة، أكثر من عرف، أكثر من تقليد. فالبنت شرف العائلة وحرمتها، بينما كلمة /ولد/ تعني مصدر العز والفخر والانتماء”.
حرية المرأة: قضية محورية تبلورت على لسان شخصيات الرواية النسوية، وبدت حرية المرأة مؤطرة بالواقع الاجتماعي أكثر من الدين والمنطق، وهي مكفولة بعلاقتها مع الرجل، محفوفة بسياج المجتمع المنيع:
“وحين سأل حمد مريم إن كانت تشعر بالحرية، تغيرت ملامحها فجأة وكأن ً صاعقة ما حلت بالمكان.. ارتبكت، وتلعثمت لسانها مع الإجابة.. جاهدت أن تضفي على ردة فعلها من السؤال ردا هادئا”.
المذهب الديني: ناقشت الرواية فكرة الاختلاف المذهبي بين أبناء المجتمع الواحد، واتضح هذا منذ بداية أحداث الرواية بين مريم وحمد: “كثيرا ما وجهن السؤال لحمد أو مريم، ودارت الحوارات داخل الأسرة بين البنات وأبويهما: لماذا مريم تكفت في صلاتها، بينما حمد حين يقوده تفكيره للصلاة يسبل يديه. بينما حمد يقول هي عادة اعتدنا عليها.. الصلاة مقبولة عند الرب طالما كانت نيتنا حسنة وتوجهنا إليه بإخلاص”.
وبعد رحيل الأسرة إلى ولاية مطرح، وردت إشارات نصية توضح اختلاف المذاهب بين أحيائها:
” كما أن حي بيت العرين الذي قطنوه في ولاية مطرح التابعة لمحافظة مسقط به من تعددية الطوائف والأجناس ما يجعل ذلك يلغي الفواصل والمسافات عند بناء العلاقات، وتلاقي الأذان”.
واتضح ذلك بصورة جدلية من خلال قصة ابتسام ورغبتها في الزواج من حسين، ورفض والدتها لذلك بحجة الاختلاف المذهبي: “جلست مع حسين، وتحدثت إليه ستحبينه، وستجدين عنده ثقافة التسامح. أمسكت برأسها، وضربت كفيها، صائحة:أ ين أضع وجهي أمام أهلي إن قلت بأني سأزوج ابنتي من يحج إلى كربلاء؟”.
القبيلة: الاختلاف حول القبيلة من خلال قصة الحب بين وفاء وجلال ورفض والدتها مريم تزويجها برجل من قبيلة أخرى، واتضح ذلك من رفض مريم ارتداء وفاء لزي مخالف لقبيلتها: “للتعبير عن حبها وترجمته في نفسها، أحبت من الأكلات الـ”بابلو” والـ”الحليم” وأجادت ُصنع حلوى الـ”كبيراه” ولبست في بعض المناسبات التقليدية الزي التقليدي”.

• أزمنة الرواية بين الواقع والمتخيل

تنافست شخوص الرواية على سرد قصصها عبر “زماكنية” الحدث حول مريم وبناتها، وبقية الشخصيات الثانوية. وهناك رصد زمني لبعض الأحداث المرتبطة بحياة شخصيات الرواية، التي قرنتها الكاتبة بأحداث واقعية معاصرة، وهذا جعلها تأخذ ملمحا اجتماعيا تارة، وتارة أخرى ملمحا سياسيا.

أ. حدث روائي متصل بالواقع العماني الاجتماعي

“عندما تزوجت مريم من حمد في الشهر الثاني من عام 1974 لم يكن ذلك أمرا مألوفا في ذلك الزمن. قطبان متنافران من ناحية الأسرة والقبيلة والمنطقة. لذا فإن زواج الفتاة من قريب لها هذا قدرها المحسوم، أو شخص ينتمي للمنطقة ذاتها التي تنتسب إليها فهو أمر مقبول، لكن أن تتزوج من رجل خارج نطاق العائلة”.
اقترن ذكر حدث زواج مريم من حمد بعام 1974م، وهو تاريخ يعود إلى المراحل المبكرة في مسيرة النهضة المباركة في عمان. ويعني هذا أن المجتمع كان بسيطا في تعامله، وملتزما أكثر بالعادات والتقاليد. ويمكن تحليل موقف مريم إزاء زوجها المتمدن الذي يصر على أن يعيش وكأنه في أوروبا، وهي تجهل الكثير عن هذا العالم بحكم أنها لم تسافر قط.

ب‌. حدث روائي متصل بالواقع العماني السياسي

اتضح ذلك من خلال علاقة ابتسام بحسين في أثناء مرورهما على الاعتصامات عام 2011م:
“عندما وصلت ميدان مجلس الشورى أوقفت السيارة: إنها الاعتصامات التي يتحدثون عنها منذ البارحة.. ماذا يفعل كل هؤلاء الشباب من هناك وهنا؟ إن هذه النداءات كمطر غزير ينساب إلى مسامعها، لكنها لا تدري إن كانت ستصبح فرحًا أو تغدو جرحًا، أو تقاسمها البحر وتفتح أمنيات للصالح العام؟
. أيكون (محمد البوعزيزي) انتقلت روحه، وانسابت دماؤه من تونس إلى عمان؟! أم نداءات مصر للإحاطة بالنظام تسربت إلى مطامح الشباب، أم عدوى سوريا فاحت مطالبة بحقوق المهمشين من الناس؟ يبدو أن عدوى الربيع العربي انتقلت عندنا كذلك. وانهالت على مسامعها مطالب المعتصمين.. شعرت بحزن يشوبه الانتشاء، وبقيت في حديث مع نفسها: جميل لو تلبى المطالب فرغم وجود الحريات، والسعي لبناء الإنسان، المؤسسة عندنا بحاجة إلى تنظيم وترشيد لمعالجة الفساد الإداري والاقتصادي، وحقوق الموظف من ترقيات وغيرها بحاجة إلى تطبيق، ورفد سوق العمل بكوادر وطنية شابة ومتعلمة، وتسهيل الالتحاق بمؤسسات التعليم”.
إن التواصل الحدثي بين واقع الشخصيات والمتخيل، وما يدور في الشارع العماني عام 2011، جعل للحدث مرجعية تاريخية، وهو وسيلة توثيقية لأحداث الربيع العربي في سلطنة عمان، عندما شارك مجموعة من المثقفين والمفكرين الذين طالبوا بالتغيير والإصلاح.. وهذا جعل أحداث الرواية تلقي بظلالها على واقع الشخصيات عندما ذكر أن حسين حجز للتحقيق معه، لأنه كان مشاركا… وهذا يؤكد رغبة الشباب في الإصلاح وتصحيح الكثير من الأوضاع في ذلك الوقت.

• المكان … يسكن ذات شخوص الرواية

جاء المكان في رواية (أصابع مريم) محملا بدلالات إنسانية ونفسية وتاريخية، ليس لكونه مكانا جغرافيا فحسب، ولكنه امتزج بواقع الشخصيات والأحداث، والتنوع بين أزمة واقعية وأخرى متخيلة، وأهم ملامح المكان أنه جاء موثقًا للمدن العمانية، واصفا تفاصيلها الجغرافية، وعلاقتها بحياة مريم وحمد، كما ورد في النص:
– تنحدر عائلة حمد من بيئة محافظة جدا أصولها من ولاية /نزوى/ في محافظة الداخلية.
– تنحدر عائلة مريم أصولها من ولاية /صور/ في محافظة الشرقية الساحلية.
– /حي بيت العرين/ الذي قطنوه في /ولاية مطرح/ التابعة لمحافظة مسقط.
– الحارات القديمة بأفلاجها وحصونها، وتراص بيوتها الطينية، والوديان والصحراء.
– في إحدى المرات التي كان يتردد فيها على /مسفاة العبريين/
– في يوم ربيعي ما اصطحب أسرته إلى / نزوى / قاصدا القرية
الوادعة /منح/ متأملا مزارعها وجبالها.
– عند العودة انعطف إلى قرية / بركة الموز/ وصعد ذاك السياج الجبلي الذي يفصل المنطقة، متجها إلى قرى /الجبل الأخضر/.
– انتقلت الأسرة للعيش في منطقة/ القرم/ تلك المنطقة التي تقع في قلب العاصمة مسقط. ص59
– كانت ترى في مسقط امتزاجا رهيبا بين هاتين البيئتين.
– يجول بها في ساحات /مسقط/ ثم يقف أمام /قصر العلم/.
– سارت ابتسام إلى مقهى في شارع الحب /القرم/.
– انما أشجار الغاف التي كانت تتناثر على طول /شارع السلطان قابوس/ الممتد كشريان حيوي، مخترقا /محافظة مسقط/ ظلت ّ تحاكي تحولات الزمان.
ويؤكد ذلك اقتران الشخصيات بالمكان أو البيئة الجغرافية المحيطة بهم، التي تشكل رؤاهم وفكرهم، وحركتهم، وهم محكومون بواقع القرى والمدن التي يعيشون، ولذلك اختلفت الشخصيات في تفكريها وتوجهاتها حسب البيئة التي تعيش فيها. وهذا يبرر اختلاف تفكير بنات مريم عنها، لكونها عاشت في مكان وزمان سابقين. أما البنات فقد شكلت المدينة تفكيرهن وثقافتهن، وهذا يؤكد أهمية المكان في النص الروائي” وهو عنصر مهم من عناصر البناء القصصي الذي تدور فيه الأحداث وتتحرك الشخصيات. كما أنه يحمل دلالة الزمان والإنسان أي أنه يكمل صناعة المشهد القصصي، ويتجاوز إلى كونه شيئا صامتا أو مجرد خلفية تقع عليها أحداث القصة، وهو أحد المحاور الأساسية التي تدور حولها عناصر القصة”.

• الرواية .. بين الحداثة والتقليدية

تظهر في رواية “أصابع مريم” ملامح التمرد على التقليدية في الكتابة، ومحاولة البحث عن شكل جديد برؤى عصرية تقع في مرحلة وسط بين التقليدية والحداثة. والتمست الكاتبة عزيزة الطائي في هذه الرواية مفرداتها من المراحل الزمنية التي عاشتها شخصياتها. وتمكنت من التوغل في نسيج المجتمع العماني، مع الحرص على ابراز الجدل بين المسلمات الاجتماعية المتوارثة، بحكم التنوع القبلي والمذهبي للناس. وفي ظل الرغبة في الزواج فإن الحواجز تتضح وتتشكل أسوارا عالية، يصعب اختراقها، والكاتبة من خلال أحداثها تشن حرب على الكثير من المعتقدات المتوارثة منذ القدم.
سَخًّرت الطائية موضوع الرواية بهدف التعمق في ثنايا المجتمع العماني، والنبش في قضاياه الاجتماعية، نجد هناك نوعًا من التماس مع الواقعية المبطنة بقصص التنافر بين القبائل، وتفضيل الأسرة تزويج بناتها من نفس القبيلة. كما تضمنت الأحداث عددا من الدلالات الرمزية ذات الدلالة الضمنية، وما رافقها من مقدرة الكاتبة على التغلغل في أرواح شخوصها الموجوعة بهمومها وأقدارها.
تظل رواية (أصابع مريم) رؤية اجتماعية فاحصة لواقع المرأة العربية عامة، والمرأة العمانية بصفة خاصة، شخصت الكاتبة فيها وجع امرأة يتجدد عبر الزمن في صراعها ضد تابوهات المجتمع الشرقي، حيث العادات والتقاليد والمجتمع والرجل الذين يقررون جميعا مصير الأنثى. ومن هذه البوابة دخلت الكاتبة عزيزة الطائية إلى عالم المرأة العمانية في سبعينيات القرن الماضي لتكسر عزلتها، وتقص حكايات أصابعها الأربع بنات مريم، ولعل توظيف الأصابع يؤكد قرب بناتها إليها، ولكن لكل بنت بصمتها الخاصة في الحياة.. الرواية حافلة بالأحداث التي يمتزج فيها الواقع والخيال، وهي نموذج للتضاد الاجتماعي والثقافي بين جيلين مختلفين في عمان.