نحو الحفاظ على التنوع الأحيائي وصون الموارد الوراثية النباتية والحيوانية

إنشاء بنوك وراثية جينية وحقلية

“عمان”: يمتد التنوع الأحيائي في السلطنة من المراعي الطبيعية ليشمل محاصيل الغذاء والأعلاف والنباتات ذات الاستخدامات الأخرى.
وتوجد بالسلطنة عدة محاصيل ذات أهمية ومردود اقتصادي لدى المزارع العماني أهمها القمح والشعير والليمون ونخيل التمر ونخيل النارجيل والرمان والبرسيم وبلا شك تساهم في تحقيق نسبة من الأمن الغذائي، حيث تقوم وزارة الزراعة والثروة السمكية بتنفيذ العديد من البرامج البحثية والتنموية التي تعنى بالمحافظة على الأنواع والأصناف المحلية التي يمكن لها أن تساهم بنسبة أكبر في الأمن الغذائي مستقبلا خاصة مع تطور تقنيات العلوم الزراعية.
كما أن وجود التنوع في زراعة المحاصيل له أهمية خاصة، حيث يسمح لمربي النبات بتطوير أصناف محاصيل مختلفة قادرة على تحمل الظروف البيئية المختلفة وبالتالي يساهم في زيادة الإنتاج الزراعي وتحسين دخل المزارعين.
وتتطلب المرحلة القادمة المزيد من البرامج البحثية والتنموية لجمع وحفظ وإدارة الموارد الوراثية النباتية للغذاء والزراعة لضمان استدامتها للأجيال القادمة.
وتعتبر بعض المحاصيل الحقلية والخضر وأشجار الفاكهة والأشجار الغابوية والنباتات الرعوية محلية لكونها تأقلمت مع البيئة العمانية منذ زمن بعيد.
كما تشتهر السلطنة بالأصناف والسلالات المحلية والأقارب البرية لبعض المحاصيل والنباتات والتي تشكل مصدرًا للمادة الوراثية التي يمكن استخدامها مستقبلا في نقل خصائص معينة ضمن برامج تربية النبات.
وقد أولت السلطنة اهتماما بالغا بمواردها الوراثية النباتية وأصبحت عضوا فاعلا في خطة العمل الدولية بشأن الموارد الوراثية النباتية للأغذية والزراعة وذلك بموجب المرسوم السلطاني رقم 10 / 97، كما خطت خطوات حثيثة نحو المحافظة على مواردها الوراثية النباتية والحيوانية من خلال المبادرات الوطنية أو بالتعاون مع المنظمات والمعاهد الدولية، حيث قامت بالتوقيع على العديد من الاتفاقيات وأصدرت العديد من المراسيم السلطانية والتشريعات المتعلقة بحفظ وصيانة الموارد الوراثية النباتية والحيوانية.
وفي هذا الإطار، قامت الوزارة بتحديد البصمة الوراثية لأكثر من (60) صنفا من أصناف من النخيل العمانية مثل زبد، برحي، خلاص الظاهرة، ثميد، بهلاني، بونارنجة وذلك باستخدام تقنية التضخيم العشوائي للمادة الوراثية (RAPD) وتقنية تضخيم المادة الوراثية لقطع الحمض النووي الرايبوزي ذات الأطوال المتعددة (AFLP).
وقد أظهرت التقنيتان القدرة على تميز الاختلافات الجينية/الوراثية بين تلك الأصناف بما يساعد مربي النبات على اختيار / تطوير الأصناف المحلية لنخيل التمر. كما تم استخدام تقنية (AFLP) في دراسة 55 نخلة انتجت بواسطة التهجين الرجعي (Backcross) وآبأئها لصنف الخلاص بهدف تحديد الواسمات الجزيئية. كما تم توصيف بعض المداخل الوراثية من البرسيم المحلي باستخدام الصفات المظهرية والبستانية مثل طول النبات وعدد الأقرع وعدد الأوراق لكل نبات والوزن الجاف والأخضر ومعدل النمو واستخدام الواسمات الجزيئية عن طريق الاستفادة من تقنية التضخيم العشوائي للمادة الوراثية.
وقد قامت الوزارة وبالتعاون مع المعهد الدولي للتنوع الأحيائي (الذي كما يعرف سابقا باسم المعهد الدولي للمصادر الوراثية النباتية) بتطوير منظومة معلومات متكاملة لإدارة الموارد الوراثية النباتية والتي تعرف بقاعدة البيانات الوطنية للموارد الوراثية النباتية، ويتوفر حاليا العديد من الدراسات غير المنشورة والمرتبطة بتوصيف الموارد الوراثية للنباتات المحلية للأغذية والزراعة لمحاصيل نخيل التمر والمانجو والموز والليمون الحلو والليمون الحامض والخيار والشعير والبرسيم وأنواع أخرى من النباتات العشبية.
قامت الوزارة كذلك بإنشاء عدد من البنوك الوراثية منذ عام 1988م في مواقع مختلفة من السلطنة، حيث تشير العديد من الدراسات إلى أن سلطنة عمان تعتبر من المراكز الأصلية للتنوع الوراثي النباتي والحيواني والتي يجب المحافظة عليها وحمايتها من الاندثار.
ويشير الوضع الحالي – للموارد الوراثية النباتية في السلطنة – لكثير من المحاصيل الزراعية والأنواع البرية إلى تدهور التنوع الوراثي فيها ومن أهم عوامل التدهور هذه استبدال الأصناف المحلية بالمستوردة، واختلاط الأصناف المحلية بالأصناف المستوردة في الحقل وزيادة الحمل الرعوي على المراعي مما أدى إلى تقلص نباتات المراعي وعليه فأن تدهور التنوع الوراثي للنباتات يفقدنا ثروة يمكن استغلالها في تطوير المحاصيل الزراعية المحلية ضد الإجهادات الطبيعية والحيوية مثل الجفاف وملوحة المياه والتربة وضد الأمراض والآفات، كذلك قد يفقدنا ثروة وراثية نباتية يمكن استغلالها في تطوير محاصيل رعوية متحملة للجفاف والتملح كما أن كثيرًا من هذه النباتات لها خصائص طبية معروفة عند المجتمعات المحلية قد يتم استخدامها في تطوير علاجا للأمراض البشرية والحيوانية. يوجد في السلطنة العديد من البنوك الوراثية النباتية والحيوانية التي تشرف عليها وزارة الزراعة والثروة السمكية ومن ضمنها بنك وراثي للنخيل بمحطة بمحطة البحوث الزراعية بالكامل والوافي وآخر بمحطة بحوث النخيل بوادي قريات تحتوي على (٢٤٩) صنف نخيل محليا ومستوردا، وبنك وراثي لأشجار المانجو “الأمبا” بمحطة البحوث الزراعية بصحار ويضم (١٨٠) صنفًا محليًا ومستوردًا، وبنكًا وراثيًا للموز بمحطة البحوث الزراعية بصلالة يضم (٤٠) صنفًا محليًا ومستوردًا، وبنكًا وراثيًا لأشجار النارجيل يضم أكثر من (١١) صنفًا، وبنكًا وراثيًا لأشجار الحمضيات في الكامل والوافي وبهلا يضم حوالي (٢٣) صنفًا محليًا ومستوردًا، بالإضافة إلى البنك الوراثي الحقلي للنباتات والشجيرات والأشجار الرعوية والغابوية والطبية بالرميس بولاية بركاء يضم حوالي 100 نوع.
كما تم منذ عام 2004م استحداث بنك وراثي حقلي – تابع لوزارة الزراعة والثروة السمكية – للنباتات خارج الموطن الأصلي لأنواع مختلفة من النباتات الرعوية المحلية يتسع لـ244 نوعا من الأعشاب والشجيرات والأشجار ونوعيات الحشائش، بالإضافة إلى أنه يتم فيه حفظ بذور الطرز الوراثية لتلك الأنواع في البنك الوراثي لغرض الاستفادة منها في التوصيف والدراسات المستقبلية.
كما توجد في السلطنة بنوك وراثية حيوانية لأهم السلالات الحيوانية المحلية في الرميس ووادي قريات وصلالة مثل سلالة ماعز الجبل الأخضر والجبالي والباطني، إضافة إلى سلالة الأبقار الظفارية وأبقار شمال السلطنة والضأن المحلي، حيث يصل عدد السلالات إلى (١٣) سلالة محلية.
علمًا بأن الوزارة قامت مؤخرا بتسجيل العديد من الأصناف النباتية المحلية في قاعدة البيانات للاتحاد الدولي للمستنبطات النباتية والمنظمة العالمية للملكية الفكرية ودائرة الملكية الفكرية بوزارة التجارة والصناعة، إضافة إلى توثيق عدد من السلالات الحيوانية العمانية في موقع منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة “الفاو”.
تم تنفيذ العديد من المسوحات الميدانية على مستوى السلطنة على مدى السنوات الماضية وما زالت مستمرة لجمع الموارد الوراثية النباتية المختلفة وتصنيفها وحفظها وتوج هذا الجهد بإنشاء وحدة تكنولوجيا البذور بالتعاون مع المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة (ايكاردا) تم تعزيزها بمعظم الأجهزة والمعدات لحفظ وتخزين البذور لفترات طويلة الأجل لضمان المحافظة على الأنواع التي يتم جمعها وحفظها خارج موطنها الأصلي.
الجدير بالذكر أنه قد تم خلال العشرين سنة الماضية إدخال العديد من الأصناف المحسنة للسلطنة، وكان معظمها من مخرجات برامج تربية المحاصيل التي تقوم بها مراكز الحصاد التابعة للمجموعة الاستشارية للبحوث الزراعية الدولية وبعض الشركات الزراعية العالمية، وقد تم تقييمها تحت ظروف السلطنة وانتخاب أفضلها وإكثار الأصناف غير الهجينة منها ونشرها على المزارعين على أساس قدرة تلك الأصناف على التأقلم مع الظروف المحلية، ومن أهم الأصناف المحسنة التي تم إدخالها للسلطنة القمح والشعير واللوبيا والبازلاء والسمسم وغيرها من الأصناف.
يمكن القول إن إدخال الأصناف المحسنة كان له الأثر الكبير في رفع إنتاجية المحاصيل الحقلية والعلفية ومحاصيل الخضر في وحدة المساحة، في حين قابلة اختفاء الكثير من الطرز والأصناف والسلالات المحلية بالرغم من أن البعض من تلك الأصناف المحلية لا تزال مورد رزق شائعا في محافظات الداخلية والشرقية والظاهرة.
وفيما يختص بأشجار الفاكهة وبالرغم من إدخال بعض الأصناف المحسنة وتفوق تلك الأصناف على المحلية منها خاصة محصولي الموز والمانجو إلا أن بقية الأصناف المحلية لأشجار النخيل والليمون والرمان والنارجيل ما زالت الأكثر تأقلما وانتشارا من حيث النوع والكم تحت الظروف المحلية.
وعلى المستويين الإقليمي والدولي، قامت السلطنة منذ الثمانينات بتطوير عدة مجالات للتعاون مع المعهد الدولي للمصادر الوراثية النباتية في الأمور ذات العلاقة بالمحافظة والاستفادة من الموارد الوراثية النباتية للغذاء والزراعة وأهمها تنفيذ بعض المسوحات الاستطلاعية الأولية لجمع عدد من المداخل الوراثية لأنواع المحاصيل المحلية.
واستكمالًا لذلك التعاون، فقد تم خلال السنوات الأخيرة تنفيذ عدة برامج بالتعاون مع المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة (ايكاردا) وحديقة كوي الملكية البريطانية والمعهد الدولي للزراعة الاستوائية ، تركز أغلبها على عمليات جمع وحفظ الموارد الوراثية النباتية. كما ساهمت السلطنة وبقية دول منطقة غرب آسيا وشمال إفريقيا في وضع استراتيجية المحافظة على الموارد الوراثية النباتية وبالتعاون مع العديد من المنظمات والمراكز الدولية منها المعهد الدولي للمصادر الوراثية النباتية والمركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة (ايكاردا) والمعهد الدولي للتنوع الإحيائي والميثاق العالمي لتنوع المحاصيل واتحاد مؤسسات البحوث الزراعية في الشرق الأدنى وشمال إفريقيا (أرينينا).
وقد قامت الوزارة خلال الفترة من 1997 إلى 2019 بتنفيذ العديد من مهمات جمع النباتات الرعوية في مختلف محافظات السلطنة بالتعاون مع برنامج ايكاردا لشبه الجزيرة العربية، كما أن الوزارة وبالتعاون مع المعهد الدولي للتنوع الأحيائي قامت بإنشاء نظام معلومات شامل لتوثيق الموارد الوراثية النباتية.
لقد انضمت سلطنة عمان لعدة اتفاقيات ومعاهدات دولية ذات العلاقة بالتنوع الأحيائي والمحافظة والاستفادة من الموارد الوراثية النباتية للغذاء والزراعة ومن ضمنها معاهدة التنوع الأحيائي في عام ١٩٩٤، والخطة العالمية للمحافظة والاستفادة من الموارد الوراثية للنباتات للغذاء والزراعة في عام ١٩٩٧، والمعاهدة الدولية للموارد الوراثية النباتية للغذاء والزراعة في عام ٢٠٠٤، واتفاقية إنشاء المعهد الدولي للموارد الوراثية النباتية في عام ٢٠٠٧.