نوافذ: يقال: إلى ما بعد “كورونا”

أحمد بن سالم الفلاحي
shialoom@gmail.com

تتردد جملة “إلى ما بعد كورونا” اليوم كثيرا على ألسنة الناس، إلى درجة تشعرك، كأن هناك انتفاضة قادمة سوف تزلزل كل القناعات، وتربك كل الخطط والبرامج، وتزيل من على فوق الأرض كل العقول التي ران عليها الجهل والتخلف، وخيمت على مساحات التطور والنمو، فهناك “اقتصاد لما بعد كرونا” وهناك “سياسة لما بعد كرونا” وهناك “ثقافة لما بعد كرونا”، وهناك “حياة اجتماعية لما بعد كورونا”، وهناك “صحة لما بعد كورونا”، وهناك “قيم لما بعد كورونا”، وهناك “سلوكيات لما بعد كورونا”، وهناك “جيل لما بعد كورونا” وغيرها الكثير مما نسمعه هذه الأيام.
هذه الجملة حاضرة اليوم في معظم اللقاءات الحوارية، وعلى مستوى العالم كله، كما تنشره مختلف القنوات الفضائية، حتى لتكاد تصاب بالدهشة من حلول هذه الجملة – صورة وتصورا – على الذاكرة الذهنية بهذه الكثافة، بل تعد الأمر حتى على مخيلة الأطفال، الذين زجوا في هذه تفاعلات الأخذ والعطاء في هذا الخندق، مع أن الناس هم الناس، والعقول هي العقول، والقناعات هي القناعات، والرؤى والتصورات هي نفسها، والصورة برمتها؛ على ما يبدو؛ لا تتعدى الأيام الأولى من فك الحظر على الأفراد الذين حوصروا بقوة القانون، لا بقناعة السلوك، لأن يبقوا في منازلهم أياما معدودات، ومن ثم تعود الحالة كما كانت عليه قبل حلول “كورونا” على واقع الناس المشغولين بحيواتهم المختلفة.
فكيف استطاعت هذه الجملة أن تتوغل في الذاكرة الجمعية بهذا الحضور الكثيف، وتسجل رؤى استشرافية بأن ما هو قادم، غير ما هو واقع، وأن هناك نقلة نوعية سوف تحل على كل مناحي الحياة في حياة الناس، وأن “كورونا” تمثل حدا فاصلا بين زمنين، وأن العالم سوف يشهد تحولات نوعية لم يسبق لها مثيل، مع أن الفترة الزمنية الفاصلة بين الواقع الزمني، والقادم الزمني، ما هي إلا فترة وجيزة لا يكاد المصابون من الفيروس يتنفسون اللحظات الأولى من عمر الشفاء، وأن الفاقدين لأحبائهم لم تزل مآقيهم لم تجف بعد من ألم الفقد..
إنه التعلق بخيوط العنكبوت، لا أكثر.
يدرك كثيرنا؛ بحكم العمر “نصف قرن” – القصير أجمالا – أن الإنسانية امتحنت في إرادتها كثيرا، وقاست في آلامها كثيرا، وتألمت من جروحها كثيرا، ولا تزال تعيشها أرقها المفجع في كل مروة، وتتعايش معه مكرهه، وتتعايش معه فرض العين، فأدمنت مآسيه، وثقله، وحمولته التي تئن من حملها الجبال، فالسيل العارم من المعاناة، ومن الحروب، ومن الظلم، ومن الجوع، ومن الإرهاب، ومن الرهاب، أدمن النفوس على التعايش إلى درجة النسيان أن من مفردات الحياة، السلم والأمان، ومن مفردات الحياة الاطمئنان، ومن مفردات الحياة الشبع والرخاء ورغد العيش، ومن مفردات الحياة البهجة والسرور، ومن مفردات الحياة الأخوة والمحبة، ومن مفردات الحياة التعاون على الخير، ومن مفردات الحياة التكامل والتكافل، وغيرها الكثير من مظان الحياة الحقيقية، التي يريدها رب العباد لعباده، ولكن بقت لهذا الإنسان نظرة أخرى في كل ذلك، وبقت له رؤية أخرى، وتخطيط آخر، ولذلك عاث في الأرض فسادا.
ومن هنا تستشرف الإنسانية الحقيقية أمالا كبرى مع كل محطة كونية كجائحة (كورونا – كوفيد19) وهذا الاستشراف هو الذي يكبر في مخيلتها حلم التغيير، وحلم التبدل من حال إلى حال، وحلم تحقيق الأماني التي غيبتها أطماع الإنسان المستقوي على من يمثلون الغالبية العظمى من سكان الكرة الأرضية، من الضعفاء والفقراء والمساكين، ولذلك فجملة “ما بعد كورونا” لم تأت من فراغ الذاكرة، وإنما تأتي من حمولة معاناة تعيشها الذاكرة الجمعية طوال مسيرتها الحياتية، التي لم تستفق فيها في يوم من الأيام على محطة تتيح لها فرصة الحلم بأن يوما قادم سيغير من مجرى التأريخ الإنساني المحمل بالمآسي، ويفضي على الإنسانية أمنا ورخاء.