غادة الأحمد تكتب:العيد : الحنين إلى فرح غائب

 العيد كل يوم فيه جمع ، وسمي عيدا لأن الناس اعتادوه؛ وهو عند العرب الوقت الذي يعود فيه الفرح أو الحزن. لكل أمة أعيادها منذ بدء الخليقة تجتمع في أيام أو أسابيع أو شهور معينة من السنة وتمارس طقوسها الخاصة فيها وللعرب المسلمين عيدان: الفطر والأضحى بعد أن كان لها أيام لهو وتسلية في القديم. ويأتي العيدان من باب الشكر والامتنان لله على تمام نعمه وفضله في القدرة على تجاوز دربة الصوم لشهر كامل وعلى تجاوز مشاق الحج. لا تختلف طقوس الأعياد في أهدافها الكبرى من الالتقاء والزيارات والتسامح والمحبة والاحتفال فقد نجدها عند أكثر الشعوب. درج الناس على خص الأعياد بالبهجة والسرور وخبأوا له الثياب الجديدة وصنعوا له أصنافا من الحلويات وأنشأوا له الأماكن الاحتفالية وخصصوا له الساحات وزينوا له الشوارع والبيوت. لا يمكن للذاكرة أن تنتشي دون استعادة طقوس العيد عند السوريين بدءا من الأيام التي تسبق العيد في تخمتها بالتفاصيل الصغيرة، وانتهاءً بأداء طقوس العيد حتى آخر ساعة من أيام العيد. فرغم الحجر الصحي المفروض على السوريين جميعا وتحديد ساعات الخروج في اليوم وعدم السماح للناس بالتجول مساء وليلا ورغم تحذيرات منظمات عالمية من مغبة انتشار وباء كورونا، ورغم تراجع القوة الشرائية عند السوريين ونفاد مدخراتهم في الحرب المستمرة؛ إلا أن السوريين يثبتون للعالم أن إرادة الحياة أكبر من الموت أو من الارتهان للحزن على ما آلت إليه البلاد والعباد بعد حرب طاحنة أكلت الأخضر واليابس وفرقت الأحباب وبعد فقد لا يشبهه فقد للأهل والبيت والوطن غير آبهين بارتفاع درجات الحرارة بشكل لم تعهده أجواء سوريا في مثل هذا الوقت في السنوات الماضية. السوريون يحبون الحياة، وتراهم يتندرون على وضعهم المأساوي ويقاومونه بالخروج والاجتماع والتسوق والمناقشة على أسعار السلع حتى لو كانوا لا يستطيعون شراءها. ولا يمكن لعاقل تصور هذا الزحام في أسواق الألبسة والحلويات ومتطلبات صناعة الحلويات إلا ويظن أن الناس قد فقدت عقولها وعندها إصرار عجيب على دحر فكرة الموت من “كورونا” بإثبات العكس؛ يثبتون لأنفسهم أنهم أحياء يرزقون رغم كل الكوارث التي مرت بهم ولا يمكنهم أن يفوتوا فرصة عيش طقوس ما قبل العيد وطقوس العيد حتى ولو أدى بهم الأمر إلى التهلكة فتسمع بعضهم يقول متندرا: “ليس لكورونا موضع قدم في الأسواق” للسوريين طقوس جميلة تسبق العيد من تنظيف البيوت والشوارع وغسل الأبدان والثياب حتى تشم رائحة النظافة أينما اتجهت يرافقها رائحة خبز الحلويات في البيوت. في سوريا ينام الأطفال محتضنين ثيابهم الجديدة في ليلة العيد، وتبقى الأمهات تعد الحلوى وترتق الثياب وتكويها حتى ساعات متأخرة من الليل. في سوريا يصحو الناس جميعا على تكبيرات العيد ويرددون وراء المؤذن حتى تتعالى الأصوات في جميع الأحياء: الله أكبر الله أكبر الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا يبدأ الفرح يدب في النفوس ويصلي الناس في الجوامع (قبل كورونا) ويتبادلون المعايدات والتبريكات ومن ثم تتجه الأسر إلى بيت الجد أو الجدة ويصطف الأطفال بعدها في طابور ليقوم الجد بتوزيع العيدية على كل منهم والعيدية مبلغ من المال يعتبر ثروة في أيام العيد إذ يشكل ميزانية الطفل طوال أيام العيد للعب، وشراء ما تشتهيه نفسه، ولا تقتصر العيدية على الأطفال فقط بل إنها تمتد لتشمل النساء من زوجات وبنات، ومن ثم تعد الولائم فيأكل الجميع ما حضرته الجدة أو الأم خاصة لهذا اليوم ويتناولون حلويات العيد من البقلاوة والمعمول بالجوز وبالتمر والكليجة وأقراص العيد. وبعدها يبدأ طقس تبادل الزيارات للأقارب والجوار والأصدقاء. يعود العيد على السوريين وقد مرت تسع سنين عجاف حدثت فيها حرب ضروس وما زالت مستمرة فرقت بين أبنائها وصار فيها فقد ونزوح ولجوء ودمار كبير وموت كثير أورث حزنا كبيرا في النفوس، إذ يتحول العيد عند أغلب السوريين إلى انتشاء ذكرى أعياد كان فيها الناس مجتمعين لا فاقدا ولا مفقودا، وتندرج سلوكيات السوريين في العيد وقبله في السعي لاستعادة بهجة العيد وحبوره وفي البحث عن فرح غائب.