أحمد البوسعدي: الكثير من الخلافات الأسرية سببها ضعف الوازع الديني

تعزيز الجانب الإيماني يغرس في نفس الإنسان الرقابة الذاتية –
التقاه – سالم بن حمدان الحسيني –

الرجوع إلى الدين الحق، والأوبة إلى العقيدة الصافية هو المخرج من الفتن، والانحرافات الأخلاقية والسلوكية، والخلافات الأسرية وغيرها من القضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.. ذلك ما أكده اللقاء التالي مع السيد الدكتور أحمد بن سعيد بن خليفة البوسعيدي المدير المختص بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية ونائب رئيس الجمعية العمانية للعناية بالقرآن الكريم.. مؤكدًا أن تقوية الدين في نفس الإنسان، وتعزيز الجانب الإيماني لديه يغرس الرقابة الذاتية في نفسه.. تفاصيل أكثر نقرأها في اللقاء التالي:
❁ في بداية الحديث هلا حدثتمونا عن علاقة القرآن بحل النزاعات الأسرية؟
إن الله سبحانه وتعالى جعل القرآن الكريم دستورا يرجع إليه المسلم لتنظيم حياته بمختلف تفاصيلها وشتى نواحيها، فعلى العلماء والباحثين أن يعملوا على تنزيل التوجيهات الربانية بما يحقق مصالح العباد، ومن الجوانب المهمة التي ركزت عليها الآيات القرآنية تعزيز الجانب الإيماني لضبط مجال تنظيم العلاقات الأسرية وحل مشاكلها، يقول الله تعالى بعد إيراد قضايا الطلاق: (ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ).
❁ من وجهة نظرك ما هي أهم أسباب النزاعات داخل الأسرة، وما هو أبرز علاج لها؟
في الحقيقة توجد أسباب كثيرة تؤدي إلى الخلافات والنزاعات الأسرية، ولكن الكثير منها راجع إلى ضعف الوازع الديني لدى أفراد الأسرة، فعدم خوف الإنسان من الآخرة وأنه سيحاسب على أقواله وأفعاله وتصرفاته مع أسرته قد يدفعه إما إلى التعدي عليهم بالضرب والشتم والإهانة وغير ذلك أو يؤدي به إلى التقصير في الواجبات الملقاة على عاتقه تجاه أفراد أسرته، وكل ذلك يؤدي بالطبع إلى هذه النزاعات والاضطرابات داخل الأسرة، وعلاجه يكمن في تقوية الدين في نفس الإنسان، وتعزيز الجانب الإيماني لديه، فخوفه من الله يدعوه إلى التزام أوامر الله والقيام بواجباته تجاه أسرته وعدم التقصير في شيء منها، بل يسعى جاهدًا إلى أن يحسن خلقه مع أسرته وسائر من حوله ويتجاوز عن أخطائهم ويقابلها بالعفو الصفح للوصول إلى رضا الله ونيل أعلى الدرجات في الجنة، فقد قَالَ صلى الله عليه وسلم: (أَنا زَعِيمٌ ببَيتٍ في ربَضِ الجنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ المِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا، وَببيتٍ في وَسَطِ الجنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الكَذِبَ وإِن كَانَ مازِحًا، وَببيتٍ في أعلَى الجَنَّةِ لِمَن حَسُنَ خُلُقُهُ) وقال الرسول عليه الصلاة والسلام: (خيركم خيركم لأهله).
❁ ما أهمية تعزيز الجانب الإيماني لدى الإنسان في جانب العلاقات الأسرية؟
إن تقوية الجانب الإيماني في النفس البشرية له دور فعال في توقي العقبات، وتخطي الكثير من الإشكالات التي تعترض الإنسان في سيره في دروب الحياة، كما أن له دورا مهما في حل القضايا التي تواجهه ومنها القضايا والنزاعات الأسرية، فالإيمان له دور كبير جدا في حياة الإنسان، فهو الذي يحدد مساره في هذه الحياة ويضبط له أخلاقه وسلوكه، ومن أبرز العناصر التي تؤكد أهميته: معرفة المؤمن مقامه وحدوده، فالمؤمن يدرك بأنه مخلوق من مخلوقات الله، وأنه لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا ولا حياة ولا نشورًا ولا حركة ولا سكونًا إلا بإذن الله، فتجده يخضع لسلطان الله ويمتثل لأمره، ويوجه خلقه وسلوكه وفق المنهج الذي رسمه له، ليحقق المقصد الذي خلق من أجله، وهو عبادة الله، يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، والقرآن يذكّر الإنسان بأصل خلقته، وأنه خلق من شيء يستهين به، ضعيف لا قوة فيه، حتى ينتبه لضعفه ويدرك مقامه، فلا يطغى ولا يتكبر على غيره من المخلوقات، كما أنه يلزم حدوده، وينصاع للحق ولا يتكبر على خالقه، قال تعالى: (خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ)، موضحًا أن قوة الإيمان تعمل على إيقاظ الضمير الإنساني، فالإنسان عندما يوقن بقدرة الله عليه، وأنه مطلع عليه وعلى أعماله، فإنه يضبط خلقه وسلوكه وتصرفاته، لكي يأمن عقابه وينال رضاه، وأما إذا ما غفل عن خالقه فإنه يكون كالوحش الكاسر، يأكل القوي الضعيف، ويعلو الغني على الفقير، ويغتر بما نال من قوى وقدرات، فيتجبر على غيره دون وازع من داخله، ولا رادع من خارجه، ولا يلتزم بقوانين خالقه، ولا قوانين غيره من البشر، مبينًا أن «الدنيا تفسد الضمير بإغراءاتها، ومن أجلها يخون الناس الأمانات، وينكثون العهود، وتضيع الحقوق، وينتشر الغش، ويستشري الظلم، وتسفك الدماء، وتداس القيم ويباع الدين والشرف والوطن والعرض وكل معنى إنساني، لذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا)، فالأمل الذي تبعثه العقيدة في النفس، من حب للآخرة وحب للقاء الله تعالى، يقضي على فساد الضمير وضياع الخلق».
وأشار إلى أن الإيمان أيضا يغرس الرقابة الذاتية في نفس المؤمن، فإيمان الإنسان بأن خالقه مطلع عليه، بل ومطلع على سره وعلنه، مع توعده بالعقاب الأليم إن تعدى، وبالثواب الجزيل إن أطاع، يحدث في نفسه الوجل والخوف من الخالق، ويدعوه إلى التزام أمره، يقول تعالى: (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ)، فاستشعار الإنسان أن قوة قاهرة مطلعة عليه، وكاشفة لسره وعلنه، تجعله ينضبط في التزام توجيهاتها والسير على نهجها، فاستشعار رقابة الله مدعاة لحصول الرقابة الذاتية في النفس البشرية، فتنساق إلى تطبيق أحكامه وتشريعاته ولو كان بعيدا عن أعين الناس، لأن عين الله تراه.
ويعمل كذلك على انضباط العمل والسلوك، لأن الإيمان يخرج الإنسان من الضيق إلى الانفتاح، ومن أسر المادة وسيطرة الشهوات إلى شرف العبادة وتوجيه الشهوات، فينقله من انغلاق التفكير في المادة والحياة الدنيا إلى التفكير في الآخرة وما بعد الموت، وأنه خلق حقيقة للآخرة، وأن الدنيا معبر لها، فيتسع أفقه وتتفتح مداركه، إلى أن يجعل همه من الدنيا وهدفه الأسمى هو الفوز برضا الله والظفر بنعيم الآخرة، وهذا يدفعه إلى العمل الدؤوب لأجل تحقيق هذا الهدف النبيل، والتضحية بمتع الدنيا وشهواتها لأجل الآخرة لأنه يضحي بما مآله إلى الزوال والفناء إلى ما مصيره الثبات والبقاء، فهذا هو الفرق بين طالب الدنيا وطالب الآخرة، قال تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا، وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا)، مشيرا إلى أن الإيمان بالآخرة في غاية الأهمية، فبدونه ينهدم النظام وتعم الفوضى، لأن الإنسان إذا تعلق بالدنيا وزخرفها، وشهواتها، ونسي الآخرة، انطلق كالكلب المسعور، يتوجه إلى الفساد والخراب، من دون ضابط ولا حاجز من عقل أو خلق أو دين، لأنه غفل عن الحساب، وكما يقال: (من أمن العقوبة أساء الأدب)، لذا بيّن الله حقيقة الدنيا وزوالها: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ)، والإيمان كذلك يعين على رفعة الخُلُق وسمو الروح.
إن الأخلاق الفاضلة والقيم الرفيعة أمور تتطلبها مختلف المجتمعات البشرية، وذلك لكونها أمورا فطرية مركبة في الإنسان، ومن هنا نجد أن دين الإسلام هو دين الأخلاق، لأن هدفه الأسمى هو الأخلاق، فهذا رسول الإسلام يقول: (إنما بُعِثْتُ لأتمم مكارم الأخلاق)، كما بيّن الارتباط الوثيق بين الإيمان والخلق الحسن بقوله: (أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا، وخياركم خياركم لنسائهم)، فالإسلام نَظَّمَ أخلاق الإنسان وعلاقاته مع نفسه ومع ربه ومع سائر الموجودات، ليكون الخلق هو رائده، وهو المنطلق الذي ينطلق منه للتعامل مع غيره، وهو الأساس الذي يعتمد عليه، وهو المصدر الذي يرجع إليه، إن الإنسان عندما يدعوه إيمانه إلى أن يحسن أخلاقه ويهذب سلوكه. وأضاف قائلا: إن المخرج لهذه الفتن التي عمت وطمت، وهذه الانحرافات الأخلاقية والسلوكية التي شاعت وذاعت، وهذه النزاعات والخلافات الأسرية التي استشرت وتفاقمت هو الرجوع إلى الدين الحق، والأوبة إلى العقيدة الصافية والإيمان الحقيقي، لتذوق المجتمعات طعم السعادة الحقيقية، ولتستظل تحت ظل الأمن والرخاء، فالإيمان يدفع الإنسان إلى الامتثال للمواعظ الربانية: وذلك للوصول إلى سعادة الدنيا والعقبى لهذا المؤمن، فيتحصل على جوائز هذا الانصياع التام لأمر الله تعالى، من الثبات وعدم الاضطراب والتنازع في حياته، لأنه يسير وفق هدي واضح وطريق مستقيم، إضافة إلى ما يتحصل عليه في الآخرة من الثواب العميم، يقول الله تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا، وَإِذًا لَآَتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا، وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا، وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا، ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا).