الإبداع كعلامة للحياة

محمد جميل أحمد –

على مدى التاريخ؛ ثمة علامة مضطرة تؤشر على حياة الأمم أو موتها. فحياة الأمم حين تزدهر بتلك العلامة تعكس باطراد طابع الحيوية والتجدد. وهذه العلامة هي: تكريم الأمة للإبداع في مبدعيها. وبطبيعة الحال مفهوم التكريم هنا يعني إدراكًا واعيًا بحيثية الإبداع، أولًا في شموله لكافة أنواعه في مختلف جوانب الحياة، وثانيًا قوة الأمة على تمثل القيمة الحقيقة للمبدع عبر قدرات مستقلة في إدراك ملامح إبداعه وتأثرها به. فالتراكمات التي وفرت لنا اليوم تيسيرات حياتنا في مختلف جوانبها، كانت في بداياتها الأولى لحظة كشف إبداعي انقدحت في ذهن مبدعها قبل أن يتم بذلها للمنفعة العامة للبشر ماديًا أو معنويًا. سواءً كانت هذه اللحظة ممثلة في اكتشاف مصباح الإنارة الذي كان لحظة كشف واحدة في ذهن مبدع وحيد، ثم أصبحت لحظات متجددة ولامتناهية في ملايين المصابيح التي تنير ليل العالم في الشرق والغرب. أو كانت لحظة اكتشاف جهاز من الأجهزة التي تيسر حياة البشر.
ولعل الفكر والفن يأتيان في قمة أعمال الإبداع التي تلعب دورا في ترقية حياة الناس والتعبير الرمزي عن مُثُلهم وقيمهم وأفكارهم في الحياة.
فحين يكرم مجتمع ما مبدعا فإن ذلك يتضمن أولًا معرفة هذا المجتمع بقيمة الإبداع، كما يعني ثانيًا تقديرًا وتثمينًا لفعل المبدع في مجال الفن والفكر.
ولقد اخترنا هذين المجالين من مجالات الإبداع لأن الاكتراث لهما قد لا يأتي في قائمة أولويات البشر العاديين، ما يعني أن البشر الذين يكترثون لمبدعيهم في مجال الفكر والفن هم الذين أكثر رقيًا من المجتمعات الأخرى.
هناك إبداع في الصناعات، وهناك إبداع في المنتجات، وهناك إبداع في وسائل الحياة المادية وحتى في فنون الطبخ، لكن هذا النوع من الإبداع، ولأنه مما له صلة حيوية بحياة الإنسان اليومية وضرورياتها؛ لذا نجد إقبال البشر على الاهتمام به يندرج في الحاجيات التي تخرج من دائرة الاهتمام المختلف حيث تصبح القوالب التي تتأسس عليها النماذج المكررة في صور الحداثة الأداتية عادية وطبيعية في الحس.
طبيعة المبدع الذي يشتغل في مجال الفنون وإنتاج الأفكار؛ أن تنطوي شخصيته على انكفاء ذاتي وحالة انعزالية من شأنها أن توفر له مناخًا مناسبًا لإنتاج الإبداع ما يعني أن قدرته في العادة على تطوير ذكاء اجتماعي تندرج في عادية علاقات البشر غالبًا ما تكون محدودةً.
فهو من حيث تكوينه النفسي يمثل ذاتًا فردية ممتازة تعكس فرادتها في إبداع يتصل بحياة الناس ويعبر عنهم، فمن ناحية هو متصل مع الناس بخياله وفكره، ومن ناحية أخرى منفصل عنهم بإبداعه لأن الإبداع غوص في لحظة خارج الزمن.
إدراك الأمم لقيمة مبدعيها يكون استمرارًا لتجسيد ذلك الاحتفاء والتثمين من خلال أنشطة استعادية مستمرة، تتناول قيمة ذلك الإبداع فكرًا كان أم فنًا، وتعمم حوله قراءات متعددة في أوجه التأويل التي يتضمنها، وتحفيز المبدع، إن كان حيًا، على إدراك قيمته العليا في وعي أمته.
العلاقة الجدلية بين المبدع وأمته تتجلى في أعلى تمظهراتها عبر مناخ الحرية، ذلك أن حاجة الإبداع الأولى هي حاجة الحرية قبل الفعل ذاته.
كما أن حرية قراءة العمل الابداعي وتمثله وإشاعته بين الناس عبر تأويلاته المختلفة أيضًا نشاط يحتاج إلى مناخ من الحرية. فالمبدعون هم، بصورة من الصور، جسر التواصل بين القيم العليا وبين البشر العاديين.
إن الاحتفاء بالمبدعين هو جوهر ومقياس تقدم الأمم لأن ذلك يعني وعي الأمة بصورتها التي تتجلى في نتاج المبدعين، فالفرد من حيث كونه فردًا قد يدرك ويشعر بتجاربه الوجدانية والعقلانية وربما يعبر عنها بطرق محدودة، لكن المبدع وحده هو الذي له القدرة في أن يجعل وجدانه مصهرًا لأمته، كما أن المفكر وحده هو الذي يرى حقائق الفكر المتصلة بالواقع وعبر قوانين يرسم لأمته قوة المعرفة التي تتحدد من خلالها مصاديق الواقع الموضوعي.
ولأن الإبداع من حيث كونه خطابًا متعرجًا في مستويات الخطاب والتأويل، فإن الأمم الحية هي تلك التي ترى في إنتاج مبدعيها مستويات متعددة الطبقات، وتختبر في كل مستوى معانيَ جديدة ووجهات نظر جديدة، على مدى الزمن.
لطالما عرف العرب في شعر أبي القاسم الشابي رمانطيقيته الحالمة باستمرار في أزمنة مديدة، لكن كان هناك وجه آخر في شعره يعكس مستوى آخر من تعبيراته المجازية المتمثلة في مفهوم التمرد والثورة الذي ظهر فجأة أنه الأكثر حضورًا في أزمنة أخرى. إن صورة الإبداع هي الصورة الموازية للحياة والمكملة لها في علاقة جدلية مستمرة ولهذا فإن الاختبار المستمر لإنتاج المبدعين في أوجه الحياة المستعادة هو الفعل الذي تضمن به الأمة حيوية حياتها في حياة مبدعيها الدائمة في إبداعهم حتى بعد رحليهم.
إن الأمم الحية هي تلك التي تجعل من مبدعيها أيقونات في مختلف دلالات الرموز الرفيعة لحياتها تلك التي تتذكرها دائمًا كطوابع البريد وأوراق النقد والمتاحف والمعالم العامة.