لقاح كورونا- هل سيتوفر لكل أحد؟

ديفيد ساليسبري – شاتام هاوس
ترجمة: قاسم مكي –

في 24 أبريل شاركت منظمة الصحة العالمية الرئيس الفرنسي ورئيس المفوضية الأوروبية ومؤسسة بيل وميليندا جيتس في استضافة اجتماع حضره رؤساء الدول وقادة الصناعة والتزموا فيه بالعمل من أجل المساواة بين الدول في الحصول على اللقاح بناء على مستوى غير مسبوق من الشراكة.

عند حلول جائحة انفلونزا الخنازير التي تسبب فيها فيروس إتش 1 إن 1 عام 2009 كانت بعض البلدان الصناعية مستعدة جيِّدا لَها. فقد ركزت برامج الجاهزية في بلدان عديدة على الإعداد لجائحة انفلونزا قادمة. وبناء على تحذيرات سابقة حول فيروس إنفلونزا الطيور إتش 5 إن 1، أبرمت هذه البلدان عقود شراء مبكرة أو استباقية لاحتياجاتها من اللقاح يتم تنشيطها بمجرد إعلان تحول الداء إلى جائحة. (هذا التعاقد المبكر مع الشركات يمكِّنها من إعداد مستلزمات إنتاج اللقاح والشروع فيه عند التوصل إلى تركيبته الصيدلانية وتزويد البلد المتعاقد باحتياجاته المستقبلية من اللقاح. وهي بذلك تتجنب التعرض لخسائر مالية محتملة – المترجم).
أما البلدان التي لم تكن لديها عقود فقد تدافعت للحصول على اللقاح بعد أن استلمت البلدان التي بكَّرت بالتعاقد على احتياجاتها منه.
عقب جائحة عام 2009 أعدَّ الاتحاد الأوروبي خططا لعقود شراء مشترك للقاح تضمن لكل مشترٍ سعر الجرعة نفسه ويمكن أن ينضم إليها أي بلد عضو. في عام 2009 لم يكن في مقدور بلدان الدخل المنخفض الحصول على اللقاح إلى أن وافقت الشركات المصنعة على توريد 10% من إنتاجها لمنظمة الصحة العالمية.
أما الوضع بالنسبة لكوفيد-19 فيمكن أن يكون أسوأ إذ لا يوجد بلد لديه عقد مبكر لشراء لقاح كوفيد – 19. لماذا؟
لأن لا أحد توقع أن تكون الجائحة التالية فيروس كورونا وليس فيروس إنفلونزا. وحيث إن هنالك حوالي 80 لقاحا مرشحا قيد التطوير في الوقت الحاضر حسبما جاء في الأخبار فإن اختيار اللقاح الصحيح من بينها سيكون مثل لعبة الروليت.
سيتقلص عدد هذه اللقاحات المرشحة. إذ سيفشل بعضها في مرحلة مبكرة من مراحل تطويرها. كما لن تستوفي لقاحات أخرى شروط تصنيعها.
لقد ذكرت كل الشركات الصيدلانية الكبرى المنتجة للِّقاحات أنها ستخصص موارد مالية لتصنيع لقاحات كوفيد- 19.
وطالما أنها ستختار اللقاح الملائم سيكون بمقدورها تصنيعه بكميات ضخمة بما تملك من خبرة وطاقة إنتاجية كافية.
تتحول لعبتنا الآن من الروليت إلى سباق الخيل. فالفوز صار مرجحا وليس خبط عشواء. وفي مقدور البلدان الآن السعي للتعاقد بمفردها أو جماعيا مع البلدان الأخرى لشراء اللقاح.
ويمكن أن يتم ذلك مع إحدى الشركات الكبيرة أو شركات متعددة. ومن الممكن أن يكون هذا التعاقد مثل المراهنة على «فوز» أحد الخيول المفضلة.
مثلا وَرَدَ أن جامعة أكسفورد أبرمت اتفاقا مع شركة «آسترا زينيكا» للمنتجات الصيدلانية ومن المحتمل أن تتوافر بموجبه 100 مليون جرعة بنهاية هذا العام. إذا نجح لقاح الشركة وانتجت هذه الجرعات وصارت متاحة للمملكة المتحدة سيتحقق حينها الوفاء بكامل احتياجات السكان وسيصبح التحدي بالنسبة لها تطعيم كل فرد بأسرع ما يمكن. وحتى في حالة حصول المملكة المتحدة على نصف الجرعات يمكن الإسراع بتحصين من هم أكثر عرضة للإصابة بكوفيد-19 أو الفئات المهنية. لكن مع قبول كل شركة كبرى المزيد من عقود الشراء ستتقلص الكمية التي سيحصل عليها كل بلد وستطول المدة الزمنية اللازمة لتطعيم السكان المعرَّضين للعدوى.
لكن حتى لحظتنا هذه ليس معلومًا بعد كيف ستتعامل الشركات المصنعة مع طلبات اللقاح وكيف ستُقَسِّم الإمدادات بين مختلف الأسواق.
في 24 أبريل شاركت منظمة الصحة العالمية الرئيس الفرنسي ورئيس المفوضية الأوروبية ومؤسسة بيل وميليندا جيتس في استضافة اجتماع حضره رؤساء الدول وقادة الصناعة والتزموا فيه بالعمل من أجل المساواة بين الدول في الحصول على اللقاح بناء على مستوى غير مسبوق من الشراكة.
ووافقوا على العمل بصوت موحد وقوي للبناء على التجربة السابقة وإخضاع أنفسهم للمساءلة أمام العالم والمجتمعات وأيضا فيما بينهم بخصوص اللقاحات ومواد الفحص والعلاج. لكنهم لم يقولوا كيف يمكن تحقيق ذلك. وكان غياب الولايات المتحدة عن الاجتماع ملحوظا.
واستضاف الاتحاد الأوروبي وشركاؤه مؤتمرا دوليا عن بعد، في 4 مايو تم التعهد فيه بجمع 7.5 بليون يورو كتمويل مبدئي لتدشين تعاون دولي حول اللقاحات.
وشاركت في استضافة المؤتمر فرنسا وألمانيا وإيطاليا والمملكة المتحدة والسعودية، حيث تتمثل أولوياته في الفحص والعلاج والوقاية. وستكرس هذه الأولوية الأخيرة لإنتاج اللقاحات.
على الرغم من هذا التعبير الواضح عن الإيثار ونكران الذات إلا أن كل حكومة ستواجه توترا بين الرغبة في حماية مواطنيها بأسرع ما يمكن وبين إدراكها أن ذلك سيكون على حساب البلدان الفقيرة التي لا تستطيع خدماتها الصحية حتى التعامل مع الجائحة. فمنح حصة من اللقاح للبلدان الأقل حظا لن يحقق أصواتا في الانتخابات.
توجد مصانع الشركات الكبرى التي تنتج اللقاحات في أوروبا والولايات المتحدة والهند. فهل سيُلزِم الاتحاد الأوروبي المصنِّعين الأوروبيين بِقَصرِ مبيعاتِ اللقاح للبلدان الأوروبية أولا؟
وهل ستطبق الولايات المتحدة قانون الإنتاج الدفاعي وتفرض حظرا على تصدير اللقاح حتى يتوافر مخزون كاف لكل مواطن أمريكي؟
وهل سيكون اللقاح متاحا في الهند فقط لأولئك الذين يمكنهم شراؤه؟
الدرس المستفاد من توافر اللقاح في جائحة الإنفلونزا عام 2009 واضح. فاللقاح لم يتم اقتسامه وقتها على أي نحو يمكن وصفه بأنه عادل. وعلينا الانتظار كي نرى إذا كنا سنتصرف بطريقة أفضل في جائحة هذا العام.


  • الكاتب زميل أول برنامج الصحة العالمي بالمعهد الملكي للشؤون الخارجية (شاتام هاوس)