العمل والسعي حث عليهما القرآن الكريم والسنة المطهرة

بدونهما لا يضمن الإنسان عيشًا ولا تستقيم حياة –
أجرى اللقاء – سيف بن سالم الفضيلي –

«إننا بحاجة إلى قراءة التاريخ الحضاري الإنساني والاستفادة من حكمة القرآن والسنة وتجارب الأمم للرقي بحضارتنا الإسلامية التي ازدهرت ونمت في أحضان الإسلام وتعاليمه وتعثرت بجهل أهله وكسلهم».
هذا ما دعا إليه الشيخ الدكتور سالم بن هلال الخروصي مستشار الوعظ والإرشاد بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية، أثناء لقائنا به حول موضوع (العمل والسعي).
وأكد الخروصي على أن العمل والسعي حث عليهما القرآن الكريم والسنة المطهرة، فهما أساس ضمان العيش والحياة للإنسان وبدونهما لا يضمن عيشًا ولا تستقيم حياة.
كما أكد على أن المواءمة بين المادة والروح من سمات ديننا الحنيف والعمل هو العنوان البارز ولذلك أنكر الإسلام على المسلم أن يقعد ويتكل على غيره ولو كان لأجل العبادة والذكر، فلا بطالة حين القدرة البدنية فقد جاء عن النبي الكريم: «إن المسألة لا تصلح إلا لثلاثة لذي فقر مدقع أو لذي غرم مفظع أو لذي دم موجع».. فلا بطالة حين القدرة البدنية والعقلية.

وبيّن مستشار الأوقاف للوعظ والإرشاد أن بيع الخمور والاتجار بالمخدرات والمؤثرات العقلية وما كان خروجا عن الأخلاق والقيم من صور العمل الحرام وعزا سبب ذلك إلى عدم الخوف والحياء من الله والحرص على المكسب السريع والطمع وعدم القناعة.
وحث الخروصي على امتهان الحرف والمهن كالزراعة والصناعة والرعي والصيد وغيرها كونها مهنًا شريفة لها عائد مادي كبير وهي أساس في المجتمع ولا يستقيم مجتمع، وأشار إلى أن المجتمع يسعه التكافل بين المهن والحرف والتخصصات وعلى ذلك تقوم الحضارة.
وذكر الخروصي أن الإخلاص روح العبادة والإتقان أس العمل ولا يستقيم عمل دون إخلاص وإتقان، وحذر من الغش فمضاره في العمل خطيرة على الفرد والمجتمع وتؤدي في أحيان كثيرة إلى هلاك الناس.. وإلى ما جاء في ثنايا اللقاء.
❁ ما مفهوم العمل في الإسلام؟
هو بذل الجهد البدني والعقلي من أجل الرزق والعيش وفق الأصول الشرعية الإسلامية.
لقد ذكر العمل في القرآن الكريم في مواضع عدة ففي مجاله التعبدي يقول الحق سبحانه وتعالى: «الذين آمنوا وعملوا الصالحات» وفي مجاله الاقتصادي يقول الله تعالى: «وامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه» ولذا نجد التعبير عن العمل في القرآن الكريم تارة بلفظ المشي وتارة السعي وتارة الابتغاء وتارة الانتشار والأصل أن يشبع الإنسان حاجاته المعيشية من ثمار سعيه وعمله وهنا يتجلى واضحًا أن أساس ضمان العيش والحياة للإنسان هو العمل وبدونه لا يضمن عيشا ولا تستقيم حياة ولذلك أخبر الحق سبحانه أن الله سخر ومهد وخلق الأرض لسعي الإنسان وإعمارها قال تعالى: «الذي جعل لكم الأرض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لأولي النهى» وقال تعالى: «ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش» ورسم له لأجل ذلك معالم الطريق المستقيم والمنهج القويم في كتبه المقدسة وعلى لسان أنبيائه ورسله فوضع القواعد والأحكام للعلاقات البشرية في مختلف مناحي الحياة ذات الصلة بهذا السعي والعمل من أجل سلامة واستقامة واستمرارية السعي والعمل لتحقيق عيش وسعادة ولضمان سعادة الإنسان على أفضل وجه.
❁ ما أهمية العمل في حياة الفرد والمجتمع؟
يقول الشاعر العربي:
الناس للناسِ من بدو وحاضرة بعض لبعضٍ وإن لم يشعروا خدمُ
وهذا يدلل على أن الإنسان اجتماعي بطبعه فلا يعيش بمعزل عن غيره في أصل فطرته ولا يستطيع أن يتولى أعباءه دون مساعدة أخيه الإنسان إذ يتعذر امتهانه كل المهن واحترافه كل الحرف فكل كائن بشري في مهنته وحرفته يخدم أخاه في الإنسانية فجعل السعي مبدأ الحياة والتكافل منهجها والتعاون غايتها وربط ذلك كله أن جعل العمل الصالح ما كان في سبيل الله تعالى والفاسد ما كان لغير ذلك ولقد جاء في الحديث الشريف: (إن كان خرج ليسعى على ولده صغارا فهو في سبيل الله وإن كان خرج يسعى على نفسه يعطيها – أو يعفها – فهو في سبيل الله) قال ذلك في رجل قوي رآه فقال صحابته -رضوان الله عليهم: «لو كان هذا في سبيل الله» ولذلك أنكر الإسلام على المسلم أن يقعد ويتكل على غيره ولو كان قعوده للعبادة والذكر ولقد أنكر عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- عن جمع من الناس وجدهم في المسجد في كل الأوقات فقال لهم: من أنتم قالوا: نحن المتوكلون على الله فقال لهم: بل أنتم المتواكلون على الله» وليتخيل أحدنا أن يقبع في بيته دون عمل ويسير على نهجه كل الناس فمن الذي يطعمهم ويسقيهم ويقوم على خدمتهم والقرآن الكريم والسنة المطهرة تحثان على العمل والسعي قال تعالى: «وابتغ فيما أتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا» وقال صلى الله عليه وسلم: (أعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا وأعمل لآخرتك كأنك تموت غدا) فالمواءمة بين المادة والروح من سمات هذا الدين الحنيف والعمل هو العنوان البارز.
❁ كيف ينظر الإسلام إلى العمل في جانبيه الحلال والحرام؟
ما وافق الشرع من الأعمال فهو حلال وما خالف الشرع الشريف فهو حرام ولقد حرم الإسلام السؤال حين القدرة البدنية والعقلية فجاء في الحديث الشريف: (لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره فيبيعه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه) وجاء (أفضل الكسب عمل الرجل بيده) وقال صلى الله عليه وسلم في وصف يد ورمت من العمل (هذه يد يحبها الله ورسوله) فلا بطالة حين القدرة البدنية ولذلك يقول صلى الله عليه وسلم: (إن المسألة لا تصلح إلا لثلاثة لذي فقر مدقع أو لذي غرم مفظع أو لذي دم موجع)، ومن صور العمل الحرام بيع الخمور والاتجار بالمخدرات والمؤثرات العقلية والإسلام لا ضرر فيه ولا ضرار ومن صور العمل الحرام أيضا، ما كان خروجا عن الأخلاق والقيم التي نادى بها الإسلام ومرد العمل الحرام عدم الخوف والحياء من الله تعالى والحرص على المكسب السريع وكثرة الطمع وعدم القناعة كما يعود هذا التوجه الخاطئ إلى الجهل بخطورة العمل الحرام والجهل سبب دمار الأمم والحضارات ولذلك حذر النبي صلى الله عليه وسلم- من كل كسب حرام فقال: (إن الرجل ليطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام ، فأنى يستجاب له).
❁ لا شك أن قضية العمل تؤرق المجتمعات .. كيف عالج الإسلام مثل هذه القضية؟
لقد عالج الإسلام مشكلة العمل بالحث على الكسب من أي عمل شريف حتى لو كان عن طريق الاحتطاب كما أشرت في الحديث السابق والعمل الشريف هو كل عمل لم يخالف شرع الله تعالى فالمهن والحرف كالزراعة والصناعة والرعي والصيد وغيرها مهن شريفة لها عائد مادي كبير لمن أحسن استغلالها، كما أن لها أثرًا اقتصاديًا كبيرًا على المجتمع والإنسانية فهي مهن أساس في المجتمع ولا يستقيم مجتمع لا توجد فيه هذه الحرف فلا يحقرن أحد أيا منها وليسهم الجميع في تعزيز وجودها والدفع بالشباب لامتهانها، كما أن العصر الحديث أفرز مخرجات في العلوم التطبيقية والنظرية بمختلف التخصصات الهندسية والطبية وغيرها فمن كان حظه من التعليم في أي منها فليسهم في رفعة مجتمعه وإنسانيته قدر استطاعته وفق تخصصه وأن المجتمع يسعه التكافل بين المهن والحرف والتخصصات وعلى ذلك تقوم الحضارة والثورة الصناعية والتي قامت في المجتمع الغربي على أعتاب القرن العشرين إنما قامت بالتكافل بين تلك المهن والحرف والتطور العلمي والسعي إلى غدٍ مشرق فقفزت أمم واعتلت أخرى الحضارة الإنسانية ولعلنا نذكر دولًا بعينها اتخذت من الصناعات البسيطة والمهن المنزلية سواقي إلى بحر الحضارة العظيمة فكانت في مصاف الدول الصناعية العشرين.
إننا بحاجة إلى قراءة التاريخ الحضاري الإنساني والاستفادة من حكمة القرآن والسنة وتجارب الأمم للرقي بحضارتنا الإسلامية التي ازدهرت ونمت في أحضان الإسلام وتعاليمه وتعثرت بجهل أهله وكسلهم.
❁ الإتقان في العمل والإخلاص فيه.. من أهم الأمور لزيادة العطاء وإجادة العمل أين وضع الإسلام مبدأي (الإتقان والإخلاص)؟
الإخلاص روح العبادة والإتقان أس العمل ولا يستقيم عمل دون إخلاص وإتقان يقول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: (إذا عمل أحدكم عملا فليتقنه) والإتقان يعني دقة الأداء والتفاني في إبرازه بالصورة المشرفة وجودة السبك في أي ميدان كان ونقيضه الغش في العمل إذ الأخير يعتبر دمارًا للاقتصاد وسببًا من أسباب تقهقر الحضارات ولذلك يقول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: (من غشنا فليس منا) ومعنى ليس منا أي ليس من أمة النبي صلى الله عليه وسلم- هذه الأمة شامخة الحضارة بمبادئها وقيمها وتعاليمها.
إن مضار الغش في العمل وخيمة خطيرة على الفرد والمجتمع بل إنها تؤدي في أحيان كثيرة إلى هلاك الناس فالغش في البناء يؤدي إلى انهياره والغش في مشروعات المرافق العامة يؤدي إلى أضرار كارثية على مستوى الأفراد والجماعات فليتقِ الله كل من استرعي مشروعًا خاصًا أو عامًا وليراقب الله تعالى أولًا وآخر وليعلم كل مسلم أن الإخلاص جزاؤه الجنة والغش عاقبته النار والعياذ بالله.