الصين بعد كورونا .. إلى أين؟

إميل أمين –

على مدى نحو خمسة آلاف عام كانت الصين رقمًا مهمًا في العلاقات الأممية من القديم إلى الحديث ومن زمن كونفوشيوس إلى جين بينج رئيس الصين الحالي، الذي يقترب يوما تلو الآخر من الهالة الأسطورية لباني نهضة الصين في القرن العشرين ماوتسي تونج.
على أن الانطلاقة التي عرفتها الصين في العقود الثلاثة الماضية ، عززت من موقع وموضع الصين حول الكرة الأرضية ، فقد أدركت نهضة صناعية صاحبتها وفرة في المداخيل المالية وفوائض هائلة مكنتها من الخروج من الإطار الجغرافي التقليدي للصين، إلى رحابة العالم الواسع.
من كونفوشيوس وحتى الساعة تبقى الذهنية الصينية ثابتة في غير تحجر، أي أن لها مرتكزات لا تتغير، من أهمها العمل بهدوء وبتؤدة لتغيير العالم من حال إلى حال، من غير لافتات فاقعة أو أصوات زاعقة، فلم نر على سبيل المثال دعوة صينية لصبغ القرن الحادي والعشرين بصبغة صينية كما فعل المحافظون الجدد في الداخل الأمريكي مع نهاية تسعينيات القرن الماضي حين طرح فكرة «وثيقة القرن».
مضت نجاحات الصين بشكل سريع ربما أزعج القوى القطبية التقليدية الأخرى لا سيما الولايات المتحدة الأمريكية، فيما روسيا الجار الأقرب ربما تعاطى مع الصين من منطلق «لا تحارب الحقائق بل تعامل معها».
أدرك العالم مؤخرًا أن الصين آتية لا ريب في ذلك إلى المقدمة ، وبدا أن مشروعاتها العملاقة لا سيما خطتها لإحياء طريق الحرير، بداية مؤكدة لمساق ومسار العالمية المدعومة بتوازن الردع النقدي في الحال، وكذا النووي في الاستقبال لا سيما وأن التقدم الاقتصادي الصيني والمصالح الاستراتيجية المالية لبكين حول العالم، تستدعي وجود قوة عسكرية كبرى تحميها، وهذه قصة الإمبراطورية، من زمن الرومان إلى أحفاد العم سام.
على أنه حين ظهر كورونا ارتسمت علامات استفهام عديدة حول مستقبل الصين، وتجعل الأسئلة تتداعى من كل صوب وحدب، عن مستقبل الصين، وسط الكثير جدا من فوضى المعلومات، وسرعة الاتهامات، وصراع القطبيات، والمحاولات الحثيثة لاستغلال الظرف الآني لدفع الصين بعيدا جدا عن حلمها الذي لم تعلن عنه بشكل رسمي أبدا.
هل الصين مذنبة وأخفت عن العالم حقيقة كورونا، وتأخرت طويلا في مواجهتها الأمر الذي مكّن الفيروس القاتل من الانتشار خارجها وتسبب في هلاك قرابة ربع مليون نسمة حتى الساعة، أم أنها ضحية لحملة إعلامية تقتنص الفرصة اقتناصا لتحطيم أجنحتها الإمبراطورية القادمة؟
الجواب في هذه المرحلة الزمنية من الصعوبة بمكان، فالرؤوس الساخنة لا يمكنها التفكير بحال من الأحوال، عطفا على أنه لا يوجد تحقيق أممي سواء من خلال منظمة الصحة العالمية، أو الأمم المتحدة يقطع بأن الصين ارتكبت عن عمد كارثة إنسانية، بغرض حماية أوضاعها الدولية، وترتيب أوراقها الدوائية، كما أشار تقرير للاستخبارات المركزية الأمريكية في الأيام القليلة الماضية.
هل هي حالة تنمر تجاه الصين إن جاز التعبير؟ أفضل جواب عن علامة الاستفهام المتقدمة نجده في القراءة المطولة الواردة في أحد أعداد مجلة «الفورين آفيرز» الأمريكية، الصادرة عن مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، الجهة الأنفع والأرفع للدبلوماسية الأمريكية ولساكن البيت الأبيض وهو يعد أوراقه لملاقاة قادم أيام الإمبراطورية الأمريكية.
حملت القراءة عنوانًا إشكاليًا مثيرًا للجدل: «تنين من ورق.. هل سقوط الصين محتوم في المستقبل المنظور»؟
العنوان يكاد يدخلنا في معضلة ما يسمى بالـSelf Prophecy أي التنبؤات التي تسعى إلى تحقيق ذاتها بذاتها، وبمعنى آخر محاولة تصدير رؤية ولو غير حقيقية عن الصين، تدخل في سياق الحرب النفسية.
الصينيون في واقع الحال لن يهتموا كثيرًا لما يقوله أو يكتبه الأمريكيون أو حتى الأوروبيون، ويكفي أن نتذكر ما كان يصرح به دوما رئيس وزراء الصين العتيد «شوان لاي»، من أنه «لا يهم ما الذي يفكر به الآخرون فينا، المهم هو ما نحن عليه».
لكن على الرغم من ذلك تبقى سطور الفورين بوليسي مثيرة على المستوى النظري على الأقل وأولها مسألة الديمقراطية وتداول السلطة، والحريات الحزبية والشخصية، ففي عام 2018 قرر رئيس الصين «جين بينغ» التخلص من فترة الرئاسة المحدودة، مضمرا نيته البقاء في سدة الحكم إلى أجل غير مسمى، وشن حملات تطهير مكثفة كفلت له التخلص من شخصيات بارزة داخل الحزب تحت عباءة مكافحة الفساد السياسي.
هذا المشهد في واقع الأمر لم يكن ليغيب عن أعين العالم، وقد تساءل الكثيرون هل يستقيم هذا النهج السياسي في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين؟
جاءت أزمة كورونا لتطرح علامة استفهام ليست أقل إزعاجا للعالم برمته عن الشفافية الإعلامية ومسار الحريات الفكرية في الصين، فقد لقي أول طبيب أخبر عن كورونا حتفه بعد أن تعرض لعسف وخسف حكوميين، وعوضا عن المكاشفة والمصارحة ليعرف الصينيون والعالم حقيقة الكارثة ، تأخر الصينيون في إعلام العالم.
هنا كان من الواضح أن كثيرا من الأمم تعيد حساباتها تجاه الصين، ويمكن للكثير من رؤوس الأموال الغربية والشرقية معًا، أن تغادر إلى غير رجعة، مع الإبقاء على السؤال اللغز: لماذا ظهر الفيروس في ووهان عاصمة الصين الصناعية تقريبا، وكيف اختفى الفيروس من الصين بأقل خسائر، فيما تسبب في كوارث بشرية واقتصادية في أوروبا وأمريكا؟
من الواضح أن الصينيين أنفسهم هم من بدؤوا يشعرون بالقلق مؤخرا، فقد حذر تقرير استخباراتي قدم إلى المسؤولين الكبار في الحزب الشيوعي الصيني الحاكم من الصورة القاتمة لوضع الصين على الصعيد العالمي، التقرير الذي ذكرته وكالة الأنباء العالمية رويترز، وإن لم تطلع على نصه، يشير إلى أن بكين قد تواجه وضعا عدائيا على الصعيد العالمي، شبيهًا إلى حد ما بما حدث خلال تظاهرات ميدان تيانمين عام 1989.
جاء التقرير من داخل الصين، ونظر له خبراء صينيون على كافة المستويات ومن قلب المعاهد الصينية للعلاقات الدولية المعاصرة، المؤسسة الفكرية التابعة لوزارة أمن الدولة، أكبر جهاز مخابرات في الصين، الاستنتاج المخيف للصين والصينيين موصول بفكرة المواجهة الحتمية التي يمكن أن تحدث مع واشنطن.
يوما تلو الآخر يتعمق الشرخ الصيني مع الولايات المتحدة الأمريكية، والمتابع لتطورات المشهد في واشنطن جهة بكين يوقن بأن العاصفة الرعدية على الأبواب ، فترامب وبقية الأمريكيين عما قريب سوف يطالبون بتريليونات الدولارات تعويضا من الصين عن النفوس التي قضت والخسائر الاقتصادية التي ألمت بالأمريكيين وهو ما ترفضه الصين شكلًا وموضوعًا.
الخلاصة.. مجرد الاضطراب السياسي والاقتصادي الحادث حول بكين سوف يخصم كثيرا من قطبيتها المأمولة.