الطلقات التحذيرية… هل توقف إسرائيل؟

د. عبد الحميد الموافي –

حذر العاهل الاردني الملك عبدالله الثاني بشكل مباشر قبل أيام من أن الخطوات الاسرائيلية ستؤدي الى صراع كبير مع الأردن والى تشجيع التطرف، وهو تحذير حرصت الخارجية الامريكية على الرد عليه والاحالة الى خطة ترامب والدعوة لمفاوضات بين جميع الاطراف.
مرة أخرى، وبالتأكيد لن تكون الأخيرة، طالما ظل الموقفان الفلسطيني والعربي على ما هما عليه الآن، تستعد حكومة نتانياهو/‏‏ جانتس الإسرائيلية لاتخاذ خطوات وإجراءات عملية للبدء في ضم مناطق غور الأردن وشمال البحر الميت والمستوطنات الاسرائيلية في الضفة الغربية اليها ووضعها تحت السيادة الاسرائيلية، ليس فقط في تحد سافر للفلسطينيين والعرب، ولكل الأطراف الاقليمية والدولية المعنية بالحقوق الفلسطينية وجهود السلام والاستقرار في الشرق الأوسط، ولكن أيضا «لكتابة فصل جديد في تاريخ الصهيونية» على حد إعلان نتانياهو نفسه أمام الكنيست الاسرائيلي أمس الأول الأحد خلال جلسة التصويت بالثقة على الحكومة الجديدة.
صحيح ان اسرائيل معروفة بأنها دولة خارجة على القانون والشرعية الدولية، وينبغي محاسبتها على ذلك، ولكن المشكلة الآن تتمثل في أن أقدامها على ضم نحو ثلث أراضي الضفة الغربية من شأنه الاجهاز العملي على حل الدولتين من ناحية، وفتح المجال أمام مرحلة من عدم استقرار وتهديد الامن في الاراضي الفلسطينية وفي الشرق الأوسط والعالم، ومحاولة انهاء المشكلة الفلسطينية كمشكلة استعمار استيطاني وتحرر وطني، عبر فرض الأمر الواقع وتجاهل القانون والشرعية الدولية، بكل صلف واستهتار وتحد من ناحية ثانية.
إن حكومة الوحدة الوطنية في إسرائيل، التي قامت بتوافق بين نتانياهو المتشبث بالبقاء في السلطة بأي ثمن، وبين بيني جانتس رئيس الاركان الاسرائيلي السابق زعيم حزب «ازرق ابيض» والذي قاد تكتلا مؤيدا له في الانتخابات الاخيرة لمنافسة نتانياهو، ثم تخلى عن وعوده بعد الفوز في الانتخابات، وقدم طوق النجاة السياسية لغريمه، اعلنت بأنها ستبدأ في اتخاذ اجراءات ضم الاراضي في الضفة الغربية المحتلة اعتبارا من الاول من يوليو القادم. ويمكن القول بأن نتانياهو سيسرع خطوات ضم أراضي المستوطنات الاسرائيلية الكبيرة في الضفة الغربية المحتلة كسبيل فاعل ولا غنى عنه في الظروف الراهنة لدعم الوضع السياسي الداخلي له داخل الليكود وعلى المستوى الاسرائيلي العام، وبالطبع دفع عملية ملاحقته القانونية الى الخلف كنتيجة لتوسيع حدود اسرائيل على حساب الضفة الغربية المحتلة، وذلك في النهاية هو بمثابة سلاح ذي حدين، ولن يتمكن نتانياهو من تجاوز سلبياته بسهولة. وبالنظر الى انه بدأت تظهر عدة مواقف تدين وترفض النوايا والخطوات الاسرائيلية القادمة، وهى ردود فعل أولية ولا تزال في طور ما يمكن تسميته بالطلقات التحذيرية، المنبهة لمناطق الخطر والمحذرة من الاقتراب منها أيضا، فإنه يمكن الاشارة باختصار شديد الى عدد من الجوانب، لعل من أهمها ما يلي:
أولا: انه من الواضح أن حكومة الطوارئ الوطنية في إسرائيل بين نتانياهو وجانتس وان كانت حصلت على ثقة الكنيست يوم الأحد بتأييد 73 نائبا ومعارضة 46 من اجمالي أعضاء الكنيست الـ 120، تحيط بها غلالة كثيفة من المناورات والحسابات المتقاطعة لتطلعات نتانياهو من جانب وجانتس من جانب آخر، ففي حين عمل نتانياهو على استدراج جانتس للمشاركة معه في حكومة طوارئ وطنية، وهو ما كان جانتس قد أكد رفضه له خلال الاستعداد للانتخابات الاسرائيلية الاخيرة، فإن إعلان جانتس عن موافقته على ضم غور الاردن وشمال البحر الميت والمستوطنات في الضفة الغربية لم يكن بغرض كسب تأييد شريحة من الاسرائيليين في الانتخابات فقط، ولكنه كان محاولة لمجاراة نتانياهو في دغدغته لتيار اليمين الاسرائيلي المتشدد، والآن فإن عملية ضم الاراضي تحظى بموافقة نتانياهو وجانتس معا مما يعطيها قوة اندفاع كبيرة ولن يحد من ذلك ان جانتس يريد ان تتم العملية بخطوات متدرجة وأقل سرعة مما يريده نتانياهو.
وخلال رئاسة نتانياهو للفترة الاولى لحكومة الوحدة الوطنية في إسرائيل والتي تمتد لسنة ونصف السنة، فان رئيس الوزراء الاسرائيلي سيسعى جاهدا للقيام بضم الاراضي المعلن عنها في الضفة الغربية أو معظمها على الاقل، وبتأييد من الكنيست بالطبع، من أجل دعم شعبيته في إسرائيل، ثم يبدأ بعدها أو مع اقتراب نهايتها، في اختلاق المشكلات مع جانتس لافشال حكومة الطوارئ الوطنية ومن ثم الدعوة لانتخابات إسرائيلية جديدة، مستغلا ايجابيات ضمه للاراضي الفلسطينية من ناحية، وخسارة جانتس لمصداقيته السياسية على المستوى الاسرائيلي ولدى الاحزاب الاسرائيلية التي تحالف معها في الانتخابات الاخيرة ومنها القائمة العربية بالذات من ناحية ثانية، هو ما يمكن أن يرجح كفة نتانياهو في الانتخابات القادمة بعد نحو عامين تقريبا.
ثانيا: ان ما يعبر عن استعجال نتانياهو للسير نحو البدء في ضم أراضي الضفة الغربية، التي تم الاعلان عنها، ان وزير الخارجية الامريكية بومبيو قام بزيارة إسرائيل قبل عدة أيام، وبحث مع نتانياهو، ومع جانتس مسألة ضم الاراضي الفلسطينية، وفق ما جاء في صفقة القرن التي أعلن عنها ترامب رسميا في 28 يناير الماضي، والتي تعطي لاسرائيل فرصة ضم الاراضي في الضفة الغربية بتأييد من الادارة الامريكية، وهو ما تم التأكيد عليه خلال الزيارة.
ومن الواضح أن الرئيس الامريكي الذي تهتز شعبيته في انتخابات الرئاسة في نوفمبر القادم، بات متعجلا هو الآخر للحصول على مساندة إسرائيل والهيئات المرتبطة بها في الولايات المتحدة لدعمه في الانتخابات القادمة والفوز بفترة رئاسة ثانية لا يزال يحلم بها. وهنا تحديدا تكون الاراضي الفلسطينية في الضفة الغربية والتي تشمل غور الاردن وشمال البحر الميت والمستوطنات، هي قربان فوز نتانياهو وترامب في الانتخابات القادمة، ولكن هل هذا القربان سيكون مجانيا أو بلا ثمن، وهل يأتي فقط على حساب الفلسطينيين وأراضيهم في الضفة الغربية ومستقبل قضيتهم التي يتم العمل المنسق بين واشنطن وتل أبيب لتضييعها والقضاء عليها كقضية تحرر وطني؟
المؤكد أن هذا القربان لن يكون بلا ثمن، وأن الاقدام على ضم الاراضي في الضفة الغربية «لن يقرب من السلام» كما زعم نتانياهو في الكنيست، ولكن ستترتب عليه نتائج سلبية على مختلف المستويات، فلسطينيا وعربيا واقليميا ودوليا كذلك، وقد بدأت مقدمات ذلك بالفعل، وهنا يظل السؤال هو هل تتحول طلقات التحذير الى اجراءات عملية ضاغطة ومؤثرة على حكومة نتانياهو؟ والى أي مدى ؟
ثالثا: أنه اذا كانت إسرائيل وأمريكا بالطبع قد اعتادتا عدم الاهتمام كثيرا بالقرارات والشرعية الدولية، خاصة فيما يتصل بالقضية الفلسطينية وحلها سلميا عبر حل الدولتين، وهو ما يعرضهما لانتقاد العديد من دول العالم، فإن ضم أراضي الضفة الغربية من جانب نتانياهو وحكومة الطوارئ الوطنية في اسرائيل يعني الوصول بالخطر الى غايته، لأنه يؤثر على جوهر القضية الفلسطينية، وعلى تماسك أراضي الضفة الغربية وتكامل أراضي الدولة الفلسطينية المنتظرة في إطار حل الدولتين، فبعد هذه الخطوات، لو تمت، فإنه لن يكون هناك مساحة اراضي متصلة في الضفة الغربية، التي ستكون مطوقة أرضيا باسرائيل، وبالتالي يكون تم انهاء فرصة حل الدولتين، كما ان مستقبل السلطة الفلسطينية سيكون محل تساؤل، خاصة في ظل القرارات الفلسطينية في هذا الشأن والخلافات بين فتح وبين حماس والجهاد الاسلامي. وعلى ذلك فان القضية الفلسطينية تواجه مفترق طرق حاسم و بالغ الاهمية سواء بالنسبة لامكانية التسوية في إطار حل الدولتين، أو الاجهاز عليه تماما، وكذلك بالنسبة للمواقف الفلسطينية والعربية والدولية من هذه الخطوات الاسرائيلية الخطيرة والتي ستكون بمثابة اختبار قاس لكل الاطراف.
وبينما حذر العاهل الاردني الملك عبدالله الثاني بشكل مباشر قبل أيام من أن الخطوات الاسرائيلية ستؤدي الى صراع كبير مع الاردن والى تشجيع التطرف، وهو تحذير حرصت الخارجية الامريكية على الرد عليه والاحالة الى خطة ترامب والدعوة لمفاوضات بين جميع الاطراف، فان نتانياهو في خطابه في الكنيست تحدث عن ضم المستوطنات ولم يشر الى غور الأردن وشمال البحر الميت، والمرجح ان هذه رسالة الى الأردن بعد حديث الملك عبدالله الثاني. وبينما حذرت بريطانيا والأمين العام للأمم المتحدة من هذه الخطوة وأعربا عن معارضتهما لها، فان الاتحاد الاوروبي لايزال منقسما حول ما يمكن اتخاذه ضد إسرائيل من عقوبات حيث ترفض عدة دول فيه ذلك. ومعروف أن وزن الاتحاد الاوروبي كقوة سياسية يظل محدود التأثير على اسرائيل، وهو ما تدركه كل الاطراف.
على أية حال فان الموقف ورد الفعل الفلسطيني الرسمي والشعبي بالاساس سيكون بالغ الاهمية، خاصة اذا بلغ الرفض حد اندلاع انتفاضة فلسطينية ثالثة وهو ما لا يمكن استبعاده بشكل تام. واذا كانت اسرائيل تستند الى الموقف الامريكي الذي تمثله إدارة ترامب، فإن هذا الموقف لا يمكن ان يضفي وحده شرعية على انتهاكات فاضحة للقانون والشرعية وللقرارات الدولية. صحيح أن أمريكا هي القوة العظمى في العالم الآن ولكن مواقفها وقراراتها بالنسبة للقضية الفلسطينية تظل أحادية، ما لم تكن في إطار الأمم المتحدة واللجنة الرباعية الدولية، وهذا ما ينبغي المراهنة عليه والعمل على استغلاله وتوظيف الموقف الأوروبي ومواقف القوى الدولية الأخرى المتعاطفة مع القضية الفلسطينية لاستثماره، على الاقل حتى تتعافى المواقف الفلسطينية والعربية والدولية لوقف وإنهاء الهجمة الإسرائيلية الشرسة.