العمل الجماعي بات حتميا لكي يتعافى العالم

د. عبدالعاطي محمد –

لقد تصورت القوى الكبرى أن تقدمها العلمي والتقني كفيل دائما بأن يحميها من المخاطر غير المحسوبة، ولذلك كانت لا تهتم بالعمل الجماعي، وأما اليوم بعد أن اتضح أنها غير محصنة، ليس أمامها إلا التفكير والعمل الجماعي في كل ما يمس الوجود القومي للبشر هنا أو هناك. إنها مهمة ليست يسيرة ولكنها أضحت حتمية.
لم تعد الحاجة إلى العمل الجماعي الدولي مجرد نداء أو تعبير عن الأمنيات في نطاق الخلاص من وباء الكورونا الفتاك، وإنما أضحت من متطلبات الضرورة القصوى التي أفرزتها تجربة المواجهة المستمرة منذ أكثر من 4 أشهر. فالجهود الذاتية لعبت دورا مهما في تقليل الخسائر ولكنها لم تعد كافية وحدها، حيث الخطر كبير وأقوى من هذه الجهود. وما يعزز ذلك ما أكدته تقارير منظمة الصحة العالمية بأن المرض سيستمر لفترة من الزمن وعلى الجميع التعايش معه، وكذلك هناك موجات ثانية وثالثة من المتوقع أن تظهر.
لقد كانت صدمة الوباء من القوة بحيث لم تترك مجالا لكل دولة ومجتمع لكي يفكر في اللجوء إلى استراتيجية جماعية تمكنه من الصمود والشفاء على وجه السرعة، ولذلك ركز الجميع على حفز قدراته الذاتية للاحتواء ثم السيطرة وصولا إلى التعافي. ومما دفع أيضا في اتجاه العمل الذاتي غموض المرض وكونه مستجدا تماما وتبعا لهذا لم يكن هناك علاج أو دواء جاهز أو يمكن التوصل إليه على وجه السرعة، فضلا عن عدم وجود اللقاح. وفي مواجهة وضع كهذا تم التركيز على فكرة التباعد الاجتماعي ونظافة اليدين وارتداء الكمامات. ولم يكن هذا هو الطريق المضمون للخلاص من المرض، وإنما الحد من خسائره انتظارا للتوصل إلى العلاج واللقاح. وبمرور الوقت ومع تصاعد أعداد الإصابات والمتوفين وانتشار المرض كالنار في الهشيم، تصاعدت المطالبات بالمزيد من صور التضامن الدولي بمعنى توفير المساعدات الطبية، وفي مرحلة تالية توفير المساعدات المالية لدعم الأجهزة الصحية. وحرص أنطونيو جوتيريش أمين عام الأمم المتحدة على حفز دول العالم إلى التضامن مع بعضها البعض وتنسيق السياسات الضرورية لوقف انتشار المرض. وذهب تيدورس أوهانوم مدير منظمة الصحة العالمية إلى نفس التوجه. ولكن انشغال الجميع بكيفية الخروج بأقل الخسائر كل في نطاقه، وكذلك شدة المرض وقوة الصدمة التي شلت القدرات في البلدان بدرجات مختلفة، لم يجعل لمثل هذه الدعوات للعمل الجماعي صدى يذكر.
استراتيجية الاحتواء لم تنجح بالقدر الذي قدرته الدول في بداية الجائحة، ولم تتمكن من السيطرة، حتى أصبح الانتشار المجتمعي هو السمة الغالبة في رصد حالات الإصابة، وليس فقط المخالطة كمؤشر يمكن الاعتماد عليه للرصد والعزل. هنا طرحت منظمة الصحة العالمية تصورا جديدا لمسار المرض مؤداه أنه مستمر مع البشرية لوقت أطول ولذلك لابد من التعايش معه. بمعنى إدراك أنه موجود وفي نفس الوقت تتواصل صور الحياة مع توقع التكلفة البشرية والمادية الباهظة.
وفي هذا الإطار تصاعدت المطالبة بإنهاء الإغلاق وفتح الاقتصاد ضمن ضوابط معينة، حيث اتضح أن توقف صور الحياة وخصوصا على الجانب الاقتصادي من شأنه أن يكون حكما بالموت جوعا بدلا من الموت بالكورونا. ولاشك أن التشخيص الجديد للحالة التي تمر بها البشرية في ظل استمرارية الوباء، ينقل استراتيجية المواجهة من العمل الذاتي إلى العمل الجماعي. ولا يعني ذلك أن العمل الذاتي يتوقف بل الصحيح أنه يستمر وبكفاءة أكبر استنادا إلى الدروس المستفادة على الصعيدين الصحي والاقتصادي، وإنما القصد هو أن العمل الذاتي لا يكفي وحده طالما أن المرض مستمر والعلاج لم يتوفر بعد، والواجب حقا هو أن يتم تفعيل صيغ مختلفة للعمل الجماعي الدولي للتغلب على آثار المرض الفتاك سواء فيما يتعلق بالصحة أو بالاقتصاد.
فمنطق التعايش يفرض حتما اللجوء إلى العمل الجماعي، لأنه يعني أمورا تترتب عليه أو هي من مقتضياته. هناك تجارة عالمية تستأنف لا غنى عنها، وحركة ضخمة لوسائل النقل الجوي والبري والبحري، وهناك وظائف تعمل ومصانع تنتج وخدمات يجري توفيرها. كلها تندرج تحت بند التعايش. وقد يرى البعض أن التعايش المقصود ينصرف أساسا إلى الوضع الداخلي وليس إلى الحركة المتبادلة مع الخارج. وهذا صحيح جزئيا من زاوية استعادة عجلة الحياة داخل كل دولة، ولكن ليس هناك من يعيش وحده في هذا العالم، بل العكس هو الصحيح حيث الانفتاح الواسع النطاق لتلبية المتطلبات الوطنية على كل الأصعدة. وعالمنا منذ عقود طويلة أصبح قرية صغيرة.
هذه المعادلة الصعبة التي فرضها تطور المواجهة مع جائحة الكورونا، عبر عنها باختصار مفيد مدير منظمة الصحة العالمية بقوله: «جائحة كورونا ستنتهي لكن العمل لن يعود كما كان سابقا أبدا.. لا يمكننا نستمر بتغذية الخوف لكن يجب أن نكون مستعدين.. في الوقت الذي نعمل فيه على مواجهة الجائحة، علينا أن نعمل بشكل أكثر جدية على التحضير للجائحة التالية.. لدينا فرصة اليوم لوضع الأساسات لنظام صحي قوي حول العالم». وأكد المسؤول الدولي على أهمية الاستثمار مستقبلا في الصحة لأن ذلك ينقذ أجيالا غدا على حد تعبيره.
إلى ما قبل ظهور الجائحة كثيرا ما كانت الدعوة للعمل الجماعي على لسان كل مسؤول بغض النظر عن النظام السياسي الذي ينتمى إليه، وعمت بيانات الأمم المتحدة ومنظماتها المختلفة، والملفت أنها كانت تركز على الاهتمام بالإنسان، فما من دولة أو مؤتمرات دولية معنية بأزمة ما، إلا وكان الحديث عن أمن وسلامة وصحة الإنسان في مقدمة الخطاب السياسي لأي منهم. ومن تابع حركة العالم طوال العقود الماضية يلمس جيدا مثل هذه المقولات. إلا أنه من حيث الواقع ضاعت كل هذه الدعوات أدراج الرياح وظلت خطابات بلا معنى. فمن المؤكد أن مفهوم العمل الجماعي الذي قامت على أساسه الأمم المتحدة ظل حبرا على ورق بسبب صراعات القوى الكبرى والأزمات الدولية والإقليمية المختلفة.
قبل الكورونا لم تشعر هذه القوى الكبرى أنها تتعرض لما يمكن تسميته بالمخاطر القومية أي التهديدات المباشرة التي يمكن أن تؤدي إلى فناء هذه القوى. وكانت تعتبر ذلك من شؤون الدول الأخرى هي محصنة وغيرها غير محصن، ولذلك لم تكن مجبرة على قبول صيغ العمل الجماعي. والآن فإن الوباء ضرب هذه القوى الكبرى ذاتها بكل ما تتسم به من عناصر القوة، كما أصبح الوباء خطرا على الجميع يصعب إنقاذ أحد دون إنقاذ الآخر. ومواجهة هذه الوضعية العالمية لا يمكن الانتصار فيها للكل إلا بالعمل الجماعي.
وإلى أن تهدأ العاصفة المدمرة، ليس هناك ما يشير إلى أن العمل الجماعي أصبح طريق الإنقاذ، حيث لا تزال أيادي القوى الكبرى مشلولة لانشغالها بإنقاذ نفسها أولا من الكارثة، ولكن ما لا تستطيع الفكاك منه هو أن التعايش مع الوباء يحتم عليها العمل الجماعي مع بعضها البعض ومع بقية العالم للخروج بأقل الخسائر حاليا والعودة مجددا للحياة الطبيعية. هذا هو ما يفرضه منطق التعايش لا العزلة.
ومع ذلك هناك ما يؤشر على أن العمل الجماعي اتخذ طريقه ولو تدريجيا، فهناك مبادرات لعدد من الدول الغنية في العالم لدعم جهود التوصل إلى دواء ولقاح، هناك توجه بأن التوصل لهذا، لذاك لابد أن يكون متاحا بسهولة لأي دولة أي يصبح ملكية جماعية على حد وصف الرئيس الفرنسى ماكرون. ولا يبدو الرئيس الأمريكى ترامب معترضا على من الذي ستكون له الأسبقية في التوصل إلى لقاح، بما يعني أنه ليس متشبثا بالمواقف القديمة التي تشير إلى أن واشنطن هي الطرف المتحكم دائما في إنتاج العقاقير الأساسية للبشرية جمعاء. وعلى الجانب الآخر وبرغم التوتر القائم بين الصين والولايات المتحدة على خلفية الاتهامات المتبادلة بخصوص مصدر الوباء وطبيعته، إلا أن كلا من بكين ومنظمة الصحة العالمية تؤكدان أهمية التركيز على كيفية الخروج من الجائحة بسلام للعالم كله، وليس الانشغال بقضايا فرعية مثل مصدر الوباء. ومعلوم أنها بادرت بمساعدة بقية الدول بمن فيها الولايات المتحدة في إشارة إلى أن روح العمل الجماعي تتعزز يوما بعد الآخر.
ومع التأكيد على أهمية العمل الجماعي على الجانب الصحي، فإنه من ضرورات الحياة الاقتصادية في الأجل المنظور، فذلك هو الشق الثاني من الكارثة الذي يفرض قسرا أن يتخلى الجميع عن حساباته الذاتية لإنقاذ الاقتصاد، فالخسائر في هذا المجال فادحة وتفوق خسائر الكساد الكبير الذي بدأ في 1929 واستمر إلى أربعينات القرن العشرين، سواء من حيث الإنتاج أو التشغيل أو الأوراق المالية، وعندما تعود عجلة العمل تدريجيا، فإن النجاح لن يتحقق إلا بتنسيق قوي بين القوى الاقتصادية الكبرى، فيه من التنازلات الكثير والكثير.
لقد تصورت القوى الكبرى أن تقدمها العلمي والتقني كفيل دائما بأن يحميها من المخاطر غير المحسوبة، ولذلك كانت لا تهتم بالعمل الجماعي، وأما اليوم بعد أن اتضح أنها غير محصنة، ليس أمامها إلا التفكير والعمل الجماعي في كل ما يمس الوجود القومي للبشر هنا أو هناك. إنها مهمة ليست يسيرة ولكنها أضحت حتمية، وكما قال مدير منظمة الصحة العالمية سيحكم التاريخ على الطريقة التي تعامل بها العالم مع الجائحة والدروس المستفادة منها.