هل نتوقع نظاماً دولياً بعد جائحة كورونا؟

عبدالله العليان –

بعد حرب تحرير الكويت عام 1991، تبنى الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الأب، إقامة مؤتمر دولي للسلام في العاصمة الإسبانية مدريد يحضره أطراف المشكلة العربية /‏ الإسرائيلية، وحضور الأطراف المعنية كالسلطة الفلسطينية، ومصر والأردن، وسوريا ولبنان، مع دعوة الدول الكبرى، ومن بينها الاتحاد السوفييتي الذي أوشك على الانهيار مع المعسكر الاشتراكي آنذاك، واعتبر المراقبون أن هذه الدعوة، جاءت بعد انتهاء الحرب الباردة، وربما يفتح الباب لتأسيس إقامة نظام دولي جديد، يحقق ما عجز عنه النظام الدولي القديم، الذي جاء بعد الحرب العالمية الثانية، وتمت صياغته وفق انتصار الحلفاء وهزيمة دول المحور، بمعنى أنه جاء مرغماً على دول العالم، وليس نتيجة تفاهمات عادلة بينها، حتى يتحقق السلام العادل، وتنعم البشرية، بقرارات دولية تتسم بالعدل وإحقاق الحقوق بين كل الأطراف الدولية في الأمم المتحدة.
وقد جاء انعقاد هذا المؤتمر، بعد الخطاب الذي ألقاه الرئيس الأمريكي بوش الأب، بعد أشهر قليلة من انتهاء حرب الخليج الثانية وتحرير الكويت من الاحتلال، إلا أن فكرة عقد المؤتمر، جاء بعد خطاب الرئيس الأمريكي، أمام الكونجرس الأمريكي، في 6 مارس 1991، حيث قال بأنه «آن الأوان لإنهاء النزاع في الشرق الأوسط،على أساس قراري مجلس الأمن الدولي 242 و338، ومبدأ الانسحاب مقابل السلام، الذي ينبغي أن يوفر الأمن والاعتراف بإسرائيل واحترام الحقوق المشروعة للفلسطينيين».
واعتبرت الأوساط السياسية العربية والدولية، إن هذا الخطاب الجديد، بمثابة مرحلة جديدة، تمهد لنظام دولي جديد، يسهم في حل قضية الشرق الأوسط، على أسس عادلة، ووفق القرارات الدولية التي صدرت بعد حرب عام 1948، وحرب عام 1967، وتنتهي أكبر مشكلة سياسية مستعصية في هذا الكون، وهي قضية فلسطين، وأطرافها العربية الداخلة في هذا الصراع الطويل، وحضر هذا المؤتمر الكبير كل الأطراف الدولية والعربية، لكن هذا المؤتمر الذي، لم يضع مشروعاً للسلام، يتحدد فيه مسار للتسوية، ويضع القرارات الدولية التي صدرت بعد الحروب العربية الإسرائيلية موضع التنفيذ والنظر حولها، لكن الأمر ترك للنقاش دون أن يتم وضع حلول ومحددات للعملية السلمية، وانتهى مؤتمر مدريد بعقد لقاءات بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل لما يقرب من أكثر من 15 عاماً دون وضع حل للقضية الفلسطينية، عدا معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية التي سبقت هذا المؤتمر واتفاقية السلام بين الأردن في وادي عربة في عام 1994.
وتلاشت التوقعات بقيام نظام دولي جديد، يخلف النظام القديم الذي جاء نتيجة إملاءات وفرض على الدول التي خسرت الحرب كما أشرنا، أو كما يسمى نظام المنتصرين في الحرب الكونية الثانية، لكن لم يتم الحديث عن نظام دولي جديد، عدا أن سقوط الاتحاد السوفييتي، وتلاشي المعسكر الاشتراكي، ربما فهم البعض أن الولايات المتحدة الأمريكية تريد نظاما جديدا (أحادي القطبية)، وليس نظاماً متعدد الأقطاب، بما يحقق انسجاماً بين أعضاء المنظمة الدولية، خاصة الدول التي تملك حق النقض (الفيتو)، لكن بعد احتلال أفغانستان، ثم بعد ذلك العراق، خارج الشرعية الدولية، فسر بعض المحللين أن الولايات المتحدة، تريد إقامة نظام دولي أحادي القطبية، في غياب توازن القوى السياسية والعسكرية، بخروج الاتحاد السوفييتي آنذاك من المعادلة السياسية، وهو ما يعني أن العالم يمشي طريقاً سلبياً، لا ينعم بالسلام والاستقرار في ظل قوة وحيدة، تستأثر بالقوة لفرض ما تريده على القوى الضعيفة في النظام الدولي، وهذا ما عبر عنه أصدق تعبير، بعد احتلال العراق، وفي غياب المنظمة الدولية، د. عبدالله عبد الدائم، عندما قال: « إننا لسنا أمام نظام عالمي جديد.. وكل ما في الأمر، أن العالم، بعد انتهاء الحرب الباردة بوجه خاص، بل قبلها… تائه في سفينة لا قرار لها، يتلمس في زعمه طريق الخلاص، طريق بناء نظام عالمي جديد، فلا يفلح، لأنه يريد أن يفعل ذلك دون أن يغير منطلقاته التقليدية الأنانية والعدوانية، والدولةُ القويةُ التي تود قيادة العالم لا تملك حتى ما يسمح لها بالسيطرة عليه، إذ تملك القوة ولا تملك المال، فضلا عن أن تملك الأسس والقواعد والأنظمة والمعايير، والقيم السليمة، التي تتيح لها أن تجعل تلك القيادة قيادة إنسانية حقا». ولا شك أن هذا الشعور بالقوة دون منازع، أسهم في زيادة التوترات والصراعات، وليس في حلها، وهو ما جعل دول العالم ترفض هذه السياسة الأمريكية التي تريد نظاماً، تتفرد به في توجهاتها وسياساتها الدولية، دون أن تفطن إلى مخاطر هذا التوجه الذي ستكون له آثاره الكبيرة على استقرار العالم، بما فيها الولايات المتحدة.
والآن مع بروز الصين وروسيا، كقوتين كبيرتين على المسرح السياسي، يشعر العالم، بان الحرب الباردة، ربما تعود بطرق وأساليب جديدة، خاصة أن الأزمات الاقتصادية القائمة، ستخلق خلافات وصراعات سياسية جديدة منها ما جرى بين الولايات المتحدة والصين، في تبادل العقوبات الاقتصادية بينهما منذ عدة أشهر، وكذلك عقوبات بينها وبين روسيا، إلى جانب الخلافات السياسية القائمة في آسيا والشرق الأوسط، وأصبحت المحاور السياسية، تتقوى وتشتد، بين القوى الاقتصادية والسياسية في هذه الآونة، وهذا ما يجعل الصراع حتى العسكري قائما أو متوقعاً، إذا ما أصبحت النظرة إلى الآخر، نظرة توجس وشكوك، وسلاحها عقوبات اقتصادية مستمرة بين الولايات المتحدة والصين وروسيا..
ومع ظهور جائحة كورونا (كوفيد19)، وبروز أزمات اقتصادية وسياسية واجتماعية، وهذه المشكلات والظروف الاقتصادية الخانقة، بعد هذه الجائحة كما هو متوقع، تحتم نظاماً دولياً متعدد الأقطاب، وأكثر عقلانية في التعاطي السياسي عند الخلافات والتوترات السياسية في عصرنا الراهن.