في الحـدود والـهــويات!

محمد جميل أحمد –

الهويات والحدود التي نقصدها في هذا المقال، هي الهوية السياسية والحدود السياسية في علاقاتها المتصلة بتقسيمات حدودية لعب فيها الاستعمار أدوارًا خلّفت من وراء رحيله قنابل زمنية موقوتة، في كثير من الدول المستعمرة في آسيا وإفريقيا.
لقد أصبحت قضية الهوية السياسية اليوم من أهم أدوات التعريف التي تلعب دورًا في فك الارتباط الذي تضخه مفاهيم أيديولوجية غائمة، ولا تصلح بذاتها لأن تكون تعبيرًا عن شيء محسوس كمفهوم الدولة القطرية عند القوميين العرب. فالدولة القطرية تضخ إحساسًا عند العروبيين كما لو أنها دولة مؤقتة أو دولة يتم الإحساس بها ضمن إحساس أكبر هو الأمة العربية، وبالنسبة للإسلاميين سيكون ذلك الإحساس خصمًا عن التحديق في الهوية الوطنية. فالأيديولوجيا، كما تطرح نفسها في استيهامات وعي مفكك فيما خص تصوراتها عن العروبة والإسلام، ستختبر باستمرار، سرابًا لا يمكن أن يصل من يجري وراءه إلى الماء.
البعض يساجل بأن حدود دولة وستفاليا الأوروبية فرضتها صيرورات وتحولات في أعقاب حروب دينية امبراطورية لأهداف غير محسوسة استمرت ثلاثين عامًا، لتبرير أوهامه الأيديولوجية لكن ما يغفل عنه هذا السجال، هو أن استقرار العالم الحديث على نمط وستفاليا راكم تجارب عظيمة ومفيدة للحدود السياسية التي عكست معنى الهوية السياسية ذاتها، دون أن تكون هناك إعاقات أو تغولات بحجج الهويات اللغوية والثقافية.
فليس من التناقض اليوم أن تقوم دولة مثل سويسرا على حدود ثلاث لغات لثلاث دول قوية وكبيرة ومزدهرة (ألمانيا – فرنسا – إيطاليا) لأن هوية الشعب وطبيعة التعاقد المجتمعي لمواطني سويسرا وجدت في الاجتماع السياسي لحدود دولة سويسرا إطارًا أكثر انسجامًا رغم التعدد الذي فيه، وبدا خيارًا مفضلًا لاتفاق شعب سويسرا في أن يكون على هذا الاجتماع دون غيره.
خطورة الأوهام التي تجلبها الهوياتُ الثقافية العابرة للهوية الوطنية، المؤطرة بحدود الجغرافيا السياسية، أنها تضخ في أذهان كثيرين تشوّشات، نابعة من الخلط بين مفهومين مختلفين لفكرة الانتماء. فالانتماء هو كذلك مثل الهوية فيه جزء إرادي وهذا هو الجزء السياسي، وفيه جزء لا إرادي كالانتماء اللغوي والعرقي وغيرهما.
لهذا حين يبرر البعض انتماءه اللغوي العابر لحدود دولتين على أنه كافٍ بذاته للعيش بلا ضوابط في الدولتين ضاربًا عرض الحائط بالهوية السياسية للحدود، فإن ذلك الفعل غير المبرر سياسيًا سيكون بمثابة تشريع لسيولة قد تناسب مفهوم الاندماج في الهوية اللغوية مثلًا، لكن ردود فعلها ستثير إشكالات كثيرة في قضايا الحقوق السياسية للمواطنة التي تكفلها كل دولة لمواطنيها، ما يعني أن الحدود السياسية باعتبارها وجودًا ماديًا محسوسًا يمنح من هم داخل الوطن حقوقًا للمواطنة هي التي ستكون الفيصل في إعادة تعريف الفرد باعتباره مواطنًا كي لا يتوهم اقترانًا شرطيًا يخلط بين الانتماء اللغوي العابر وانتمائه السياسي المحدد.
وتتفاقم الأمور أكثر حين تتباين طبيعة وهوية البلدين من حيث عدد السكان، أو الاندماج، أو مؤثرات القوة الناعمة، أو العلاقات التاريخية، أو حقول الجذب الحضاري وغير ذلك من المؤثرات التي لا يمكن فيها ضبط تعريف الفرد في مثل تلك الدول إلا بهويته السياسية.
مع ذلك، فإنه من المهم وضع اعتبار لقوة ضغط الهويات الوطنية الأوروبية (حيث ذوبت الحدودُ الوطنية في وعي المواطن هناك مؤثراتِ الهويات الدينية والعرقية والطائفية وجعلت الهوية الوطنية بؤرة الإحساس الوطني) بخلاف تمثَّلات وضغط الهويات المؤثرة (بنسب متقاربة) في حياة الفرد في المنطقة العربية، حيث لا تزال الهوية الدينية والعرقية والطائفية تتجاور مع الهوية الوطنية.
وفي هذا الفرق بين التجربتين الأوروبية والعربية في صيرورة الهوية السياسية والوطنية نقع على ما يدلنا، من وجوه متباينة. فبناء وتكوين دول ووطنيات أوروبا بعد وستفاليا كان قد صاحبها أمران: تصفية الإمبراطورية الرومانية المقدسة من ناحية، وتبلبل اللغة اللاتينية وقيام اللغات الوطنية الأوروبية على أنقاضها.
والحال، أنه فيما كان الأوروبيون بعد اتفاقية وستفاليا 1648على المستوى المادي يؤسسون حدودًا وشعوبًا، كانوا على المستوى الرمزي يؤسسون لغات وطنية وهويات ثقافية مصاحبة لتلك اللغات على أنقاض اللغة اللاتينية، فيما تبدل تعريف الإنسان مع تلك الدول ذات الحدود السياسية، من «مؤمن» (كما كان تعريف الناس على مدى قرون في الإمبراطورية الرومانية) إلى «مواطن» حديث يشغل الوطن دائرة تفكيره في المجال العام، بعيدًا عن الدين والعرق والطائفة. ومن القبيلة إلى الفرد، بحيث يمكن القول، بعبارة أخرى، أن الحداثة السياسية في أوروبا لعبت دورًا كبيرًا في تجذر البنى الرمزية والمادية للدولة الوطنية الحديثة.
لقد حكمت الحداثة السياسية عالم اليوم وأصبحت الحدود والهويات السياسية هي التي تعرِّف الأفراد في المجال العام. ثم إن الدول العربية راكمت على مدى أكثر 60 عامًا علاقات مواطنة في المجتمعات السياسية الوطنية، كل دولة عربية على حدة، بما لا يتعارض مع هوياتها الأخرى، عربيةً كانت أم إسلامية، على أن تكون الأيديولوجيا الأكثر كفاءة في هذه الحالة: الأيديولوجيا الوطنية.