الدرس الألماني و75 عاما على الحرب العالمية الثانية

إميل أمين –

تمر هذه الأيام الذكرى الخامسة والسبعون على نهاية الحرب العالمية الثانية، وهي مناسبة للبشرية أن تعيد قراءة الأسباب والنتائج، التي أدت إلى اشتعال الحرب من جهة، وإلى ما نتج عنها من جهة ثانية، والأهم هو ما بينهما من علامة استفهام ترتفع في أوقاتنا الحاضرة: كيف تكون هذه الذكرى عبرة لنا لتجنب اندلاع مثل تلك الحرب الكونية مرة أخرى، لا سيما أن اندلاعها سيكون مختلفا هذه المرة لا قدر الله ، وكذا الأكلاف سوف تكون كارثية؟
بداية يمكن القطع بأن القاعدة القانونية المؤكدة التي تقود إلى اندلاع الحروب تبقى كما هي: «من غير عدالة..لن يوجد سلام»، وربما ما كان للحرب العالمية الثانية أن تندلع لو لم تكن معاهدة فرساي التي أنهت الحرب العالمية الأولى تحمل في طياتها متفجرات ومظالم وعدم عدالة بصورة أو بأخرى، أدت إلى تأجيج المشاعر القومية الألمانية التي قادت إلى انطلاق الحرب الكونية التي أفنت نحو 70 مليون نسمة، بالإضافة إلى خسائر اقتصادية احتاجت إلى عقدين من الزمان لتعويضها، ولولا التدخل الأمريكي عبر مشروع مارشال ما كان لأوربا أن تقف على قدميها مرة أخرى.
في الذكرى الخامسة والسبعين لانتهاء هذه الحرب الضروس يعن للمرء مرة أخرى أن يتساءل: هل الحرب مسألة تترك للجنرالات فقط ، أم أنها مسألة أخطر من ذلك؟
المؤكد وعبر هذه السنوات الطوال أن الأفكار هي التي تولّد الحروب وهي التي يمكن أن تقطع الطريق عليها، وبقدر رجاحة الفكر تخلص البشرية من الكوارث التي تنتظرها عند منعطفات التاريخ، والعكس صحيح، حين يصل المهووسون بالصراع الأيدولوجي إلى تسنم القمم، فليعلم الناظر أن أمطار النار والكبريت، والدم والدموع على الأبواب. كارثة الحرب الكونية الثانية انطلقت من وراء ذهنية شمولية، ذهنية الرايخ الثالث الذي سيدوم ألف عام، ونظرة فوقية امبريالية غير إنسانية، نظرة الجنس الألماني الآري، ذاك الذي يتوجب أن يسود العالم شرقا وغربا.
كانت هذه هي الشرارة الحقيقية التي أطلقت الحرب، وليس انطلاق المدافع، وقد وجدت من يدعمها ويزخمها حول العالم، عبر قوة مؤدلجة تمضي في طريقها، ونعني بها الفاشية الإيطالية، التي واكبت أفكار الفوهرر (القائد بالألمانية) الألماني أودلف هتلر، في الجانب الأوروبي، وعلى البعد في الشرق الآسيوي وجدت اليابان التي كانت قوة عسكرية كبرى بدورها، مما أذكى جحيم تلك الحرب.
ولأن الحق أحق أن يتبع، ولأن ما ينفع الناس يبقى في الأرض، أما الزبد فيذهب جفاء، فقد كان ولابد لمثل هذه الأفكار أن تندحر، ويوم اندحرت الأفكار انهزمت القوى العسكرية.
بعد 75 عاما كان ولابد للعالم من مراجعة ما حدث، فقد كان الأمر جللا ومهولا، بل ومخيفا في الوقت ذاته، ومن هذا المنطلق تبقى مسألة مساءلة التاريخ من أهم القضايا التي يتوجب طرحها، وقد كان الجانب الألماني في الأيام القليلة الماضية هو صاحب أكبر شجاعة أدبية في هذا الإطار.
على هامش الذكرى التي نحن بصددها كان الرئيس الألماني «فرانك فالتر شتاينماير»، وفي خطاب له يؤكد أن: «يوم هزيمة ألمانيا هو يوم امتنان لألمانيا».
للوهلة الأولى لا يبدو هذا الحديث متسقا مع الذات، فكيف لليوم الذي انكسرت فيه ألمانيا الكبرى، أن يكون يوم امتنان للأجيال الألمانية المعاصرة ، أليس هناك تناقض في الكلمات والأفكار معا عند الرئيس الألماني؟
عبارات الرئيس الألماني تشير إلى معنى ومبنى مهم للغاية وهو أنه في هذا اليوم وعلى الرغم من الهزيمة والوجيعة العسكرية للألمان، إلا أنهم تحرروا من ربقة التيار القومي الاشتراكي، ومن معسكرات الاعتقال.
أكثر من ذلك قررت مدينة برلين أن يكون هذا اليوم يوم عطلة، رغم عدم اعتيادها على إحياء ذكرى استسلام النظام النازي.. ما الذي يمكن للمرء أن يستشفه من مثل هذا النهج الألماني؟
من الواضح للغاية أن الألمان لا يزالون يؤمنون بما قاله فيلسوفهم الأشهر «كانط»، من أن أعظم هدية وهبها الله تعالى للإنسان، هي العقل النقدي، ذاك القادر على إعادة قراءة التاريخ وأحداثه، واستخلاص العبر من التجارب ودروسها مهما كانت أليمة.
هل في الواقع الألماني اليوم رجع صدى لا يتلكأ ولا يتأخر، لزمن النازية، ما يجعل الرئيس الألماني، والأجيال الكبيرة عمريا في ألمانيا، تلك التي كانت قريبة يوما ما من زمن الحرب العالمية الثانية، حذرا جدا وقلقا من سطوة الأفكار التي تقود إلى الحروب؟
ليس سرا أو جديدا الإشارة إلى المخاطر المتصاعدة في ألمانيا يوما تلو الآخر من تيار اليمين المتطرف، بل إن النازية تولد هناك من جديد، متمثلة في حزب البديل من أجل ألمانيا، وحركة بغيدا العنصرية، وغيرها من الجماعات المشابهة.
الكارثة التي يعيها الرئيس الألماني، وله في الحق ألف حق، أن الأفكار عامة لها أجنحة، وكما طارت في زمن هتلر، يمكنها الآن أن تطير على مستوى أكثر اتساعا، وأكثر فداحة في خسارته، من جراء وسائل التواصل الاجتماعي، والسماوات التي انفطرت، وجميعها تقود إلى مخاوف مرعبة مستقبلية.
كارثة عالمنا المعاصر أن تيار اليمين لا يتصاعد فقط في أوروبا، ذلك أنك ستجده في الولايات المتحدة الأمريكية منذ نهايات التسعينيات، وهو صاحب شهية مفتوحة على الدوام للحروب والصراعات الدموية، وهناك من يغذيه في هذا الإطار، وبالقدر نفسه تعاني روسيا الاتحادية اليوم من عقدة الاضطهاد، فحتى الساعة لم تنس محاولات النازي لاحتلالها، وتفاخر بأنها انتصرت عليه ودمرت حصونه المنيعة وقسمت ألمانيا واستولت على الجانب الشرقي منها، وإن كانت قد شفيت من هذا الألم بعد 75 سنة، إلا أن ثأرها مع الغرب الذي أذلها بعد انهيار الاتحاد السوفييتي لم ينته بعد. فهل هذه المشاعر مدعاة لمخاوف من حرب كونية جديدة؟
قبل بضعة أيام كان المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي لمراقبة التسلح المارشال «بيل بينجسلي»، يؤكد أن معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية الهجومية «ستارت» الموقعة مع روسيا، يجب أن تتضمن أنظمة الأسلحة الروسية الجديدة.. ماذا عن تلك الأسلحة؟
يتحدث الأمريكيون عن الصاروخ الجهنمي «سارامات» الذي يستطيع حمل عشرة رؤوس نووية، ويدمر ولاية بمساحة تكساس العملاقة، وكذا مجمع صواريخ «افنجارد» الفرط صوتية، وصواريخ «كينجال»، وجميعها جهنمية الفعل والتأثير.
حتما لن يرتضي الروس ذلك، والأمريكيون في المقابل يعسكرون الفضاء، استعدادا لملاقاة صوارخ أسلحة القيصر، ولا نية لتخفيف التوتر المتصاعد.
من يخبر القيصر الروسي والإمبراطور الأمريكي أن الحرب العالمية الثالثة لو انطلقت كفيلة بإبادة الإنسانية من على وجه الأرض؟
ربما على الرئيس الألماني شتاينماير أن يقود العالم إلى صحوة ذهنية، تبدأ من عند مراجعة الأفكار، وتنتهي باتفاقيات تقي العالم شر الجنون النووي القائم والقادم.