مؤامرة القرن .. ماذا بقي منها؟

عوض بن سعيد باقوير – صحفي ومحلل سياسي –

إن المخطط الإسرائيلي والأمريكي لضم مزيد من الأراضي الفلسطينية والأردنية هو دليل على عقلية وأطماع إسرائيل التوسعية وأنها لا تريد السلام ولكن تريد استسلام الشعوب العربية وتصفية القضية الفلسطينية،

كان التآمر على أرض الرباط فلسطين قد تم التخطيط له منذ أكثر من قرن من خلال المؤتمر الصهيوني وما تلاه من مخططات تهدف إلى سلب فلسطين وتشريد شعبها، ولم يكن ذلك المخطط سوى مرحلي من خلال قضم الأراضي الفلسطينية التي لم يتبق منها سوى أقل من ربع مساحة أرض فلسطين التاريخية، ومن هنا يستمر المخطط الإسرائيلي والأمريكي الحالي لما سمي بصفقة القرن وهي مؤامرة مكتملة الأركان واستحضار للمخطط الأساسي الذي عقد في بازل بقيادة هرتزل.
إن ما يحدث الآن من مخطط أمريكي الذي تبنته الإدارة الحالية هو استكمال لذلك المخطط القديم، وهو الاستيلاء على فلسطين المحتلة وتصفية القضية الفلسطينية، مستغلين عددا من العوامل الموضوعية، من أهمها الضعف والتشتت العربي والحروب الأهلية في أكثر من بلد عربي وسيطرة اليمين المتشدد في إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية.
السؤال المنطقي هنا، هل يكتفي العرب ببيان جامعة الدول العربية الذي يبقى في المحصلة النهائية بيانًا لا يقدم ولا يؤخر وينضم إلى كمٍ كبيرٍ من البيانات في أرشيف جامعة الدول العربية؟

مصير فلسطين

نحن نتحدث الآن عن مصير فلسطين الأرض والإنسان من خلال مخطط متكامل الأركان ينفذ بشكل مرحلي فالسفير الأمريكي في تل أبيب يروج هذه الأيام لسيطرة إسرائيلية على غور الأردن ومناطق في الضفة الغربية، وبوجود نتانياهو فإن المخطط واضح للتنفيذ في ظل هوس ترامب بالتطلع إلى فترة رئاسية ثانية في البيت الأبيض خلال الانتخابات القادمة في الثالث من نوفمبر القادم.
ولعل الاشتغال الأمريكي وأيضًا الإسرائيلي بفيروس كورونا هو الذي حدّ من المضي قدمًا في تنفيذ المخطط الذي يروج له السفير الأمريكي في إسرائيل، ومن هنا فإن الأمر يبدو خطيرا وهو أحد بنود ما يعرف بصفقة القرن التي رفضتها السلطة الوطنية الفلسطينية والشعب الفلسطيني والعرب، ومع ذلك فإن مخطط الاستيلاء على مزيد من الأراضي الفلسطينية والأردنية يتطلب وقفة جادة من العرب لأن المسألة هنا تتعلق بمصير فلسطين كقضية ووطن للشعب الفلسطيني.
إن إدارة الرئيس الأمريكي الحالي قد تكون هي أسوأ إدارة تتعامل مع الملف الفلسطيني خلال العقود الأخيرة، ولعل اعترافها بمدينة القدس المحتلة كعاصمة لإسرائيل هو إحدى الخطوات المتهورة وغير القانونية وهي بهذا القرار المجحف ضربت وتحدت كل قوانين وقرارات الشرعية الدولية.
إن السلوك السياسي العربي ينبغي أن يتطور بشكل عملي من خلال خطوات عملية تحاصر بها إسرائيل؛ لأن المجتمع الدولي في نهاية المطاف لن يكون أكثر وقوفًا مع الحق الفلسطيني إذا بقي العرب يتحركون من خلال التصريحات، ولعل قضم الأراضي الفلسطينية سوف يتواصل من خلال تبني مشروعات الاستيطان والدعم الأمريكي لسلطات الاحتلال وأيضا من خلال دور المنظمات الداعمة لإسرائيل في الولايات المتحدة في ظل الموسم الانتخابي والانحياز السافر لإدارة ترامب غير المسبوق في تاريخ السياسة الخارجية الأمريكية.

صمود الشعوب

في تاريخ الاحتلال والاستعمار على مر التاريخ يبقى الرهان على الشعوب وفي حالة الاحتلال الإسرائيلي الذي يعد آخر احتلال في التاريخ الحديث، فإن صمود الشعب الفلسطيني على أرضه والتمسك بثوابته هو فرس الرهان، ولا أتصور أن تستطيع الحكومات العربية وفي ظل الظروف الراهنة للمشهد العربي أن تغير المعادلة. من هنا فإن أمام الموقف الرسمي العربي عددا من الخطوات التي تشعر إسرائيل بالعزلة منها أسلوب المقاطعة ووقف الاتصالات، وأن وجود الاحتلال في أرض فلسطين لن يمكّن إسرائيل من العيش بسلام وسط محيط أكثر من ٤٠٠ مليون عربي، ومن هنا فإن مصلحة إسرائيل أن ترضخ للسلام الشامل والعدل وتقبل بقرارات الشرعية الدولية.
صمود الشعب الفلسطيني هو قوة شعبية كبيرة، وهذه القوة الصامدة في أرضها تحتاج إلى مساندة سياسية عربية رسمية، ومن هنا فإن حديث نتانياهو المتكرر عن علاقات مع العرب ومسألة التطبيع يجب أن يقابله سلوك عربي على الأرض ينسف مقولة نتانياهو والإدارة الأمريكية وأن أي علاقات طبيعية لن تحدث حتى يسترد الشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة، وهو إقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من يونيو ١٩٦٧ وعاصمتها القدس الشرقية وعودة اللاجئين إلى ديارهم، ومن خلال هذا الطرح يكون تحقيق السلام ومن دون ذلك لن يكون هناك سلام أو تعايش أو علاقات مع الدول العربية، وهذه رسالة واضحة ينبغي أن تصل إلى إسرائيل وأيضًا الولايات المتحدة الأمريكية، مع التأكيد بأن النضال في تاريخ الشعوب سوف يستمر ونتانياهو سوف يختفي يومًا من الساحة السياسية وكذلك ترامب، ليسجل التاريخ مشاهد من الظلم وعدم الإنصاف.
إن صمود الشعب الفلسطيني هو العامل الحاسم لإفشال المخطط الإسرائيلي والأمريكي، وعادة يكون النصر لحق الشعوب الحية التي تكافح طوال عقود لنيل حقوقها المشروعة، والشعب الفلسطيني أصبح نموذج الشعوب المكافحة لنيل حريتها واستقلال وطنها من أبشع احتلال عرفه التاريخ الحديث.

التصدي للمخطط

المخطط الإسرائيلي والأمريكي الذي يقوده ترامب وكوشنر والسفير الأمريكي في تل ابيب لا بد من التصدي له شعبيًا ورسميًا. صحيح الوضع العربي في أدنى درجات الضعف والهشاشة، لكن تبقى هناك أوراق يمكن استخدامها ويمكن لجامعة الدول العربية أن تصدر قرارًا تاريخيًا بذلك من خلال قطع شامل للاتصالات مع إسرائيل وأن هذا القرار هو قرار سياسي يعبّر عن موقف عربي حاسم سوف يقف معه أولًا الشعوب العربية وثانيًا الشعوب المحبة للسلام في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية والمجتمع الدولي علاوة على حث الأمم المتحدة أن تتولى ملف عملية السلام في ظل العجز والانحياز السافر للإدارات الأمريكية المتعاقبة لأكثر من سبعة عقود أو الاتفاق على مؤتمر دولي للسلام يكون منصفًا وموضوعيًا لحل الصراع العربي-الإسرائيلي وفي مقدمته القضية الفلسطينية التي تعد هي لب الصراع والتوتر في منطقة الشرق الأوسط.
إن المخطط الإسرائيلي والأمريكي لضم مزيد من الأراضي الفلسطينية والأردنية هو دليل على عقلية وأطماع إسرائيل التوسعية وأنها لا تريد السلام ولكن تريد استسلام الشعوب العربية وتصفية القضية الفلسطينية، ومن هنا فإن الجهد الجماعي العربي والفلسطيني وحتى الإسلامي والدولي ينبغي أن ينصب في إفشال ذلك المخطط لأن القضية الفلسطينية هي الآن في مرحلة حاسمة وهي مرحلة وجودية من خلال الصراع الحالي، وعلى ضوء تلك المقاربة السياسية فإن المسألة في غاية الخطورة لأن قضم الأراضي سوف يجعل الأمور في غاية التعقيد ليجد الفلسطينيون والعرب أنه لم يتبق الكثير من أرض فلسطين المحتلة حتى يتفاوضوا عليها، وهذا هو الهدف المخطط، ومن هنا فإن القضية الفلسطينية الآن تمر بأخطر مراحلها ولا بد من حشد كل الطاقات السياسية والاقتصادية والإعلامية فلسطينيًا وعربيًا لصد هذه الهجمة الاستيطانية الجديدة.