تدابير «كورونا» ومستقبل قضايا المناخ

فتحي مصطفى –
أظهر العالم جدية كبيرة في تعامله مع انتشار جائحة «كورونا» كوفيد-19 من خلال محاولاته المستميتة لحسر المرض وتقويض انتشاره، ولقد أسهمت الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها الحكومات لمواجهة هذه الجائحة، من تخفيض في عدد القوى العاملة داخل الجهات والمصالح الحكومية والشركات والمصانع الخاصة وورش التصنيع وغيرها، وفرض حظر التجوال الجزئي أو الكلي في عدد من الدول، أسهم في خفض نسب الانبعاثات المضرة التي تلوث المناخ مثل غاز ثاني أكسيد الكربون، وغاز ثاني أكسيد النيتروجين، اللذين ينتجان عن عوادم السيارات وأبخرة المصانع وغيرهما من الوسائل الأخرى التي تؤدي إلى ظاهرة الاحتباس الحراري في الأرض وتعظم من خطورتها، وبالتالي ارتفاع نسب التلوث في الهواء، ومن ثم التأثيرات السلبية على المناخ، والتي تنذر بكارثة قد تحل على كوكب الأرض بمرور الوقت.
وبرغم ما يوليه العالم من اهتمام كبير بظاهرة تلوث المناخ والاحتباس الحراري، عبر عقد مؤتمرات سنوية في محاولات لإيجاد حلول لخفض هذه الانبعاثات وتجنيب الكوكب آثارا مدمرة يذهب إليها بخطوات متسارعة، إلا أن بعض هذه الآثار بدأت في الظهور في صورة تغيرات مناخية غريبة وظواهر طبيعية، لم نكن نراها إلا في أفلام الخيال العلمي، قد تغير خريطة العالم بأسره، لاسيما ما حدث من ارتفاع في مناسيب البحار والمحيطات بسبب ارتفاع درجة حرارة الكوكب، وبالتالي حدوث ذوبان للثلوج نتج عنها فيضانات مدمرة ومتكررة كالتي حدثت في مناطق بقارة آسيا وإفريقيا وأمريكا، وما ترتب عليها من تهجير لأعداد كبيرة من السكان، وحدوث جفاف وحرائق للغابات.. وغيرها.
وبرغم أهمية هذه المؤتمرات السنوية التي تناقش مشاكل وتطرح حلولا لهذه الأزمة، إلا أن المشهد يختلف داخل دول بعينها، إذ تلتزم بها بعض الدول التي لا يشكل نشاطها الصناعي أو اليومي بصورة عامة تأثيراً كبيراً ضارا على المناخ، بنفس الصورة التي تحدث داخل الدول المصنعة الكبرى، والتي تمضي في طريقها ضاربة بالقرارات والتوصيات التي تخرج من مؤتمراتهم عرض الحائط، وبالتالي تكون نتائج هذه المؤتمرات غير مجدية إلا إذا تم تطبيقها على جميع المستويات وعلى كافة الأصعدة.
ولعل ما أثير أخيرا من التأثير الإيجابي للتدابير التي اتخذتها الحكومات في مواجهة جائحة كورونا على انخفاض نسب انبعاث الغازات والملوثات وتأثيرها على المناخ، وهو ما أعلنته وكالة «ناسا» الفضائية عبر نشر صور تم التقاطها بواسطة الأقمار الصناعية، أوضحت فيها الانخفاض الكبير الذي حدث في مستويات التلوث في أجواء الصين بصورة خاصة، وهي من كبرى الدول الصناعية على مستوى العالم، وبعض الدول الأخرى بصورة عامة، ونتج ذلك بسبب التباطؤ الاقتصادي الذي نجم عن فيروس كورونا، وأوقفت على أثره رحلات الطيران وحركة التجارة وانخفاض أعداد الناس في الشوارع بسياراتهم، وبالتالي انخفاض استخدام المحروقات، فضلا عن إغلاق بعض المصانع.
وكذلك تحذيرات لعلماء خلال دراسات أجروها وأثبتوا من خلالها أن العالم قد يقفز «من جحيم كوفيد-19 إلى نار المناخ»، ما لم تتدخل الحكومات لتحويل الاقتصادات إلى مسارات نظيفة أثناء التعافي من الفيروس، وبحسب أحد خبراء المناخ، فإن تغير المناخ سيكون بمثابة قنبلة موقوتة تستدعي الاهتمام العاجل، حيث أنه سيؤثر سلبا على جميع مناحي الحياة البشرية، بما في ذلك توافر المياه العذبة وإنتاج المحاصيل، والتأثير بشكل سلبي على قدرة الأطفال في التعلم وتلقي الدروس وإنتاجية القوى العاملة، بالإضافة إلى الأضرار التي تتعرض لها الأراضي الزراعية.
فلماذا لا تتم الاستفادة من النتائج التي ترتبت من جراء تدابير «كورونا» وتحويلها إلى نمط عام في العمل من خلال وضع آليات وتوقيتات صارمة لتشغيل المصانع وتسيير السيارات وعمل الورش وكل ما من شأنه إحداث انبعاث للغازات أو الأبخرة التي تؤدي إلى توسيع ثقب الأوزون، بصورة خاصة، وترفع من درجة حرارة الأرض بصورة عامة، على أن تكون هذه التوقيتات بشكل دائم وليس لفترة محددة، فالتأثير لن يكون مدة عام أو عامين إذ لن يكون لها تأثير ملموس، بحسب ما قاله أحد الخبراء في هذا المجال، لأن المناخ هو رد فعل «النظام المناخي» على تركيز غازات الاحتباس الحراري في الغلاف الجوي، ويتم تحديد تركيز هذه الغازات خلال فترة لا تقل عن ثلاثين عاما، لذلك فإن أي انخفاض بسيط في تدفق غازات الاحتباس الحراري إلى الجو حاليا لا قيمة له، فإحداث تأثير إيجابي ملموس في حاجة إلى فترة زمنية تتراوح بين 30 إلى 50 عاماً لتحديد ما إذا كان هناك تحسن ملحوظ أم لا.
وقد يذهب بعض أصحاب المصالح إلى عدم جدوى هذه الفكرة خصوصاً وأن تأثيرها ضعيف مقارنة بالخسائر التي ستحدث نتيجة تحديد توقيتات العمل، إلا أن ذلك مردود عليه، بمقارنة الخسائر القريبة التي يتحدث عنها، بالخسائر الكبيرة التي قد تحدث حال حدوث ما يخشاه العالم، وزادت الكوارث الطبيعية بفعل الاحتباس الحراري وتلوث المناخ، وبالمقابل لن تجدي المكاسب التي تحققت في السابق إذا جاز التعبير، والأمر الطبيعي والمنطقي الذي يمكن القبول به، هو ضرورة تفعيل مبدأ العمل من أجل مصلحة الكرة الأرضية وتغليب المصلحة العامة على المصالح الشخصية، ولكن.. هل سيحدث ذلك؟