ما وراء تصعيد ترامب لحربه الباردة ضد الصين

صلاح أبونار –

أثارت جائحة كورونا تساؤلات عديدة. ما هي الأبعاد الحقيقية لتداعياتها الاقتصادية؟ مجرد خسائر اقتصادية يعقبها ركود يمكن تجاوزه عبر حزمة من السياسات المالية والاجتماعية؟ أم أن دلالاتها أبعد وأعمق وستفرض البحث عن نظم اقتصادية واجتماعية بديلة تديرها تحالفات اجتماعية جديدة؟

ومع تلك التساؤلات التي تركز طرحها داخل نخب سياسية، ظهرت أخرى أوسع تداولا تتصل بالتداعيات السياسية المباشرة للجائحة، وهنا سنجد العلاقات الأمريكية-الصينية في صدارة الاهتمام.
أطلق ترامب بعد دخوله البيت الأبيض حربا تجارية ضد الصين، تحولت خلال 2019 إلى حرب باردة تستدعي أجواء الحرب الباردة القديمة، ثم جاءت الجائحة التي انطلقت من الصين لكنها ألحقت أضخم خسائرها بأمريكا، لتؤجج لهيبها.
ما هي العوامل الحقيقية التي تقف خلف تصعيد ترامب الأخير ضد الصين؟ وهل هو فعليا رد على مسؤولية صينية مفترضة عنها؟ أم في جوهره محاولة للهروب من تداعيات قصور مواجهته لها؟
حتى منتصف مارس تقريبًا لم تكن بوادر التصعيد الأمريكي حاضرة بالمعنى الحقيقي للكلمة. كانت هناك تحليلات هنا وهناك تتركز حول قصور الإدارة الصينية لمرحلة الجائحة الأولى وعدم شفافيتها، متداولة في تحليلات صحفية ودوائر متخصصة، ولا تصل لمستوى الخطاب الرسمي، بل سنجد لترامب تصريحات تمتدح الصين وتعاملها مع الجائحة مثل «قام الرئيس الصيني بعمل بالغ الجودة في مواجهة موقف شديد الصعوبة والقسوة». ولكن الخطاب الرسمي شهد تغيرا متصاعدا بعد ذلك، انطلق من تصعيد للهجوم على منظمة الصحة العالمية حمل ضمنيا هجوما صريحا على الصين، لينتهي بوقف تمويلها في 14 أبريل.
وبالتوازي مع ذلك أخذت دوائر أمريكية رسمية في تداول معلومات تزعم بأن أصل الوباء فيروس تسلل من أحد معامل ووهان، وليس كما قيل سابقًا لحوم من أحد أسواقها، وهو ما يعني ضمنا تحميل الصين مسؤولية رسمية. ورافق ما سبق بدايات استخدام ترامب لمصطلح «الفيروس الصيني» وبومبيو لمصطلح «فيروس ووهان».
وتصاعدت تلك المقدمات في اتجاه تحميل الصين رسميا مسؤولية الوباء، وتصريحات رسمية مقرونة بخطط لإجراءات قانونية لإلزام الصين بدفع تعويضات.
في تصريح مبكر وعام لترامب قال: «لا نشعر بالسعادة تجاه الصين، ولا نشعر بالرضا عن الموقف كله، لأننا نعتقد أنه كان يمكن إيقافه مبكرا ومن المنبع». ثم خطا ترامب خطوة أبعد. سأله أحد الصحفيين: «هل وصلتك معلومات استخبارية، تشير بدرجة عالية من الثقة إلى أن الفيروس يرجع أصله لمعمل ووهان»، وجاءت إجابته الأولى «نعم وصل لي هذا». وفي 3 مايو غرّد بومبيو «للصين تاريخ في إدارة معاملها بمعايير علمية متدنية، وليست كورونا المرة الأولى التي يتعرض فيها العالم لفيروسات مصدرها قصور في معامل الصين».
ويمنحنا تقرير لواشنطن بوست في أول مايو الوجه العملي لتصريحات ترامب. وفقًا لمعلومات مصدرها أربعة مسؤولين كبار بدأت الإدارة في استطلاع مقترحات عقاب الصين أو مطالبتها بتعويضات لمسؤوليتها عن انتشار الجائحة. ومن المتوقع أن يلتقي ممثلون لعدة هيئات أمريكية في مايو من أجل رسم خريطة إجراءات عقابية ضد الصين. وتتخذ المشاورات أكثر من وجهة وكان ترامب طرفا فاعلا فيها.
وجهة ناقشت إمكانية حرمان الصين من «الحصانة السيادية»، وبالتالي تمكين أمريكا وضحاياها من رفع قضايا تعويض على الصين. ووجهة تناقش قيام واشنطن بإلغاء جزء من التزامات ديونها تجاه الصين كإجراء تعويضي عن الخسائر الأمريكية. وتحظى الوجهتان بـتأييد داخل الكونجرس. فهناك حاليا مشروع قانون لحرمان الصين من «الحصانة السيادية» يشارك فيها السيناتوران توم كوتون وجوش هاولي، كما طرحت السيناتورة مارشا بلاكبورن الامتناع عن دفع مستحقات فوائد الديون الصينية تعويضًا للخسائر. ولتلك التحركات امتداداتها الأهلية. تقوم حاليا مجموعة «بيرمان القانونية» بالعمل على رفع دعوى جماعية ضد الصين للحصول على تعويض عبر التنسيق وتبادل المعلومات مع البيت الأبيض، ولم توضح الصحيفة هل تعني الجماعية جماعة من المتضررين الأمريكيين أم مجموعة من الدول المتضررة. ونفهم من الواشنطن بوست أنه رغم تأييد ترامب لهذا الاتجاه، لم يحظ حتى الآن بإجماع الإدارة وإن مالت الكفة لصالح المؤيدين. يعارض الاقتصاديون هذا الاتجاه، لأضراره الاقتصادية وقدرة الصين على الرد بالمثل، أو أن احتمالات نجاحه معدومة. بينما يؤيده فريق من مستشاري الرئيس السياسيين ومعهم فريق الأمن القومي. ويتفق ترامب مع المؤيدين ولكن بتحفظات حول الخيارات المطروحة. فهو لا يؤيد الامتناع عن دفع فوائد الديون لضرره بمركز الدولار. ويبدو منحازًا لخيار قضايا التعويضات لكنه في تصريح عابر نراه يفضل الحصول على التعويضات عبر السياسات الجمركية، ومن الواضح أنه مجرد اقتراح عشوائي صعب التطبيق. ويواجه الاتجاه المؤيد معارضة داخل الإدارة، وهنا سنلمس حضورًا قويًا للمؤسسات المخابراتية. في أعقاب تصريح ترامب السابق حول اطلاعه على «معلومات استخبارية عالية الثقة» تفيد خروج الفيروس من معمل ووهان، صدر عن مكتب رئيس المخابرات الوطنية تصريحات تفيد أن المؤسسة تتفق مع الإجماع العلمي السائد أن الفيروس ليس مصنعًا أو معدلًا جينيًا، وأنها ستواصل البحث من أجل تحديد إذا كان الفيروس جاء من أحد أسواق ووهان أم تسلل من أحد معاملها، وهو ما يعني نفيها لتقديمها المعلومات التي أشار إليها.
ومن الواضح أننا أمام حملة متصاعدة أطلقت موجة جديدة من حرب ترامب الباردة الصينية. ولن نجد علتها في الاتهامات الموجهة للصين. فالاتهام الخاص بتسلل الفيروس من معمل ووهان لم يحظ بتأييد يذكر. والآخر الخاص بأخطاء المواجهة الصينية محصور في المرحلة الأولى، ويمكن تفسير جزء منه بالمركزية الصينية وغياب الشفافية والخوف من التداعيات الاقتصادية، ولكن جزءًا آخر لا يقل أهمية يمكن إرجاعه إلى مزيج من التخبط والمعرفة المحدودة بطبيعة الفيروس والتوقعات المنخفضة لحجم مخاطره. والأهم أن مجمل أخطاء النظام الصيني في هذه المرحلة غير مفسرة في سياقها الخاص، بل في سياق تداعيات انتشار الفيروس الاقتصادية في الغرب، وحالة الانكشاف والتخبط السياسي التي حلت بحكوماته، وأخطاء مواجهتها الكارثية للخطر.
وسنجد علة الهجوم الجديد على الصين في نمط مواجهة ترامب وإدارته للجائحة داخليا. حتى الآن شهدت أمريكا أكبر نسب الإصابات عالميا. فحتى 4 مايو كان إجمالي إصاباتها 1,224,570، تليها إسبانيا بمعدل 250.561 ثم إيطاليا بمعدل 213,013، وفي 4 مايو فقط كان عدد الإصابات الأمريكية 24,972 والإيطالية 1,385 والإسبانية 545، وبرد نسبة الإصابات لكل مليون من السكان سنجدها 75 إصابة أمريكية مقابل 23 إيطالية و12 إسبانية. وبشكل أساسي عكست النسب الأمريكية إخفاقًا شديدًا للإدارة الأمريكية. فلقد تأخرت كثيرا في الشروع في عمليات الإغلاق والتباعد مما سمح بتكوين بؤر انتشارية، وعندما شرعت في مواجهة جادة غلبت الاعتبارات السياسية على العلمية، وفي إدارتها السياسية للمشكلة لم تعمل على تكوين إجماع قومي بل سعت لتوظيفها انتخابيا، وتدريجيا تحولت مؤتمرات ترامب اليومية إلى مادة للتندر وساحة مواجهة إعلامية، وازدحم الإعلام بأخبار صدامات ترامب المتواصلة مع حكام الولايات. وانعكس هذا الإخفاق على مستوى تأييد الرأي العام لترامب. في 8 أبريل صدرت نتائج 6 استطلاعات للرأي العام الأمريكي، حقق فيها أداء ترامب الرئاسي معدل استحسان يتراوح بين 40% و45% فقط.
ويشير ستيفن شيبرد في «بوليتيكو» إلى أن نسبة تأييد ترامب تشذ عن قاعدة «الالتفاف حول العلم» المعروفة في الخبرة الأمريكية، وتعني تصاعد تأييد الرئيس في الأزمات القومية. ارتفع تأييد كيندي من 61% إلى 74% خلال أزمة الصواريخ الكوبية 1962. وتأييد كارتر من 31% إلى 58% خلال أزمة السفارة الأمريكية في طهران 1979. وتأييد بوش من 51% إلى 90% خلال أزمة سبتمبر 2001. بينما كان معدل تأييد ترامب 43% في ديسمبر 2019، وارتفع إلى 46% في مارس 2020، لينخفض إلى 44% في أبريل. ورصد موقع «مورننج كونسلت» استفادة أغلب قادة العالم من تلك القاعدة. فيما بين 11 مارس و14 أبريل ارتفعت معدلات تأييد ميركل 14% وترودو 16% وسكوت ماريسون 25% وجونسون 18%، وماكرون 8%، واقتصرت نسبة زيادة ترامب على 3%. ولاحظ روجر كاما في فوكس أن ارتفاع معدلات تأييد حكام الولايات الأمريكية فيما بين الربع الأخير من 2019 وأواخر أبريل فاق كثيرا ارتفاع معدلات ترامب. ارتفع تأييد حاكم نيو مكسيكو بنسبة 15% وميتشيجن 21% وأوكلاهوما 9% وبنسلفانيا 12% وويسكونسن 17% ونورث كارولينا 23% ونيوجيرسي 26%.
وحدث ذلك بينما يفصل ترامب عن الانتخابات شهور قليلة، خلالها قد ينحسر الوباء أو يتواصل لكنه في الحالتين سيخلّف أثارا مدمرة. والحاصل أن شعبية ترامب مرشحة للمزيد من التدهور، وهكذا يصبح من الضروري إطلاق استراتيجية لاستعادة جزء منها عبر إلقاء المسؤولية على جهة خارجية، وكان من الطبيعي أن يقع اختياره على الصين. ليس فقط لأنها المصدر الأولى للوباء، بل أيضًا لأنها خاضعة لعملية شيطنة إعلامية تواصلت لسنوات، ولأن تصعيد العداء لها سيجد ترحيبًا من نخب وقواعد أمريكية، ولأن مؤسسات الأمن الأمريكي تضعها على رأس خصومها وبالتالي سترحب بالتصعيد ضدها.