لماذا لن يغير فيروس كورونا العلاقات الدولية مثلما غيرها 11/ 9 ؟

بقلم: نيكولاس كيه جفوسديف – ترجمة: أحمد شافعي –

هل دخلنا «حقبة جديدة» في العلاقات الدولية؟ هل سيكون مارس 2020، والحادي عشر منه على وجه الدقة ـ أي اليوم الذي بدأت فيه الولايات المتحدة إعادة تشكيل بنياتها الاقتصادية والاجتماعية الداخلية بما يتماشى مع وباء فيروس كورونا ـ هو لحظة هذا الجيل المماثلة للحظة 11/‏ 9؟
على مدار الشهر الماضي، نشر العديد من المقالات التي ذهبت إلى أن أزمة فيروس كورونا تغير كل شيء وأن هذا الوباء الحديث يشكل فارقا ساطعا بين الحاضر المضطرب وحقبة 11/‏ 9 السابقة. ومثلما صاغ ديريك تشوليت وجيمس جولدجاير شعار «من 9/‏ 11 إلى 11/‏ 9» لوصف الفترة في ما بين سقوط جدار برلين (أي نهاية الحرب الباردة) وما اشتهر عن جورج ويل وصفه بنهاية «الإجازة من التاريخ» التي حظيت بها أمريكا، هل يكون فيروس كورونا علامة انحرافة حادة مماثلة؟
فحينما يحدث في المستقبل ـ على سبيل المثال ـ أن نستأنف رحلات الطيران، هل ستكون إجراءات الأمن في المطارات أقل اهتماما بثلاث أوقيات من السوائل والمواد الهلامية، وأكثر تركيزا على ما إذا كنا نرتدي الكمامات، مع إعادة ضبط أجهزة مراقبة الأجساد لتفحص درجات الحرارة وحالة التنفس بدلا من أن تهتم بالأسلحة المخبأة ؟
في الأسابيع التالية لهجمات الحادي عشر من سبتمبر، وضمن منتدى خاص أقامته مجلة ناشونال إنترست، أثير السؤال عما إذا كان القتال ضد القاعدة والإرهاب الدولي سيكون المبدأ المركزي الجديد الذي تنتظم على أساسه السياسة الخارجية الأمريكية. ففي نهاية المطاف، كانت ضربة أسامة بن لادن المتهورة ورغبته في صنع العداوة قد أنتجتا تقاربا نادرا، إذ حدث في الشهور المتبقية من 2001 أن صارت الولايات المتحدة وحلفاؤها في الناتو وشركاؤها في شرق آسيا وكذلك إيران وروسيا والصين والهند والسعودية في خانة واحدة في ما يتعلق بخطر القاعدة. ولوهلة على أقل تقدير خفّف أسامة بن لادن حمى التنافس بين القوى الكبرى.
بوسع بيل جيتس، عند الحديث عن الوباء، أن يعيد استعمال أقوال للرئيس جورج دبليو بوش مستعملا «فيروس كورونا» حيثما استعمل الرئيس «الإرهاب». يعتقد بيل جيتس أن خطر هذا الوباء يوحِّد جميع البلاد في حرب مشتركة وأن استئصال هذا البلاء جدير بأن يكون المهمة المركزية للسياسة الخارجية لكل البلاد. ولو أن الحرب على الإرهاب فقدت ـ في السنوات العديدة الماضية ـ بريقها وبدأت مقولة إن الولايات المتحدة تعاني من خطر المشكلات الناشئة من البلاد الضعيفة أكثر مما تعاني خطر البلاد القوية تتراجع لحساب مقولة جديدة عن عودة التنافس بين القوة العظمى، فهل يكون فيروس كورونا سببا في تخلي البلاد عن سياسات القوة التي تتبعها وتزداد اهتماما بالصحة والأمن الإنساني؟
لا شك أن فيروس كورونا له تأثير. فهو يختبر علاقات التحالف القائمة ويحدث صدوعا في بنية العولمة الحالية. وهو يتحدى الرأي السائد الداعم لزخم سوق عالمي كبير واحد قادر على توفير السلع والخدمات اللازمة لكل من الرفاهية والأمن. ولكننا لم نتعرض لصدمة واحدة، مثلما في 11/‏ 9، تؤدي إلى وقفة. فلم يفض فيروس كورونا إلى أن توقف كوريا الشمالية استفزازاتها في المنطقة منزوعة السلاح أو أن توقف برامج اختبارات الصواريخ، ولم يدفع جمهورية إيران الإسلامية إلى التخلي عن برنامجها النووي، ولم يوقف جهود الصين الرامية لخلق «وضع راهن جديد» في بحر جنوب الصين ولا جعل روسيا تترك القرم. ومن ثم لن يكون فيروس كورونا المبدأ المركزي المنظِّم، بل محض عامل إضافي على الدول أن تتعامل معه وهي ترسم ملامح سياساتها الخارجية.
ولن يحدث بصفة آلية أن تنظر جميع البلاد نظرة واحدة إلى الضرر الناجم عن الوباء. بل إن ما رأيناه بدلا من ذلك هو مزيج من التعاون والتصادم، قائم على كيفية تقدير كل قوة لمصالحها. فالصين وروسيا لن تترددا في الاستفادة من أي فرجات تظهر نتيجة للصدوع الناجمة عن فيروس كورونا في علاقات الولايات المتحدة بحلفائها، والولايات المتحدة لن تشعر بالإحباط إذا تسببت تحديات التواؤم مع الوباء في توترات كبيرة لشي جين بنج أو فلاديمير بوتن في ما يتعلق بحكمهما الداخلي. وقد ألقت الصين ورقتها الأولى إذ شجعت أوروبا على النأي بنفسها عن الولايات المتحدة، بينما ترجو الولايات المتحدة أن تشهد أعقاب الوباء مزيدا من القوة لدعاوى الانفصال بين الغرب والصين.
ذلك ما يجعلني أتشكك في أننا على شفا تحول هائل في العلاقات الدولية. ففيروس كورونا لا يعدو «بجعة رمادية» ـ ونحن منذ سنين نتوقع أن مرضا معديا هائلا قد يظهر على نطاق عالمي، حتى لو لم نعلم السبب والتوقيت الدقيقين. ولو أننا في فترة جديدة من العلاقات الدولية، ولو أننا لم نعد في عالم ما بعد الحادي عشر من سبتمبر، فإن التحول يجري منذ فترة على نحو تدريجي. والوباء لن يكون نهاية التنافس داخل النظام العالمي الفوضوي ـ كل ما هنالك أنه سوف يصبح محض عنصر جديد.


كاتب المقال محرر في ناشونال إنتريست
نشر المقال في ناشيونال إنترست بتاريخ 5 مايو 2020