الاقتصاد وكورونا والمستقبل

مرتضى بن حسن بن علي –

عندما بدأت أسعار النفط بالانخفاض اتجهنا إلى أسهل الحلول بداية، أي إلى الاقتراض. هذا الحل سهل بداية ولكنه مع استمراره يتحوّل إلى مشكلة معقدة، ولا سيما أن الاقتراض كان لتمويل الاستهلاك وتلك من أخطر الأمور في أية دولة. نحن نقترض من أجل تمويل رواتب القطاع العام والإنفاق المتكرر.

الأزمة التي تواجهنا في الوقت الحالي تختلف كثيرا عن أي أزمة سابقة مرت علينا، فالتداعيات الناتجة عن تزامن تفشي فيروس كورونا المستجد مع التراجع الحاد في أسعار النفط، خلق تداعيات اقتصادية ومالية واجتماعية أعمق بكثير مما يبدو للكثيرين من أول وهلة، كل ذلك يستوجب التفكير بعقلية مختلفة قائمة على تقويم كل مساراتنا بشكل جذري وجوهري، والإدراك بعدم وجود حلول سحرية وسهلة، عامل الوقت مهم جدا للتعامل مع هذا الموضوع، وكلما تأخرنا في التعامل مع المشاكل، قلت فرص نجاحنا في تلك المواجهة، وزادت تكاليفها المالية والاجتماعية، ومن الصعب تجنب التداعيات إذا لم نتخذ الخطوات الضرورية.
هناك على سبيل المثال أعداد كبيرة من الشركات سوف تعاني من حالة الإعسار، وقد تؤدي بها إلى حالة الإفلاس، فمجموع الرواتب والأجور التي تدفعها ١٨ ألف شركة فقط من مجموع الشركات المسجلة في عمان تبلغ نحو ١٧٥ مليون ريال عماني شهريا، أي نحو مليارين ومائة مليون ريال عماني تُدفع سنويا للقوى العاملة الوطنية فقط، وهذا المبلغ الضخم يعادل تقريبا مجموع الرواتب والأجور المدفوعة لجميع الموظفين في الحكومة في عام ٢٠١٠م.
هناك نحو ٢٥٠ ألف موظف عماني يعملون في ١٨ ألف مؤسسة وشركة تجارية فقط من مجموع الشركات العاملة في عمان، إضافة إلى ذلك، تقوم الشركات المذكورة بدفع مبلغ أكثر من ٢٦ مليون ريال عماني إلى صندوق التأمينات الاجتماعية كجزء من مساهمتها في الصندوق، وإذا واجهت تلك الشركات أية صعوبات تفوق قدراتها، وإذا ما تم تسريح أعداد كبيرة من الموظفين، سوف نعاني من مجاميع متزايدة من الباحثين عن عمل يضافون لأعداد الباحثين عن عمل الموجودين فعلا، والذين يزدادون سنويا، وعندئذ سوف يكون من الصعوبة مواجهة الموقف.
ولكن قبل التوجه إلى أية حلول، علينا التأكد من نجاحها، وتجنب الحلول السهلة التي ستفاقم المشكلة وتزيدها تعقيدا، وذلك يتطلب القيام بتشخيص المشاكل من المختصين، وقبل ذلك علينا القيام بشرح الموقف الصعب للمواطنين بكل وضوح.
يقال في الطب إن الاعتراف بالمرض يشكل الخطوة الأولى للذهاب إلى الطبيب تمهيدا للتشخيص والعلاج ومن ثم الشفاء، ونفس القول ينطبق على «الأمراض الاقتصادية والمالية والاجتماعية». تشخيص المرض هو نصف العلاج، ولكن قبل التشخيص يستوجب من المريض توصيف المرض بدقة وربط الظواهر والأعراض والأسباب بعضها بالبعض، لتكون لدى الطبيب فكرة عن نوعية المرض. خطوات العلاج تأتي بعد الوصول إلى تشخيص سليم من فريق من الأطباء الأخصائيين. ووسائل الفحص للوصول إلى التشخيص الناجح ما لها بداية ولا نهاية.
وتزخر أجهزة الإعلام المختلفة بتصريحات حكومية وغير حكومية، ومن اقتصاديين وغيرهم تحاول تشخيص طبيعة الأزمة الاقتصادية والمالية والاجتماعية وتداعياتها وترجعها إلى أسباب تراها، ومن ثم تعددت الآراء عن وسائل العلاج وأدواته بتعدد تلك الآراء، فبعض «المتفائلين» يرجعونها إلى الانخفاض في أسعار النفط ويفتون أنها مجرد دورة نفطية من التي عرفناها سابقا، وأنها سوف تنتهي وترتفع أسعار النفط من تلقاء نفسها وترجع الأمور إلى طبيعتها، دون أن تدرك أن النفط بحد ذاته هو سبب الداء، وأن الإفراط في الاعتماد عليه، سبب لنا كل هذه المشاكل.
والذين ينتظرون صعود أسعاره من دون اتخاذ أيه إجراءات أخرى فإنهم يؤخرون ظهور الأعراض القوية ويتجنبون المعالجة الجذرية للأزمة الاقتصادية والمالية، وينسون أن المشكلة بطبيعتها هيكلية وأن هناك خللا في الاقتصاد وفي كيفية صرف المال العام. إنه المنطق الذي ساد منذ خريف عام ٢٠١٤ عند هبوط أسعار النفط وحال دون اتخاذ إجراءات احترازية وهو استمرار لموقف يتكرر بصورة مستمرة منذ عقود عديدة والذي وقف حاجزا يمنع تنويع مصادر الاقتصاد وبناء قوة بشرية ذات تعليم ومهارات عالية.
إنهم يتمثلون بقول الشاعر أبي نواس:

دع عنك لومي فإن اللوم إغراء
وداوني بالتي كانت هي الداء
لا توجد هناك حلول سحرية. نحن لا نملك الخاتم السحري لكي نفرك به مصباح علاء الدين ليخرج المارد من كهف العجائب ويقول: « شبيك لبيك» كما لا نملك طريقة لكي تتحقق مناداتنا؛ «افتح بابك يا سمسم».
علينا أن لا نكون صانعي أحلام وبائعي أوهام، فما أكثر هذه البضاعة في خطابنا؟
علينا أن ندرك صعوبة رجوع الأسعار إلى مستوياتها السابقة وأن نتعامل مع تلك الفترة على أنها الاستثناء وليست القاعدة، وتخفيض مستوى النفقات العامة ونوعيتها. علينا الافتراض بأن القاعدة هي الوضع القائم وبناء تصوراتنا ورسم أهدافنا على أساسه. الاعتماد على النفط فقط هو المسؤول عن عدم وجود مجتمع نشط اقتصاديا.
لكل داء دواء، ولن تفيد أكثر الأدوية فعالية إذا كانت غير مناسبة لطبيعة الداء، كما أن الأدوية المناسبة لن تنفع إذا كانت الجرعات غير مناسبة، أو إن المرض ربما انتقل من طور إلى آخر أكثر تعقيدا، وعلاجه قد يحتاج إلى أدوية مختلفة وبجرعات أكبر.
وكل ذلك يتطلب إجراء تعديل جوهري لتوقعاتنا، حكومة ومواطنين، ودراستها وتحديدها ومن ثم الانتقال لمرحلة تحسين الإيرادات من خارج الإيرادات النفطية عن طريق تنويع مصادر الدخل وتخفيض مستوى النفقات بشكل جوهري.
خلال الفترة الماضية اعتمدنا على فائض الإيرادات النفطية لإشباع الحالات الضرورية وغير الضرورية. لم يعد هذا ممكنا وعلينا إيصال تلك الرسالة بطريقة واضحة للجميع وتوضيح أسباب العجز المتراكم والمتصاعد والذي لا يسمح بالإيفاء بكل تلك الاحتياجات. ثم علينا البدء بإيجاد المواطن المنتج وتزويده بأعلى المهارات لكي يكون قادرا على المنافسة داخل عمان وخارجها.
لقد تمت التضحية بأنظمتنا التعليمية وكانت نتيجتها أنها أثرت سلبيا أمام نمو قدراتنا الذاتية وأثرت على نشوء قطاع خاص كبير ومنتج، كما تم فتح الباب على مصراعيه للتوظيف في القطاع العام من دون وجود الحاجة إلى ذلك مثلما أوضحته تجربتنا مع فيروس كورونا.
عندما بدأت أسعار النفط بالانخفاض اتجهنا إلى أسهل الحلول بداية، أي إلى الاقتراض. هذا الحل سهل بداية ولكنه مع استمراره يتحوّل إلى مشكلة معقدة، ولا سيما أن الاقتراض كان لتمويل الاستهلاك وتلك من أخطر الأمور في أية دولة. نحن نقترض من أجل تمويل رواتب القطاع العام والإنفاق المتكرر. لقد ارتفع سقف الرواتب من 2.5 مليار ريال في عام ٢٠١١ ليصل إلى نحو 6.1 مليار ريال في عام ٢٠١٧، وربما ارتفع الآن أكثر. وبند الرواتب في القطاع العام من أكبر أسباب العجز والقروض والسحب من الصندوق الاحتياطي للدولة لتمويل العجز. لقد تم تعيين ١٣٠ ألف موظف جديد في القطاع العام منذ عام ٢٠١١، منهم ٧٠ ألفا انتقلوا من القطاع الخاص مسببين تخفيضا في أعداد العاملين المواطنين وانخفاض نسبة التعمين في القطاع الخاص.
حالة الاقتصاد حرجة جدا ولا تجدي أو تصلح معها أية مسكنات تسكن الآلام مؤقتا. الحاجة الآن أصبحت ماسة وواجبة للتدخل الشامل والصريح والجاد، وإجراء إصلاح شامل للاقتصاد ومنظوماته، وما يؤثر فيه وعليه من أجل مستقبل أفضل لأجيالنا القادمة.