«عزلة كورونا» وتعزيز الخيال والقيم الإبداعية

طرحت الأزمة العالمية الراهنة العديد من الأفكار في مختلف المجالات الإنسانية والإبداع بشكل عام، من حيث إعادة النظر والتأمل في مفاهيم عديدة، حيث أتاحت العزلة للمفكرين والفلاسفة والكتّاب وغيرهم من فئات مشتغلة على المجالات الإبداعية والكتابة وتجديد الفكر الإنساني على رؤية القضايا بشكل مختلف عما كان سابقا، وجاء ذلك بفعل الوقت المدخر وطبيعة الوضع الراهن الذي فتح الذهن ربما لأسئلة لم تكن مطروحة أو تخطر على البال من قبل.
بشكل مختصر يمكن القول بأن حركة الإبداع بشكل عام تتجه اليوم إلى مسارات جديدة ستكون بعد انتهاء هذه الجائحة بإذن الله، قد اكتسبت – هذه الحركة – طبيعة ربما مختلفة عن الأمس، بما يفتح التأمل الجمالي والإبداعي لرؤى جديدة يكون لها دور حقيقي بفاعلية أكبر في مجمل قطاعات الحياة الأخرى، إذ طالما شكل الإبداع والفن مدخلا إلى التخيل والاقتراب من فهم الكثير من الأمور المعقدة.
من المدرك أن الخيال هو المحفز الأساسي والمركزي لمجمل حراك الإنسان في هذا الكوكب منذ القدم، وأن الكائن البشري وعبر الخيال استطاع أن يمضي إلى مساحات بعيدة من السيطرة على الأشياء من حوله، لكن جائحة كورونا (كوفيد 19) وضعت هذا الخيال وتجربته المتراكمة عبر القرون في اختبار، فماذا يعني أن يتوقف الجميع حائرين أمام هذا الفيروس وهم يبحثون عن لقاح مثلا، أو فهم الطريقة التي ولد بها هذا الفيروس أصلا ومن أين جاء وكيف كانت لحظة البداية الأولى له؟
كل ذلك يعني أننا أمام عالم لا يزال معقدا وأن الإبداع والتخييل لابد له أن يؤدي أدوارا أكبر، مع الوضع في الاعتبار أن الاقتصاد والسياسة وكافة العلوم في نهاية الأمر إذ خلت من الخيال لم تتقدم بل تكلست وتوقفت.
ومن هنا فثمة مهمة تنتظر كل العاملين في هذه المجالات الابتكارية بأن يقدموا من خلال تجربة الراهن ما يجعل العالم ما بعد كورونا ينتج خيالا جديدا قادرا على تحريك الواقع نحو المزيد من الفاعلية، بما يمكن الإنسان بشكل عام من الاستفادة من كل الأدوات التي تكون بجواره كذلك الموارد المتاحة. إذ كأنما العالم يتطلب اليوم معرفة جديدة تعيد التفكير في الكثير من المكتسبات والقيم التقليدية بما يهيئ الأفق لحياة أكثر سعادة ورخاء وأن تسيطر أفكار مهمة ومؤثرة في كافة الأصعدة من أسلوب التعليم إلى كيفية إدارة أساليب العمل والإنتاج والاقتصاد عموما.
إن العزلة التي فرضت على أكثر من سكان كوكب الأرض وهي تاريخية بكل المقاييس، سيكون لها ما بعدها من نتائج بلاشك، ونحن هنا في السلطنة نريد استثمار هذه الأزمة بحيث نخرج منها إلى أفق رحب من البناء والتنمية الإنسانية الشاملة في كافة مناحي الحياة، بحيث يكون لنا أن نعزز الإيجابيات من خلق مواجهة التحدي والقدرة على الإدارة بأوجه غير تقليدية بما يحقق مكتسبات أكبر مما كان عليه الوضع في السابق. فثمة حاجة للجميع من شعراء ورسامين ومصورين وفنانين في المساهمة لأجل عالم أفضل.