الوقت المناسب لإظهار الوحدة الإنسانية

إميل أمين –

بعيدًا عن السياسة وإشكالياتها، وكورونا وكوارثها التي تلاحق البشرية، يأتي شهر رمضان ليستنقذنا من آلام هذا الدهر الحاضر، وينقلنا إلى مستوى مغاير من التفكير الروحاني في حال البشرية التي تباعدت كثيرا جدا، وها قد حان الوقت لتكتشف من جديد أنها مدعوة لحياة الإخوة الواحدة والمشتركة.
ذات مرة تحدث الفيلسوف الفرنسي (بارون دي مونتسكيو) قائلا: (إن التاريخ مليء بالحروب الدينية ، لكن يجب أن نهتم بملاحظة أن تعدد الأديان لم ينتج هذه الحروب، وإنما الروح غير المتسامحة هي التي حرّكت ذلك الذي أعتقد أنه يمتلك القرار).
في رمضان زمن التسامح والتصالح، وزمن حوار السماء مع الأرض، ربما ينبغي علينا أن نراجع بعضًا من أوراق كتاب الكاتب والمفكر الأمريكي (كيلي جيمس كلارك)، والمعنون (أبناء إبراهيم)، وعنده أنه بجانب الحجج اللاهوتية، والأخلاقية، والفلسفية لبناء حالة من التواصل بين الحضارات، يجب علينا كذلك أن نحاول حل القضايا الراسخة في جوهر المشكلات الحقيقية.
في رمضان يتأكد العالم أن الأديان ليست هي السبب الرئيس في الخلافات والصراعات، ذلك لو أن المشكلات بين الحضارات ثقافية ودينية، كما يزعم هنتنجتون، ستكون أديانا مختلفة هي سبب صدام الحضارات.
لكن هذا الزعم يغفل الأبعاد الاقتصادية الأساسية للمشكلات بين الغرب والدول المسلمة.
من جانبه يرفض الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني (يورغن هابرماس)، زعم هنتنجتون لأنه يعتقد أن سبب الاعتلالات التواصلية الذي سببته العولمة ليس ثقافيا بل هو اقتصادي.
والشاهد أنه من منظور الاعتقاد والتراث الثقافي، فإن الحضارتين الغربية والإسلامية المستخلصتين من التقليد الإبراهيمي أقرب لبعضهما البعض من الحضارات الأخرى في العالم.
هنا يدلل هابرماس على صدق توجهه هذا بأنه لو كانت لجماعات دينية أن تمارس أفعالا عنيفة بسبب الدين أو الاختلافات الثقافية ، فأنهم سيكونون أكثر ميلا لمهاجمة اليابان أو الصين، حيث تكون الأديان الخاصة بهم مختلفة بشكل جذري عن الإسلام، أو لو أنهم كانوا يمارسون العنف ضد دول محددة فقط لأنها غربية أو مسيحية، سيكونون على الدرجة نفسها من العنف ضد السويد أو البرازيل.
والثابت أنه على الرغم من تباين التقاليد الإبراهيمية، إلا أنها تتشارك بعض الاعتقادات الأساسية التي هي تأسيسية للتسامح واحترام الاعتقادات الأخرى والناس الآخرين.
هذه الاعتقادات لا يمكن فقط ، بل يجب أن تحفز أنماط التسامح والاحترام تجاه المؤمنين أصحاب الاعتقادات الأخرى، وتدعم أنماط التفاهم المشتركة للعدالة المقدسة، بجانب الحب، التسامح الديني.
إن إيجاد أرض مشتركة سيكون أمرًا طبيعيًا للغاية، إننا نميل للتركيز على الاختلافات بين اعتقاداتنا واعتقادات الأديان الأخرى، إن هذا غالبا يقود للتفكير في المؤمنين الآخرين باعتبارهم معدومي الإيمان، وعصاة، وربما حتى غير مكتملين إنسانيا، وبما أنه قد تم تشويه سمعتهم والتقليل من احترامهم، يصبح تجاهلهم واضطهادهم، بل وحتى قتلهم أسهل من ذي قبل.
هل الوقت الحالي الذي يعيش العالم فيه أزمة كبرى، هو الوقت القيم الذي ينبغي على أبناء إبراهيم إظهار وحدتهم على أكثر من صعيد؟
يمكن بداية أن يرفع الجميع أكف الضراعة إلى الله لطلب الرحمة الإلهية أول الأمر، وهذا أمر يجمع أبناء الأديان الإبراهيمية جميعا، وما من شيء يفرّق بينهم.
غير أنه على الصعيد الحقيقي العملي والفعلي يبقى هذا هو وقت إظهار الوحدة الإنسانية لأبناء الأديان، وحدة تبدأ من عند البحث العلمي المشترك، من أجل إيجاد المصل اللازم أو العلاج الناجع لمكافحة هذا الفيروس القاتل على مستوى العالم، والذي بدونه تبقى البشرية في طريق المخاطر الكارثية التي لا يعلم إلا الله نهايته والأكلاف التي ستنجم عنه.
في هذا التوقيت يعظم التواصل والحوار والجوار بين البشرية برمتها من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، تواصل ينشد تقديم يد العون، بعيدا عن العصبيات القاتلة أو الشوفينيات المهلكة، فأما أن تنجو البشرية معًا، أو تغرق معًا.
هل هذه لحظة ضعف للبشرية؟
يمكن أن تكون على خلاف ذلك، بمعنى أنها قد تكون لحظة قوة، وعلى الأديان الإبراهيمية في أقصى لحظات قوتها أن توجد التواضع والرحمة عوضا عن التكبر والكراهية البينية في حالة مموني التعصب.
في رمضان علينا أن نذكر بعضنا مسلمين ومسيحيين ويهود بأن إبراهيم كان اعتقاده في إله رحيم ضابط الكل، وأن الاستسلام لمشيئته هو الطريق للاستقامة الإنسانية.
في هذه الأوقات الروحانية من الشهر الفضيل ينبغي أن يستخرج الجميع من أضابير التاريخ القيم المشتركة الخلاقة والإيجابية، وأهم ما فيها الاعتقاد بأن كل البشر خلقهم الله وأمدهم بالعقل.
هذا الفهم للإنسان الذي تتشاركه اليهودية والمسيحية والإسلام على السواء يساند بشكل معنوي تصورًا للإنسان بوصفه حاملًا لقيمة جوهرية لا تقاس، يدعم هذا الفهم المتين لقيم الإنسان كما يرى كلارك، إحساسا سليما بالاحترام تجاه الأشخاص الآخرين، حتى عندما يختلفون معك فيما يتعلق بأمور ذات أهمية أساسية، تؤطر هذه القيمة المغروسة بشكل مقدس الاحترام تجاه الأشخاص، وهو الاحترام المطلوب لتحقيق التسامح.
في هذه الأيام الروحانية علينا أن نتطلع إلى كل ما يجمع لا ما يفرّق، وأن نمضي في الطريق وراء الفيلسوف الفرنسي (جاك دريدا )، في دعوته لتشكيل العملية التواصلية على عديد المستويات دون مساعدة الأمم المتحدة أو تحديداتها. هؤلاء الذين يتوقون للسلام من كل جانب، عليهم تجاهل هؤلاء الشاردين عن سواء السبيل والخارجين عن الطريق المستقيم.
ومع دريدا ترتفع الدعوات العقلانية الساعية إلى محاولة تخليص الواقعين تحت أسر الدوغمائية العنيفة، عبر أفضل الطرق، أي فتح أبواب الحوار وإقامة معسكرات الجوار معهم وبالقرب منهم.
من يبغي الحوار لا ينبغي له أن يغلق أبواب الإنسانية المختلفة في وجه أحد ولأي سبب كان، وهي أبواب عديدة اقتصادية واجتماعية، سياسية وأمنية. حتما حين تحط كورونا أوزارها سوف يستيقظ العالم على العديد من الحقائق وفي المقدمة منها أن مسألة التحرير لا تتوقف عند حدود أو سدود أراضي الوطن، إذ يبدأ التحرير الفعلي من عند العقل، سيد الكل، مصباح ديوجنيس في الماضي والحاضر.
في رمضان ينبغي علينا أن نشجع لغة الحوار عوضا عن لغة العنف، والاقتراب بديلا عن الاغتراب، وأن نجد طريقا مضيئا يجمع ما بين العقل والنقل.
لو أمكننا تحرير أنفسنا من لغة الخطابة التي يتم استخدامها كأداة تسويق العنف، فإننا حكما سوف نتمكن من التخلص من عقبة كبيرة على الطريق نحو الحوار والسلام. ميادين العمل الفكري ومسارات التضامن الإنساني مفتوحة على كل الأبواب.. إنه رمضان ..شهر البركات..