بعد خفض الحظر.. هل يكفي الوعي المجتمعي لمواجهة كورونا؟

فتحي مصطفى –

إن ما حمل الحكومات على خفض إجراءات الحظر أو التخفيف منها، جاء نتيجة تعرض اقتصادات دولهم إلى هزات شديدة، جراء الشلل الذي أصابها من وقف حركة التجارة العالمية أو تقويضها، ووقف رحلات الطيران إلا في الحدود القصوى، وغلق الحدود،

في ضوء عدم توافر يقين تام أو مدى زمني محدد لاستمرار أو انتهاء أزمة فيروس كورونا «كوفيد-19»، وفي ظل الجهود الكبيرة التي يبذلها العلماء في المراكز البحثية على مستوى العالم، والتي لم تفرز أو تسفر حتى الآن عن مصل أو دواء ناجح بنسبة 100٪ يمكن اعتماده كعلاج للحالات المصابة أو أي حالات أخرى تستجد، ومع الخسائر الفادحة التي تكبدتها الدول بسبب فرض إجراءات احترازية لمنع تفشي الفيروس وتزايد عدد الإصابات والوفيات، اتجه عدد من الدول إلى تنفيذ خفض جزئي للإجراءات لديها، وذهبت أخرى إلى العودة للحياة الطبيعية تدريجيا، ودول ثالثة وضعت شرطا لتخفيف هذه الإجراءات وهو ثبات منحنى الإصابات أو انخفاض معدلات الإصابة.
ومثال ذلك ما أعلنته المستشارة الألمانية «أنجيلا ميركل» من خفض لبعض القيود المفروضة في بلادها والتي بدأتها بفتح ملاعب الأطفال والمتاحف والكنائس وأماكن العبادة الأخرى، شريطة الالتزام بقواعد التباعد الجسدي في الأماكن العامة، تفاديا لقفزة في أعداد المصابين! فضلا عن وجود خطوات أخرى جديدة للتخفيف سيتم الإعلان عنها لاحقاً، جدير بالذكر أن عدد الإصابات في ألمانيا وصل ـ وقت كتابة هذه السطور ـ إلى 159 ألف شخص، وبلغت الوفيات فيها 6300 شخص.
ولعل ما دفع الحكومات إلى اتخاذ مثل هذه الخطوات هو وجود إجماع بين كبار العلماء والباحثين والحكومات على مستوى دول العالم، أن فكرة القضاء على فيروس «كورونا» غير مطروحة في الوقت الحالي نظراً لعدم وجود علاج مضاد له، وبروز فكرة أن يصبح الفيروس وباء يتعايش مع الناس لفترات طويلة، بل ويصبح موسمياً مستمراً بوجوده داخل أجساد البشر، على الرغم من كل عمليات الإغلاق التي كبدت العالم خسائر كبيرة، وباتت عبئاً ثقيلا على ميزانيات بعض الدول، ووصول بعضها إلى حافة الانهيار.
وبين هذا وذاك، نجد أن معظم حكومات هذه الدول راهنت على الوعي الصحي لشعوبها، في توخي خطر الإصابة واتخاذ التدابير اللازمة لمنع انتشار عدوى المرض عبر تنفيذ وصايا منظمة الصحة العالمية والتي كان أبرزها ما يعرف بالتباعد الاجتماعي.
وأرى أن ذلك يعد قنبلة كارثية قد تضرب العالم بأسره، إذ ليس من المعقول بعد إجراءات حظر التجوال والعقوبات التي فرضتها بعض الدول، على من يكسر الحظر أو يخالفه، وانتشار القوات الشرطية والعسكرية في الشوارع لتنفيذها، مثلما كان الوضع في إيطاليا على سبيل المثال لا الحصر، إذ لم يكن متاحاً لأي شخص التجول في الشارع، حتى لشراء بعض مستلزماته الضرورية، إلا بعد حصوله على تصريح للذهاب إلى الصيدلية أو محلات «السوبر ماركت» لشراء احتياجاته والعودة مرة أخرى، تحت أعين قوات الأمن، ومع ذلك كانت الأعداد في تزايد مستمر. فكيف إذن المراهنة على وعي الشعوب في تنفيذ فكرة التعايش مع المرض واللجوء إلى التباعد الاجتماعي بصورة طوعية!
معلوم أن ما حمل الحكومات على خفض إجراءات الحظر أو التخفيف منها، جاء نتيجة تعرض اقتصادات دولهم إلى هزات شديدة، جراء الشلل الذي أصابها من وقف حركة التجارة العالمية أو تقويضها، ووقف رحلات الطيران إلا في الحدود القصوى، وغلق الحدود، وتوقف عمليات الاستيراد والتصدير وغيرها الكثير من الأنشطة الضخمة على مستوى الدول، أو داخليا على مستوى المصانع والمحال التجارية والورش والمطاعم وغيرها.
وقد اتخذت بعض الدول كمحاولة للحفاظ على صحة مواطنيها وفي الوقت ذاته تيسير أمورهم، تدابير وشروطا للحصول على بعض الخدمات مثل خدمات السجل العقاري والمرور ومصالح التوثيق وخلافه وهو عدم تقديم هذه الخدمات أو الدخول إلى هذه الأماكن إلى بعد ارتداء كمامات، قد يكون ذلك مفيدا داخل هذه الأماكن، لكن الأخطر هو الاختلاط الخارجي، وعودة التجمعات الأسرية والتزاور ولو على نطاق ضيق، وما يزيد الأمر تعقيداً أن المصاب حديثاً بالفيروس قد ينقل العدوى لأكثر من شخص دون أن يدري وبالتالي اتساع نسبة الإصابة.
شيء آخر مهم في ظل نظرية التعايش مع الفيروس، وهو موسم عودة المدارس، فهناك عدة تدابير محكمة وحاسمة يجب التفكير فيها والعمل عليها تلافيا لنقل العدوى، لأن التجارب أثبتت أن الأطفال ناقلون جيدون للعدوى، ومع تصور الأعداد الكبيرة للطلبة والتلاميذ في المدارس واحتكاكهم بشكل يومي، وعدم توفر الوعي الكافي لسبل الوقاية لديهم نظرا لحداثة أعمارهم، سيزيد من الأزمة، وقد يوسع من دائرة العدوى.
وثمة إجراء يمكن تنفيذه من شأنه الحد بعض الشيء من انتشار العدوى، وهو فرض غرامات فورية على من يتم ضبطه في الشارع ولا يلتزم بقواعد الوقاية الصحية كذلك التجمعات، أو من لا يرتدي قناع الوجه «الكمامة»، إلا أن ذلك قد يكون مكلفا نسبياً لبعض الفئات، كما أن فئات أخرى ربما لا تستطيع شراء هذه الكمامات بشكل يومي نظرا لمحدودية دخولهم، في الوقت الذي يظل الحديث عن الكمامة في الأساس مشكوكا فيه وعليه اختلاف هل هي للمريض أم للعامة.

ولعلي أطرح فكرة أرى أنها منطقية وتساعد كثيراً في هذا الشأن، وهي إيعاز الحكومات لكبرى الشركات- أو إجبارها إذا لزم الأمر- بتخصيص جزء من دعاياتها وتوجيهه إلى المساهمة في الأمور الوقائية على سبيل المثال توزيع الكمامات مجاناً في الشوارع والأماكن العامة والتجمعات، مقابل طبع دعاياتها أو رموز شركاتها أو صور لمنتجاتها عليها كنوع من الترويج، أعتقد أن الفكرة ستكون مجدية لأنها غير مكلفة إذا ما قورنت بتكلفة إعلانات الصحف أو التلفزيون، وبالنسبة للشركات سيتحقق المثل القائل: «عصفوران بحجر واحد»، الأول هو تقديم فكرة وصورة جديدة للدعاية سيكون لها صدى أكبر، والهدف الثاني هو أن الشركة تكون قد قامت بدورها الذي يتعلق بالمسؤولية المجتمعية.
فهل سيكون الرهان على الوعي الصحي للشعوب مجديا.. سؤال مهم ستجيب عنه الإحصائيات خلال الأيام والأسابيع المقبلة.