الإرهاب فى ظل الجائحة.. إلى انحسار أم صعود؟

د. عبدالعاطي محمد –

إن تفشي الوباء أحدث أزمة اقتصادية قاسية على الجميع، والمعروف أن التمويل يشكل عنصرا مهما في نجاح أو فشل التنظيمات الإرهابية. وقطعا انعكس التراجع الحاد في الأوضاع المالية على المجتمعات والدول، على تراجع الفرص المتاحة أمام التنظيمات لاستمرار الدعم المالي، وبناء عليه من المنطقي أن ينحسر النشاط الإرهابى.
يرتبط نشاط التنظيمات الإرهابية بالفرص المتاحة أمامها من جهة، وبالقيود التي تواجهها من جهة أخرى. وفي هذا الإطار نظرت هذه التنظيمات لجائحة كورونا على أنها واحدة من الفرص التى يتعين عليها استغلالها سريعا بالنظر لما تمثله من إنهاك لقوى الدول بما لا يجعلها مستعدة لتحمل أعباء أخرى كمواجهة الأنشطة الإرهابية. ولكن اتساع انتشار الفيروس وارتفاع أعداد الضحايا بما جعله عالميا، أي يصيب الجميع، بما يعني إمكانية وصوله لأعضاء هذه التنظيمات ومن ثم الفتك بهم، شكل جانبا من القيود على نشاطاتها، عكسته خطاباتها عندما حضت أعضاءها على الاهتمام أولا بالحفاظ على صحتهم بتنفيذ عدد من الإجراءات الاحترازية، وعدم القيام بعمليات جديدة حاليا، انتظارا لتطورات انتشار الفيروس ومصيره.
ومن واقع دراسات خبراء التنظيمات أو الجماعات الإرهابية فإن معادلة: الفرص- القيود الحاكمة لنشاطها تستند دائما لمعطيات الوضع الذي تعيشه في مرحلة ما سواء فيما يتعلق بظروفها الذاتية أو بالبيئة المحيطة. ولذلك فإن ما يصدق من تحليل بالنسبة لحاضر نشاط التنظيمات الإرهابية في مرحلة الإغلاق للاقتصاد أو الحجر الكلي والجزئي لمختلف أنشطة الحياة لأكثر من 184 دولة (عدد دول العالم عام 1993)، يختلف عما يمكن أن يكون عليه الحال إذا ما تم إلغاء الإغلاق أو العودة إلى ما يسمى الحياة الطبيعية الجديدة التي ستختلف بوضوح عن المعروف لدى الكافة عن الحياة الطبيعية، وذلك لأن كثيرا من المعطيات ستتغير. ولكن المتفق عليه إلى حد معقول أن هناك عوامل حاكمة تؤدي إلى انحسار أو صعود مثل هذه التنظيمات بغض النظر عن الشكل الذى يبدو به هذا الانحسار أو الصعود، وكلها فى الحقيقة تتفرع عن معادلة: الفرصة- القيود.
ومن ذلك الإطار الفكري (العقيدة السياسية)، والإمكانيات المادية (التمويل)، واللوجستية (توفير عديد التسهيلات بالنسبة للإعاشة وحركة التنقل والاختفاء) والقيادات أو الزعامات والأتباع أو الحاضنة الشعبية. وقد تختلف الرؤية لهذه العوامل الحاكمة من فترة لأخرى، كما تختلف صور التطبيق، ولكن المهم هو أن تستمر قدرة هذه التنظيمات على التكيف مع الظروف والتحلي بالمرونة، والأهم هو الحفاظ على الموارد (لأن المشروع السياسي يحتاج إلى زمن طويل).
الخطابات الأولى لأبرز التنظيمات الإرهابية كالقاعدة وداعش في أول ردود الأفعال على ظهور فيروس كورونا قالت ما معناه أن الجائحة عقاب إلهي للغرب (الصليبي) على ظلمه للآخر المسلم وشيوع الانحلال الأخلاقي، وأنها جاءت داعمة لرسالة هذه التنظيمات التي تسعى إلى إرشاد الأمة الإسلامية وتوعيتها بالإسلام الصحيح!
وقتها لم يكن الفيروس قد انتشر عالميا كما حدث فيما بعد، ولكنه (منذ يناير 2020) كان قد بدأ يضرب بقوة دولا غربية مهمة مثل إيطاليا وأسبانيا مما عزز ادعاءات هذه التنظيمات. ومع تغير الحال بمرور الوقت من حيث اتساع انتشار المرض والارتفاع المطرد للوفيات بما جعل الجائحة أشد الكوارث التي واجهت البشرية جمعاء دون أي شكل من أشكال التمييز، غيرت التنظيمات الإرهابية من موقفها وتحولت من الشماتة في الغرب وبث الكراهية ضده بين أعضائها كجزء من خطة التعبئة، إلى التعامل بواقعية شديدة دون التخلي عن هدفها الرئيسي وهو استمرار العمليات الإرهابية.
وفي هذا الإطار ركزت الآلة الإعلامية لكل من القاعدة وداعش على توجيهين هما عدم القيام حاليا بعمليات إرهابية في أوروبا، والعناية بالإجراءات الصحية الاحترازية (مثلها مثل بقية شعوب العالم!). وعلى مدى نحو أربعة أشهر لم تقم هذه التنظيمات بعمل يذكر أو ذي قيمة سواء في أوروبا أو في الشرق الأوسط وذلك تطبيقا لهذه التوجيهات.
من جهة أخرى ظل النشاط المعتاد من القاعدة أو داعش محدودا إن لم يكن منعدما سواء فى العراق أو سوريا أو ليبيا لأسباب تتعلق بتغير الأوضاع السياسية والأمنية لغير صالح التنظيمين قبل أن تظهر جائحة كورونا.
لم تكن المخاوف الصحية هي العامل الوحيد الذى دفع التنظيمات الإرهابية إلى دعوة أعضائها للتريث وعدم القيام بعمليات جديدة في ظل التطورات الراهنة لحالة انتشار جائحة الكورونا. وذلك لأن الجائحة أحدثت تغييرا في وضعية العوامل المشار لها سابقا فيما يتعلق بالفرصة – القيود، وهو تغيير فرض على هذه التنظيمات الدخول في مرحلة أشبه بالبيات الشتوي، وفي حالة استمرار نتائجه يتعدى كونه مجرد انحسار أو إرجاء للعمليات، إلى كونه الفصل الأخير فى نهاية نشاط التنظيمات الإرهابية البارزة كالقاعدة وداعش.
فقد أدى انتشار الجائحة، وفقا لما توصل إليه د. علي الدين هلال أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة فى مقاله بالأهرام بتاريخ 12/‏ 4/‏ 2020 إلى التوسع في سلطات الدولة بما يسمح لها بإحكام الرقابة على المجتمع وعقاب أفراده وهيئاته في حالة عدم الالتزام بما تصدره من قرارات بهذا الشأن واستند في ذلك إلى أن دولا كبرى اضطرت إلى إعادة استخدام قوانين قديمة جدا للتعامل مع أخطار الجائحة. لقد أصبح التمدد في سلطات الدولة أمرا قائما ومقبولا من المجتمع في ظل الوباء، وهو تطور يؤدي إلى إغلاق أبواب الفرص فى وجه التنظيمات الإرهابية. فبفعل هذه السلطات تم على سبيل المثال إغلاق الاقتصاد ووقف الرحلات الجوية والبرية والبحرية ووقف وسائل المواصلات العامة وإغلاق الحدود وكذلك الإغلاق الجزئي لمتاجر السلع والكلي للمطاعم ودور السينما.. ألخ، وكلها كانت أهدافا سهلة للجماعات الإرهابية، وعوامل مساعدة لتسهيل أي نشاط إرهابي، ومع اختفاء هذا وذاك لم يكن أمام هذه التنظيمات ما تفعله!
ولكن المعنى الأهم من وراء توسع سلطات الدولة هو أن تحركا كهذا من جانبها يشكل في حد ذاته تغيرا نوعيا في علاقة الدولة بالمجتمع جوهره أنه لن يكون مسموحا مستقبلا التغاضي عن حالة الفوضى السياسية التي ضربت بلدانا كثيرة تحت ذريعة حقوق الإنسان وسمحت بظهور قوى اجتماعية سياسية موازية للدولة أخذت صورة التنظيمات الإرهابية.
ومن جهة أخرى فإن تفشي الوباء أحدث أزمة اقتصادية قاسية على الجميع، والمعروف أن التمويل يشكل عنصرا مهما في نجاح أو فشل التنظيمات الإرهابية. وقطعا انعكس التراجع الحاد في الأوضاع المالية على المجتمعات والدول، على تراجع الفرص المتاحة أمام التنظيمات لاستمرار الدعم المالي، وبناء عليه من المنطقي أن ينحسر النشاط الإرهابى.
من جهة ثالثة اختفت قيادات مؤثرة للجماعات والتنظيمات الإرهابية من المشهد بعد أن تمت تصفيتها عسكريا، ومن هؤلاء أبوبكر البغدادي زعيم داعش ومن قبل بسنوات أسامة بن لادن زعيم القاعدة، ويؤثر الاختفاء على الوحدة الداخلية وكفاءة التنظيم وضعف الروح المعنوية إلى حد الابتعاد تدريجيا عن الولاء والانتماء للتنظيم. وقد جاءت أزمة كورونا في وقت لا تجد فيه هذه التنظيمات بديلا مؤثرا، وحتى الزعيم الجديد المفترض لداعش في العراق إبراهيم القرشي أصبح هدفا للقضاء عليه من جانب القوات الأمريكية وذلك بالإغراء على الكشف عنه مقابل أموال طائلة. ومن جهة رابعة كشفت مسألة تعاطي هذه التنظيمات مع مسألة الفيروس عن ارتباك فكرى – عقيدي من شأنه إضعاف قدرة التنظيمات على إقناع آخرين بالانضمام لها مستقبلا. فقد تسرعت بالترويج بين أعضائها أن ما حدث هو غضب من الله على الدول الغربية ثم عجزت بالطبع عن تأكيد هذا الزعم حيث كانت الحقائق من البداية تتعلق بأخطاء البشر وليس لها من قريب أو بعيد أبعاد دينية، وما زاد على ذلك أن جميع البلدان على اختلاف دياناتها ضربها الفيروس القاتل، والنتيجة بدا الخطاب كاشفا لهشاشة البناء الفكري بما يعني هز إيمان الأعضاء به. ومن اللافت في هذا السياق أن هذه التنظيمات عاشت زمنا طويلا على فكرة تكفير الحكومات والمجتمعات ومن ثم وضعت نفسها فى مواجهة صادمة مع الجانبين، والآن لا تستطيع العمل بهذه المقولة طويلا بعد أن وحدت الجائحة بين الحكومات والمجتمعات. ولم تعد الأخيرة طعما سهلا للآلة الدعائية لهذه التنظيمات المتطرفة.
تلك كانت ملاحظات تتعلق بالقيود التي تفرض انحسار نشاط التنظيمات الإرهابية في ظل وباء كورونا، ولكن مقتضيات استكمال أوجه التحليل للقضية تفرض استعراض وتقييم العوامل التي تشكل فرصا للصعود، وللحق هناك مؤشرات على توافرها، وهي مرتبطة بما يسمى العودة للحياة الطبيعية الجديدة. ومن ذلك أن هناك مشكلات اجتماعية ونفسية حدثت بسبب حالة الحجر المنزلي وفقدان الوظائف والتوقف عن ممارسة الرياضة والترفيه، هذا فضلا عن الاستغراق طويلا في كل وسائل الانترنت، وكل هذا يجعل الأشخاص أكثر قابلية للتجاوب مع الحملات الدعائية للتنظيمات الإرهابية مما يعني ضم أعضاء جدد. كما أن استمرار المرض مع الشعوب زمنا طويلا من شأنه أن يجعل المستشفيات أو دور العزل هدفا سهلا لتنفيذ عمليات إرهابية جديدة، لأنها تكاد تكون أكثر المناطق ازدحاما بالناس (المصابين) وليس المجالات القديمة المعروفة للازدحام. ويحدث هذا حتى لو عادت الحياة لهذه المجالات بشكل محدود واحترازي حيث يظل الازدحام قليلا ولا يوفر فرصة مؤكدة لنجاح عمل إرهابي تقارن بفرصة مؤكدة في حالة مهاجمة المستشفيات ودور العزل. إلا أن فرصا كهذه تظل محدودة بالمقارنة مع تعدد القيود السالف الإشارة إليها، ولذلك تظل سمة الانحسار هي الغالبة على مشهد العمليات الإرهابية. ولكن المشكلات الاجتماعية والنفسية التي نتجت عن شهور الحجر الكلي والجزئي، من شأنها إيجاد نوع آخر من الإرهاب الذي يتخذ شكلا عنصريا في بعض المجتمعات ذات التعدد الإثني أو العرقي بالنظر إلى تصاعد الكراهية من الأجانب (الحد من الهجرات) بزعم أنهم ينقلون الأمراض، وبسبب التباين في خريطة الإصابات حيث اشتدادها فى مواطنين من أصول عرقية معينة مثل الإفريقيين والأسبان اللاتينيين في الولايات المتحدة. وهكذا ينتقل التطرف السياسي العنصري إلى تطرف يمارس الإرهاب على الآخرين. وأخيرا هناك التأثير السيئ للصراع بين الولايات المتحدة والصين في مسألة الاتهامات المتبادلة عن مسؤولية ظهور الفيروس، فكلما زاد الانقسام العالمي بهذا الخصوص فرص حرية الحركة أمام التنظيمات الإرهابية. إلا أن كل هذه الملاحظات الأخيرة تظل تقديرات أو احتمالات لأنها تتوقف على ما يمكن أن يتغير في سلوك الشعوب وهي مضطرة للعيش في حالة من القيود الحياتية، وعلى علاقات الحكومات بين بعضها البعض.