عن مستقبل الصحافة في عمان

عاصم الشيدي
assemcom@hotmail.com

لا أعرف يقينا ما إذا كان مقتضى الحال الذي تمر به البشرية في كل أرجائها وهي تخوض حربا ضروسا مع فيروس لا يُرى بالعين المجردة وأوقع حتى لحظة كتابة هذا العمود الصحفي قرابة ربع مليون ضحية، وقرابة 3.4 مليون إصابة، مناسبا للحديث عن “حرية الصحافة” التي تمر ذكراها في 3 مايو كل عام. فأكثر من ثلث سكان العالم يعيشون في حجر منزلي فاقدين ما يمكن أن نسميه حريتهم المطلقة في التنقل والحركة وممارسة طقوس حياتهم اليومية وزيارة أحبابهم وحتى الوقوف لدقائق أمام صفحة البحر على سبيل التأمل أو على سبيل الشكوى!
ولكن ما يدفعني للكتابة في هذه اللحظة عن “حرية الصحفيين” أمران اثنان: الأول أن الصحفيين يخوضون هذه المعركة في الصفوف الأمامية جنبا إلى جنب مع الطواقم الطبية الأبطال الحقيقيين لهذه المعركة. أما الأمر الثاني فهو أنّ نظاما عالميا جديدا يتشكل في أعقاب مرور وباء كورونا، وربما حتى قبل أن يعقم العالم يديه من دفن آخر ضحية من ضحايا هذا الوباء القاتل. وهذا النظام ستكون له أدواته الجديدة، وستكون الصحافة أحد أهم تلك الأدوات، بغض النظر ما إذا كانت صحافة ورقية أم إلكترونية، ولكن سيكون للصحافة الحرة مكانتها في النظام الجديد كما كان لها دورها في الأنظمة الأخرى، ولكن بصورة أكبر هذه المرة ومحورية وكلما كانت هذه الصحافة قوية وحرة استطاعت أن تساهم في بناء النظام الجديد، وفي تجاوز تحدياته.
ولسنا في السلطنة بمنأى عن هذا النظام الجديد الذي يتشكل بمعطياته وبأدواته الجديدة. بل إننا في السلطنة نبدأ هذا العام عهدا جديدا له طموحاته وآماله مع حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- الذي بشّر في خطاب “العقيدة” الذي حدد فيه ملامح العهد الجديد بإعادة هيكلة الجهاز الإداري للدولة وما يصاحب إعادة الهيكلة من منظومة قوانين جديدة كل هذا يسبق بدء السلطنة تطبيق رؤية 2040، كما أكد جلالته في ذلك الخطاب التاريخي على أن حرية التعبير مصونة، وهو تأكيد يستحق أن نبني عليه للمرحلة القادمة.
كل هذا سيحتاج أن تكون الصحافة في بلادنا قوية، قوية كمؤسسات إعلامية، وكصحفيين، وقوية من حيث مساحة الحرية التي من شأنها أن تكون سندا قويا لمسيرة جلالة السلطان وأداة من أدوات الرقابة.
لكن كل هذا لا يمكن أن يتحقق بالإمكانيات التي تمتلكها الصحافة في الوقت الحالي أو بمنظومة القوانين التي تنظم عملها.
نكمل هذا العام في السلطنة نصف قرن على بدء صدور الصحافة في وقت تواجه فيه صحافتنا المحلية الكثير من التحديات، يتجاوز بعضها تحدي مساحة الحرية والحصول على المعلومات إلى تحدي البقاء في ظل أزمة اقتصادية عالمية كان تأثيرها واضحا جدا على الصحافة.
وهذه المساحة الزمنية التي أكملتها الصحافة العمانية والتي من حقنا أن نحتفي ونفخر بها تستحق أن تتوج بمنظومة قوانين تتواكب مع المرحلة التي نعيشها، وهذه مناسبة للسؤال عن قانون الإعلام الذي طال انتظاره، وقانون حق الوصول إلى المعلومة الذي نطمح إليه فالوقت قد حان لصدورهما.
نأمل أن نخرج من هذه المحنة ونحن دولة أكثر قوة في كل شيء، ومن بين ذلك قوة صحافتنا التي أثبتت أنها داعم أساسي للمصالح العليا للوطن في كل الأوقات والظروف.
وهذه مناسبة أن أدعو فيها زملائي الصحفيين في كل المؤسسات لنكون صحفيين مهنيين مدركين للمسؤوليات الكبار الملقاة على عاتقنا في مرحلة مهمة ومحورية من تاريخ الوطن ومن تاريخ البشرية، وأن نبذل جهدا في تطوير أنفسنا والرقي بمؤسساتنا الصحفية. كما أستعير هنا عبارة قالها أستاذ الصحفيين محمد حسنين هيكل وأوجهها لزملائي في جمعية الصحفيين لنبحث معا “كيف يمكن للمهنة وفي هذه الظروف أن تكون آخر ريشة في آخر جناح يقدر على الطيران في أجواء مضطربة علها تكفر عن نصيبها من المسؤولية باكتشاف ممر مفتوح إلى مستقبل ممكن بدلا من مستقبل مستحيل”. وأنا متفائل جدا بأن مستقبل الصحافة العمانية سيكون مشرقا بإذن الله.