(الديكاميرون) .. سردية مقاومة الوباء بالحكاية!

إيهاب الملاح
(1) في عام 2006، وعن دار المدى البيروتية، صدرت ترجمةٌ عربية لدرّة الأدب الإيطالي، بل الأدب الأوروبي كله حتى نهاية القرون الوسطى، (الديكاميرون) لجوفاني بوكاتشيو، بتوقيع المترجم الراحل صالح علماني، ولم أكن أعلم إن كانت ثمة ترجمة أخرى سابقة للنص الأيقوني الأشهر بعد الكوميديا الإلهية لدانتي أم لا. أذكر جيدًا أنني قرأتها برفقة صديقي الناقد الكبير محمود عبدالشكور، وكنا في غاية الحماس والشغف لإنهاء القراءة، بعد أن كنا نسمع كثيرا عن هذه المجموعة من الحكايات، وقرأنا عنها إشارات وتعريفات، دراسات ومقالات، كلها تشيد بالنص وتنوه به وتؤكد على اعتباره النص المناظر أو المكافئ لألف ليلة وليلة العربية (مع الفارق الكبير بين النصين الذي اكتشفناه عقب القراءة). ولم تتح لنا الفرصة لقراءة النص كاملًا إلا مع ترجمة صالح علماني (عرفت فيما بعد أن ثمة ترجمة مختصرة لبعض حكايات الديكاميرون صدرت في سلسلة “كتابي” الشهيرة لحلمي مراد منتصف الخمسينيات من القرن الماضي). بالتأكيد كانت ترجمة صالح علماني ممتعة وسلسة للغاية، لكنها في النهاية كانت عن ترجمة وسيطة (عن الإسبانية)، ولم تكن مصحوبة بالتعليقات والشروحات والهوامش الضرورية اللازمة لنصٍ معدودٍ بين أبرز كلاسيكيات التراث الإنساني كله.. وكان لزامًا علينا الانتظار عشرة أعوام كاملة حتى تظهر الترجمة العربية الأولى لنص (الديكاميرون) عن الإيطالية مباشرة بتوقيع أستاذَيْ الأدب الإيطالي بكلية الألسن المصرية الدكتور عبدالله النجار، والدكتور عصام السيد، وتقديم الدكتور حسين محمود. صدرت تلك الترجمة قبل أربعة أعوام عن سلسلة (المائة كتاب) أو (الروائع المائة) التي كان يُشرف عليها الشاعر العظيم رفعت سلام (شفاه الله وعافاه).. وكنت سمعت أن الأستاذ الدكتور حسين محمود، وهو من هو في اللغة الإيطالية وآدابها، يعكف على ترجمة أخرى كاملة للديكاميرون، خاصة أنها كانت موضوعهُ للدكتوراه (ألف ليلة وليلة والديكاميرون.. دراسة مقارنة).. (2) (الديكاميرون)، هي تحفة الأديب الإيطالي الشهير جيوفاني بوكاتشُيو النادرة، بل إحدى روائع الإبداع العالمي، على مَر العصور. إنها (حالةٌ فريدةٌ من الحَكي المتواصل، بلا انتهاء، وعالمٌ ساحر يتولَّد من مزيج الواقع والخيال معًا، بلا خطوط حمراء، ولا تخوم). مائة قصة أو حكاية، تتوزع في الجغرافيات والتواريخ والأساطير، تكشف -في عمقها- الجوهر الإنساني والحضور الدامغ لجدلية الروح والجسد. وهي الترجمة العربية الأولى الكاملة عن الأصل الإيطالي، فيما تجمع بين الدقة -المحافِظة على السمات الأسلوبية لبوكاتشو- وسلاسة الأداء اللغوي والأسلوبي، في آن. وقد بات ثابتًا في أدبيات الأدب المقارن، والدراسات الثقافية المقارنة، أن (الديكاميرون) هي أبرز محاولة نصية لتقديم مائة ليلة بمائة حكاية على غرار (ألف ليلة وليلة) العربية. أما كلمة الديكاميرون فتعني بالإيطالية (الأيام العشرة أو الليالي العشر)، وتدور حول سبع نساء وثلاثة رجال، قرروا الاعتزال بعيدًا عن رائحة الموت الأسود، وفي كل ليلة يحكي واحد من العشرة حكاية، والحكاية تلد حكاية.. حتى تكتمل الحكايات عشرا، ويصبح بين أيدينا مائة حكاية كاملة. وهذه الشخصيات العشر كانت قد اتفقت على الهروب من مدينة فلورنسا التي كان يعمها وباء الطاعون، واللجوء إلى قصر وسط الريف، بعيدًا عن رعب الموت، وفي كل يوم تنصب الشخصيات العشر من بينها ملكًا، ويأمر الملك كل واحد منهم أن يروي قصة، وبالفعل يروي كل واحد، ليس قصة واحدة ولكن عشر قصص، ليكتمل عددها مائة قصة، تتحدث عن كل شيء، عن الحكمة والحماقة، الفكاهة والحزن، التاريخ والحاضر، الفضيلة والجشع، العشق والهجر والوصل والخصام.. (3) ربما كانت (الديكاميرون)، أشهر نص أدبي كلاسيكي تعرض لتيمة الوباء العام (أو بمصطلحنا المعاصر “الجائحة”) التي تأتي على الأخضر واليابس، وتحصد الأرواح بألوف الألوف، وقد قدّم المرحوم صالح علماني ترجمته للنص بدراسة بديعة عن أوروبا في القرن الرابع عشر، والطاعون الشهير الذي ضربها والمعروف بالموت الأسود، والذي قضى على نصف سكان أوروبا تقريبًا أو يزيد. رواة الديكاميرون العشرة، كانوا قد هربوا من الطاعون المتفشي في إيطاليا، وفي جميع بلاد البحر الأبيض في سنة 1348 (وهو الطاعون الذي اختصه الكاتبان الأندلسیان العربيان لسان الدين بن الخطيب الغرناطي، وتلميذه ابن خاتمة المري برسالتين ما زالتا مخطوطتين، بحسب ما أشار المرحوم العلامة محمود علي مكي)، ولجأوا إلى قرية صغيرة يقضون فيها أياما حتى تخف حدة الوباء. ومن المفارقات الغريبة واللافتة فعلًا أن التاريخ يخبرنا بأن إيطاليا كانت دومًا أول المجتاحين بالطواعين في القارة العجوز! وهو ما تكرر بحذافيره في أيامنا هذه خلال جائحة كورونا أو (كوفيد-19) الذي ضرب أوروبا أول ما ضربها في إيطاليا حتى باتت هي أكثر الدول المنكوبة والمتضررة جراء الوباء الفيروسي القاتل! كانت أياما تاريخية مرعبة، أمسك بها بوكاشيو، وسجلها لنا، كأننا نعيش في قلب الوباء.. حكى أو حكت شخصياته حكايا مختلفة، عن أبطال مختلفين، عاشوا في الحقيقة أو صنعهم بخياله، من أول (صلاح الدين الأيوبي)، و(اليهودي) الذي انتقل للمسيحية رغم ما رآه من فسق رجال الدين المسيحي في روما.. عن العشق، والشر والنهايات الغريبة.. عن خفايا الوجود البشري، والحقيقة المختفية وراء قناعات الوجوه. تتميز قصص الديكاميرون بالجرأة والحديث المكشوف عن الحب الحسي، وبنزعة متحررة تهاجم رجال الدين في عنف وسخرية لاذعة. وتعتبر هذه القصص صورة واقعية صادقة للمجتمع الإيطالي في القرن الرابع عشر، وأسلوب بوكاتشو فيها يفيض حيوية وبساطة، ودقة ملاحظة. (4) ولا يسعُ من يتأمل قصص بوكاتشيو إلا ملاحظة التشابه الكبير بينه وبين مجموعات القصص العربية، سواء في الشكل العام أو في تفاصيل كثير من الحكايات. أما الشكل العام، فإن الذريعة التي اتخذها مبررة حكاية القصص المائة تشبه إلى حد كبير ما نراه في بعض المجموعات العربية مثل قصة الوزراء السبعة في (ألف ليلة وليلة)، وهي قصة ذاعت واشتهرت في الأندلس قبل أن تأخذ مكانها في مجموعة الليالي الألف. وأما التفاصيل، فإن هناك قصصا كثيرة في مجموعة بوكاتشيو من مصادر عربية، وإن كانت يد الأديب الصَّنَّاع قد تصرفت فيها وجعلتها في قالب أوروبي أو إيطالي، ونحن نرى عددا من الحكايات حول صلاح الدين الأيوبي، وغيره من أمراء المسلمين، ونلاحظ فيها ما كان يكنه الكاتب الإيطالي من إجلال حقيقي للقائد المسلم الكبير وإعجابه به، وهو في هذا يتفق مع دانتي في تقديره لهذا البطل التاريخي الذي كان خصم المسيحية الأول، كما يتفق أيضًا مع معاصره الإسباني خوان مانويل الذي كتب عنه بمثل هذه الروح، ويبدو في هذه القصص ما باشرته الحروب الصليبية من تعريف لأوروبا بكثير من مظاهر الحياة في المجتمعات الإسلامية، وشخصيات قادتها. كما أننا نرى طائفة أخرى من القصص يظهر أنها انتقلت إلى إيطاليا عن طريق الأندلس الإسلامية. (5) والإلحاح في قصص بوكاتشيو على مثالب النساء، والحديث عن كيدهن وخياناتهن، يبدو أيضًا مما تأثر فيه بطائفة من القصص العربية التي كانت كثيرة التناقل في الشرق والأندلس على السواء. وقد رأينا أمثلة لذلك في بواكير الفن القصصي الإسباني، هذا وإن لم يكن ما نذكر عن احتمال تأثر بوكاتشيو بتلك القصص العربية حائلا بينه وبين واقعية صوره وإمكان استيحائه نماذجها وأبطالها من الحياة الإيطالية في عصره. وعلى الجملة، فإن هناك كثيرا من التشابه بين قصص بوكاتشيو، وما نجده في المجموعات العربية، وهذه ناحية جديرة بدراسة تحليلية مقارنة، ربما لم تتم على نطاق واسع حتى الآن، وإن كانت دراسة الدكتور حسين محمود المشار إليها تعد دراسة رائدة في بابها حتى وقتنا هذا.