الأولويات

مصباح قطب –
mesbahkotb@gmail.com –

من بين الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية الناتجة عن انتشار وباء كوفيد ١٩ ، أعتقد أنه بعد بناء وتنظيم الأولويات في حياة الفرد والأسرة والمجتمع والشركة والدولة، سنجد مرتبة متقدمة فيما هو مقبل من أيام . وإذا كان المنطق الطبيعي يقول بأن ندرة الأشياء أو الموارد، أيا كان نوعها، تحتم المفاضلة بين خيارات وأولويات، فإنه يمكن القول كذلك إن جائحة كوفيد أضافت زوايا نظر أخرى إلى هذه المسألة، فالندرة هنا لها معان أخرى، كما أن الوفرة، إذا وجدت، تفرض هي نفسها، وخلافا لكل ما هو مألوف، بناء أولويات وصناعة خيارات، لتحقيق مصلحة الدولة أو غيرها من المصالح كما سنوضح لاحقا .
إلى حد بعيد يمكن وصف عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية بأنه عالم الاعتماد المتبادل، فما يزيد عند هذا يحتاجه ذاك والعكس، وقد تكفلت قواعد التجارة الدولية والمبادلات بتنظيم هذا الاعتماد وأقامته على نحو مقبول من التوازن، ولم يكن الأمر يسيرا على ما يرام طوال الوقت، وكثيرا ما سمعنا مثلا عن أن هذا البلد أو ذاك قل أن يرمي القمح في البحر أو يسكب فيه اللبن، دون أن يصدرهما حفاظا على أسعار يراها عادلة لهما ، فالوفرة كما نرى هنا صنعت خيارا هو البحر لا البشر، وفى جانب آخر من الصورة كان يمكن أن ترى عملية إيقاف لتصدير سلعة حيوية مؤثرة للغاية في الحياة الحديثة، ولكن دفاعا عن قضية عادلة، ولعل أشهر حدث في هذا المجال في عصرنا هو وقف ضخ النفط العربي خلال حرب أكتوبر ١٩٧٣، للضغط على الدول التي تساند أو تدعم دولة الاحتلال الإسرائيلية، أو تسكت عن مساندة الحق الفلسطيني. وهناك استخدامات متعددة لوقف تصدير سلع يمكن القول إنها حيوية، لكنها ذات طابع مختلف، وتخرج عن نطاق المعالجة في هذا المقال، ومثلها الأبرز السلاح عبر بيعه لهذا وحجبه عن ذاك . وبالمناسبة فقواعد منظمة التجارة العالمية لا تتصدى لمثل هذا النوع من السلع.
وكما شهدنا فقد بدأت قوة الالتزام بالقواعد التي تنظم التجارة الدولية والتبادل تتراخى في السنوات الأخيرة، في الوقت الذي علا فيه صوت الأنا الدولتية أو مصلحة كل بلد أولا، بغض النظر عن مصالح الآخرين، وبالتغاضي عن حقيقة غير منكرة، وهي أن التبادل هو منفعة للجميع، منفعة حتى لو ظهرت اختلالات في درجة المنفعة بين أطراف الاعتماد المتبادل، حيث يمكن وقتها حلها بالحوار أو التفاوض. وبينما الجدل العالمي يدور حول إصلاح وتطوير منظومات التعاون الدولي أو المتعددة الأطراف، في مواجهة الدول التي تريد تحطيمها، وإذ بوباء كورونا يداهم الجميع، ويدفع أصحاب الأنا أولا إلى مزيد من التشدد في الانكفائية، أو الإهمال لكل ما يتصل بالتعاون الدولي في مجال التبادل والتجارة، على الرغم من اضطرار هؤلاء أنفسهم إلى التجاوب مع متطلبات دولية للتعاون في مكافحة الوباء ومحاصرته وتبادل المعلومات بشأنه، والبحث المشترك لإيجاد علاجات له. بدأنا نسمع هنا وهناك عن أن هذه الدولة أو تلك أوقفت أو تعمل على إيقاف، تصدير هذه السلعة أو تلك بسبب الاحتياج المحلى إليها، أو بحجة ذلك حتى لو لم يكن الأمر صحيحا تماما. ولما كان هذا الموقف في الأسابيع الماضية مرتبطا بسلع ضرورية لكنها ليست تسبق أخرى حاكمة لأمور الحياة، فقد كان يمكن تفهم ذلك، ونتكلم هنا عن المطهرات والكمامات والمعقمات، لكن إعلان روسيا مؤخرا وقف تصدير القمح مؤقتا، إلا لدول الكتلة السوفييتية سابقا المحتاجة، آثار مخاوف شديدة من أن يتم تحويل التبادل في هذه السلعة الأساسية إلى أداة سياسية خاصة وأنه لا يوجد نقص في الإنتاج العالمي منها (من حسن حظ البشرية والدول الفقيرة بالذات أن إنتاج الغذاء جيد هذا العام عموما) . ومن الأخبار الجيدة أن منظمات مثل الأغذية والزراعة والأمم المتحدة بعامة وعدة دول قد نبهت حتى من قبل الإعلان الروسي إلى ضرورة الحفاظ على تدفق التجارة خاصة في السلع الأساسية الغذائية والأدوية، واتخاذ كل ما من شأنه استمرار الممرات الخضراء للتجارة الدولية من هذا النوع، مع الحفاظ على حياة العاملين بالموانئ والنقل، وحث كافة الدول على الالتزام بهذه المبادئ وتلك القواعد وعدم تعطيل التجارة أو التصدير خاصة في المجالات الحيوية كما قلنا. وقد حدث توافق دولي من الكبار أخيرا حول هذا الشأن، لكن المخاوف تأتي من أن النظام الدولي في حالة
سيولة كبيرة، ولا نقول هشاشة بحيث أن أحدا لا يحاسب أحدا على ما يفعله مهما كان ابتعاده عن القوانين الدولية، والقانون الدولي الإنساني .
المحصلة أننا قد نشهد في الفترة المقبلة أنواعا من النقص في سلع لا يمكن الاستغناء عنها أو يصعب تدبير بدائل لها، وقد يكون الحل الأوضح هو استيراد وتخزين الكثير منها من الآن، لكن طاقة التخزين في كل بلد، ولكل سلعة، لها حدود، فضلا عن أن التزاحم الضار على التخزين سيؤذي الجميع، وأنه قد توجد عقبات أخرى للاستيراد نقدية أو فنية الخ. فما العمل؟. الإجابة هي الاتفاق على أولويات داخل المجتمع كله وبين كل فئة من فئاته وصولا إلى الأسرة، في كل ما يتعلق بالضروريات. ونفس الشيء قد ينطبق على الأثر الناتج عن حالة نقص العملة المطلوبة لاستيراد سلعة ما، وكون تصنيع بديل وطني لها صعب أو يأخذ وقتا طويلا، أما في حالة وجود فائض لدى دولة في سلعة لكنه لا يكفي الطلب الخارجي عليها فمن الضروري أن تكون هناك أولويات، وبدون مواربة يجب أن تكون الأولويات واضحة ومقبولة من المجتمع الدولي ، فالأولوية لدى مصر على سبيل المثال، هي تلبية حاجة الدول العربية إلى الخضر والفاكهة، قبل البحث عن أسعار أفضل في أسواق أخرى، و مصر لا تعتزم أن تؤثر على معدلات التصدير لتحقيق أغراض أخرى أو منافع مادية أعلى، وهكذا يجب أن تكون الأمور لدى كافة الدول. ومن المؤكد ومعكوسا لما سبق، فإنه حيث يوجد فائض في هذا البلد العربي أو ذاك من سلعة ما ضرورية، فإن هذه القاعدة ستعمل وإلى حد كبير، بل ورغم ما جرى على العلاقات العربية العربية من تبدلات وأحوال. داخل الأسرة الواحدة وفي المجتمعات المختلفة، وفي الشركات التي عاشت طويلا على سلاسل إمداد مستقرة، ظني أنه ستدور نقاشات أيضا حول الأولويات بحكم الضرورة ، وفرديا فإن الدخول الحقيقية تراجعت وقد تتراجع أكثر إذا انفلت التضخم من عقاله في أعقاب الخروج المبدئي من حالة كورونا، وهذا وارد، وقد تفقد ملايين كثيرة دخولها كليا أو جزئيا أو مرحليا، بسبب تغيرات أسواق العمل
ولن يبقى لها إلا المعاشات الضمانية، وكما نقول في بيوتنا فإن أول أولوية هي طعام الطفل، فإننا بحاجة إلى تعلم دروس أخرى في صناعة الأولويات والمفاضلات في شؤوننا الاستهلاكية و الترفيهية وفى كل ما يتصل بسلة السلع والخدمات التي نتعامل معها.
الرشادة ستصبح عقيدة حياة، وفى ذلك فوائد ليست هينة بيد أن السؤال المعقد هو: إلى أين يذهب أولئك الذين اعتادوا التعايش من السلعة التي بتنا أو قررنا اعتبارها أولوية متأخرة؟ الإجابة تحتاج اجتهاد الجميع.