توافق رمضان مع أزمة كورونا.. فرصة لتغيير عاداتنا وسلوكياتنا الخاطئة

إدارة الأزمات والموارد ثقافة لا بد أن تترسخ بين الأسر –
أجرى اللقاء: سيف بن سالم الفضيلي –

أكد كلا من ناصر السليماني وعلي المشيخي أن الصيام تربية نفسية دينية وأخلاقية ومن مقاصده استشعار حاجة الفقراء والمساكين فكان لا بد من مراعاة هذه الفئة والاهتمام بها وتزويدها بمتطلباتها كل قدر استطاعته، وعدم إهمالها كي لا يكون هناك مضار لا تحمد عقباها. وذكرا أن رمضان هذا العام توافق مع أزمة جائحة كورونا (كوفيد 19) التي اجتاحت العالم بأسره والسلطنة من بين هذه الدول، لذا يجب أن نغير من عاداتنا وسلوكياتنا الخاطئة التي مارسناها فيما سبق من الوقت، ولا بد أن نرسخ ثقافة إدارة الأزمات والموارد حتى نكون في مأمن من الأحوال التي قد تطرأ لما يحيط بهذه الجائحة من غموض نهايتها وتخلص العالم من شرورها.
وأسفا على الطعام الكثير الذي تغص به الموائد الرمضانية ثم يكون مصيره إلى حاويات القمامة دون الاستفادة منه أو توزيعه على المحتاجين من الأسر المعسرة.. والى ما جاء في الجزء الأخير من الاستطلاع الذي أجراه (روضة الصائم).

يبين ناصر بن محمد السليماني هنا أن الله سبحانه وتعالى شاء أن يجعل الناس في هذه الحياة مختلفين في المعاش كما أنهم مختلفين في الفكر (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ).
ولذلك نجد أن مستوى الناس في معاشهم بين غني وفقير وواجد ومعدم هو من الابتلاء الذي ابتلى الله سبحانه وتعالى به الإنسان في هذه الحياة الدنيا (فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ، وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ) فتضييق الرزق لا يكون للإهانة بل للتأديب ولما شاءَ الله من الحكمة الغنى والفقر فالذي أنكره الله عليهم قولهم بطريق الفرح بالدنيا والافتخار ربي أكرمن وقولهم بطريق الجزع وعدم الرضى بالقدر ربى أهانن.
ومع هذا كله فعلى الإنسان أن ينفق بقدر رزقه الذي وهبه الله إياه فلا يسرف ولا يقتر (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا) ، (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ ۖ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ) ، (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا).
ومن هذا الإنفاق، الإنفاق في الأكل والشرب فالله تعالى يقول (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) فالإسراف في الأكل والشُرب له أضرار والإنسان عندما يأكل ويشرب فمن أجل أن يتمتع بصحة جيدة ليستطيع القيام بمختلف واجباته اليومية بكل كفاءة وأريحية لا أن يكون حبيس المرض والتخمة والعياذ بالله.
تعدد مبذر
ويقول السليماني: لقد أصبح تعدد الأطباق على المائدة الواحدة من الأساسيات عند الناس وبخاصة في شهر رمضان المبارك حال الفطور أو حال العشاء والسحور فعندما يجلس الشخص ليتناول الطعام يجد أمامه عدة أصناف من الطعام والشراب ممّا يدفعه للإسراف في تناولها وهذه مشكلة من المشاكل التّي أصبح معظم الناس يعانون منها فلقد نسوا في ذلك هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله (صوموا تصحوا) رواه الإمام الربيع.
فالصوم صحة عندما يعتدل الإنسان في مأكله ومشربه لا أن يكون نهاره صيام وليله ملء البطن من الطعام والشراب حتى التخمة فلا يستطيع حتى التنفس والقيام لصلاة والتهجد بتلاوة كتاب الله العزيز.
وإننا من المؤسف أن نرى الكثير من الطعام الذي يعد في رمضان يكون مصيره حاويات القمامة أو يحول إلى الحيوانات لتأكله وذلك للكميات الكبيرة التي تعد للأكل فوق طاقة من يأكل.
ومن المؤسف أيضاً أن نجد ذلك الاستعداد الكبير عند الناس قبل رمضان في شراء أنواع شتى من الأطعمة والأشربة فتملئ العربات في المحلات التجارية الكبيرة ويسوقها أصحابها إلى المحاسب ليدفع قيمتها فمنهم من يملأ عربتين ومنهم من يملأ ثلاث عربات ومنهم أكثر من ذلك وكأنهم يستقبلون شهراً ليس لهم فيه من الشغل إلا إعداد الطعام وأكله وهذا هو الواقع فمن قبل صلاة العصر وحتى صلاة العشاء ولا تزال المرأة في البيت تعد الأنواع المختلفة من الطعام والشراب فأين هذا من قول النبي صلى الله عليه وسلم (ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه) رواه الترمذي.
نيل الثواب
ويؤكد السليماني أن الصيام تربية نفسية كما أنه تربية دينية وأخلاقية فنصيحتي أن نسير مع هذا الهدي القرآني والنبوي حتى ننال عظيم الأجر والثواب والقبول من الله سبحانه وتعالى ولا نتشبه بالشيطان في التبذير والإسراف (وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا) ، (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ۖ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا).
الاقتصاد مقصد..
من جهته قال علي بن سيف المشايخي: إن المتأمل في مقاصد الصيام سيجد أن من أهمها الاقتصاد؛ ستسألني كيف ذاك؟
وأقول لك: ألم تحذف وجبة الغداء الرئيسة فيمسك الصائم عن الطعام من طلوع الفجر إلى غروب الشمس أكثر من نصف اليوم وهو ممسك عن الطعام فكيف يستهلك أضعافه 3 مرات عن الأيام العادية، إنه حب الاستهلاك وتسلط العادات.
ويضيف: حين شرع لنا الإسلام الصيام فإن من مقاصده استشعار حاجة الفقراء والمساكين ونحن بالعادات السلبية الحالية لا نشعر بأحد وقد يكون المحتاج والفقير من أقرب الناس وقد يكون جارك.
وحين تتأمل الآيات الداعية إلى أداء الزكاة والصدقة ستجد بجانبها آيات تدعو إلى عدم التبذير وعدم الإسراف، يقول الله تعالى «كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصادِه ولا تُسرِفوا إنه لا يحب المسرِفين»، كيف يكون دفع لزكاة الثمار والنخيل وبعدها «ولا تسرفوا» «إنه لا يحب المسرفين»؟.
لأنه بحصول الحصاد والثمار تكون هناك وفرة في المال والثمار فينبهنا الله إلى عدم الاغترار بالوفرة في الثمار وعدم الإسراف بل أكد سبحانه على بغضه للمسرفين. وأين نحن من قوله تعالى: «وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا» وقوله: «إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا» وقوله: «ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا»، ولو كان الإنفاق في سبيل الله ومن أجل مرضاته فلا تبسط يدك وتنفق كل ما عندك فإنه سيأتي زمان ستتحسر عليه.
وهذا العام توافق رمضان مع أزمة كورونا وتخيل معي لو طالت هذه الأزمة لستة أشهر كما هو متوقع، فأين ثقافة إدارة الأزمة؟ وأين إدارة الموارد من ثقافتنا؟ فرمضان وأزمة كورونا فرصة لتغيير بعض عاداتنا وسلوكياتنا الخاطئة.
ويشير إلى انه باتباعنا الأساليب الآتية ستعيننا على تجنب الإسراف في رمضان والحد من التبذير ومنها: تحديد مبلغا بالجلوس مع الأسرة لرمضان وتقسيمه على سائر الشهر وكل أسبوع يتم شراء ما تحتاجه الأسرة.
تنظيم طريقة الاستهلاك الغذائي للحدود الدنيا ولا تنخدع بوفرة الطعام أو وفرة المال حاليا فرمضان فرصة لترتيب أولويات الصرف ببيتك فانت لا تعرف متى وكيف تعود الحياة لطبيعتها؟
القمح والأرز أهم صنفين لشعوب العالم، وقد ينتج عنهما شحا في الأشهر الست القادمة، ليس مطلوب أن تخزن أكثر من حاجتك، بل مطلوب أن لا تستهلك أكثر من حاجتك.
الابتعاد عن الأبيضان السكر والطحين قدر المستطاع فإنهما سبب الإسراف وسبب الأمراض واستبدلهما بالسكر الطبيعي (عسل النخيل) والطحين الأسمر.
لا للزيوت في البيوت (هناك بدائل كثيرة) ولكن للأسف لا يوجد من يفكر في البديل وإنما فقط في شهوة الأكل الحالية.
لا تشتر وأنت صائم فالجوع يدفعك إلى شراء كل شيء أمامك ولو لم تحتاجه وإنما تسوق بعد التراويح. كذلك اشتر السمك الرخيص والمناسب وستجد بدائل كثيرة، واقتصر على نوع واحد يوميا في الفطور مع الفواكه والتمر واللبن.
لا تستجب لطلبات الأسرة وأجلها إلى اليوم التالي أو بعد يومين إلا إذا كان هناك وجبة للسحور مثل اللبن أو الحليب.
تعامل مع المخزون الغذائي المتوفر لديك وفق قاعدة «خلص ما في البيت» وتأكد بعض الأحيان بنفسك.
وأختم بمقولة لأبي بكر الصديق وكان من أغنياء الصحابة رضي الله عنهم جميعا: «إني لأبغض أهل بيت ينفقون رزق أيام في يوم واحد».