نوافذ: نشكو ونشتكي ..

أحمد بن سالم الفلاحي
shialoom@gmail.com

نادرا ما نلتقي بشخص/ أشخاص، يجمعهم مجلس ما، ولا تثار شكوى من أمر على شخص ما، أو أشخاص، سواء كان هؤلاء الأشخاص: زملاء عمل، أصدقاء، أقرباء، حيث تكون الشكاوى مباحة متاحة من دون ضرورة إلى ذلك في الأصل.
فسمت الشكوى طاغية بدرجة كبيرة في ثقافة معظم الأفراد مع بعضهم البعض، ومن بعضهم البعض، مع أن مقولة: “الشكوى لغير الله مذلة” واضحة، ولكن هكذا اعتاد الناس، ولذلك فنادرا ما يحدث أن تحضر مجلس ما، ولا تكون فيه الشكوى هي المتسيدة على الموقف، حتى لو كان كل عمر المجلس منذ بدايته إلى انفضاضه هي شكوى واحدة متداولة بين جميع الأطراف، مع ملاحظة أن جل الشكاوى موجهة إلى الجهات الرسمية، وإلى المسؤولين فيها على وجه الخصوص، مع أن جل الحاضرين في المجلس أو أغلبهم؛ هم أبناء هذه المؤسسات، وهم من المساهمين في موضوع الشكوى بصورة أو بأخرى، ولكن مع ذلك تظل الشكوى هي الحاضرة في فضاءات التجمعات على اختلافها.
ومن العجب العجاب، وأنت في مؤسسة ما، عندما تذهب إلى زميل لك في نفس المؤسسة، يندر أن لا تشتكي إليه مسؤولك، أو زميلك، وهو لن يتوانى في بث شكواه إليك، مع أنكما في نفس المؤسسة، والمسؤولون هم مسؤوليكم، ومن تتقاسمون معهم مجالات العمل المختلفة هم زملاؤكم، ومع ذلك تفصح الشكاوى عن مكنوناتها، وقد تكتشف أشياء تمررها أنات الشكاوى؛ ربما؛ تعرفها للمرة الأولى، والخطورة هنا أكثر، عندما يكون الطرف الشاكي من مؤسسة، والطرف المشتكى إليه من مؤسسة أخرى، والأخطر من ذلك كله، عندما يكون المشتكى إليه من الأفراد الذين “يتلصصون” على عيوب الناس، ليجدوا فيها بعد ذلك متسعا للحديث، في المجالس العامة والخاصة على حد سواء، ويأتي أقساها وأخطرها هي تلك الشكوى الذاهبة إلى العلاقة بين زوجين، أو بين فردين في أسرة واحدة، ويكون المشتكى إليه خارج هذه الأطر الأسرية، فهنا الطامة الكبرى.
الكثيرون منا؛ يدركون أن الطرف الآخر المشتكى إليه – في كثير من الأحيان – ليس في مقدوره، أن يأتي بعصا سحرية فيزيل المتاريس العالقة في تسلسل جميع الحلول لجميع المشاكل التي يعاني منها البشر، في مواقعهم المختلفة، ولكن مع ذلك تبقى الشكوى هي الغالبة، وكأن العلاقة بين الشاكي والشكوى، علاقة موضوعية لا يمكن الفكاك منها، ولو كانت الشكوى لا تمثل قيمة معنوية لصاحبها، سوى تفريج هم في تلك اللحظة مع وجود خطورة المجازفة في بث الشكوى لغير صاحبها الحقيقي، حتى ولو تم التأكد، أو الاطمئنان بأمانة وخلق المشتكى إليه.
يقال: “إذا ضاق صدر المرء من سر نفسه: فالذي يستودع السر أشرف” والشكوى هي من الأسرار الخاصة بامتياز، فهل هو الضيق وعدم تحمل هذا السر، حتى نبوح به للآخر، مهما كان هذا الآخر، ومكانته بيننا؟ أم هي فطرة موجودة عند هذا الإنسان، وهي التي تدفع به لأن يشتكي، ويعتصر ألما إن هو لم يفرغ هذه الشحنات المعنوية من صدره؟
كل ذلك وارد في ظل وجود أنفس تكتنفها حالات القوة وحالات الضعف، وحالات الخير وحالات الشر، وحالات العزم وحالات التردد، لأن استحكامات النفس البشرية تحتاج إلى كثير من المعززات المعنوية التي؛ على الأقل؛ تنظم مثل هذه الانفلاتات البوحية، وتترك رصيدا إنسانيا، يكون من المهم المحافظة عليه، للحفاظ على البناء الأسري كاملا، وعلى بناء المؤسسي كاملا، وعلى البناء العلائقي كاملا، فهذه البناءات تتفتت إن لم تحكمها ضوابط إنسانية، ونفسية، وسلوكية، ولذلك يعاب كثيرا على الأفراد الـ “مهذارين” الذين (في كل واد يهيمون).