د. ناصر المعولي لـ(عمان): نحتاج مزيدا من إجراءات خفض الإنفاق ومراجعة الأولويات


الحكومة راعت التدرج في الإجراءات الاحترازية لتجنب الانزلاق في ركود عميق

رهان المستقبل على الشباب وأفكارهم وليس على مكامن النفط

تخفيض الرواتب في الشركات ينبغي أن يستخدم كآخر الحلول بعد استنفاد البدائل الممكنة

رفع القيود عن الأنشطة الاقتصادية يجب أن يستند الى اعتبارات صحية وبيانات اقتصادية

الاقتصاد العالمي كان منكشفا وعلى شفا الولوج في أزمة قبل تفشي (الجائحة)

كتب – حمود المحرزي

 

د. ناصر المعولي

دعا الدكتور ناصر بن راشد المعولي عميد كلية الدراسات المصرفية والمالية إلى مزيد من إجراءات خفض الإنفاق الحكومي لتخفيف وطأة متلازمة كورونا خصوصًا في المصروفات الجارية ومراجعة الأولويات.. مشيدا في الوقت نفسه بجهود الحكومة الاحترازية والتحفيزية، للحد من تأثيرات الأزمة، ومراعاتها لمبدأ التدرج في الإجراءات تجنبًا للانزلاق في ركود اقتصادي.
وقال في حديث لـ(عمان): إن التداعيات الاقتصادية للأزمة المركبة (متلازمة كورونا) وضعت السلطنة أمام تحدٍ كبيرٍ وهو ما يستدعي اتخاذ العديد من الإجراءات الاقتصادية الاحترازية بالتواكب مع الإجراءات الصحية الاحترازية.. مضيفًا إن اقتصاد السلطنة كان يعاني عددا من التحديات قبل ظهور أزمة كورونا منها الدين العام المرتفع والعجوزات التراكمية والتصنيف الائتماني المتدني وتنامي أعداد الباحثين عن العمل.
ويعتمد اقتصاد السلطنة بشكل كبير على إيرادات النفط ويعد الإنفاق الحكومي هو المحرك الرئيسي للأنشطة الاقتصادية المختلفة..
وأشار المعولي إلى أنه مع توقع متوسط نزول أسعار النفط في حدود 30 إلى 35 بالمائة، يكون متوسط سعر النفط العماني حتى نهاية هذا العام دون 45 دولارا، وهذا الانخفاض في الإيرادات قد يؤدي إلى زيادة العجز في الموازنة العامة للدولة بمقدار حوالي مليار إلى 1.5 مليار ريال علاوة على العجز المقدر حاليا في موازنة 2020 بحوالي لـ-2.5 مليار ريال عماتي.
ورغم الأبعاد والتأثيرات الاقتصادية لأزمة كورونا التي يعاني تأثيراتها العالم أجمع إلا أن عميد كلية الدراسات المصرفية والمالية قال: إن السلطنة لديها القدرة على تجاوزها وتحويل تحدياتها إلى مكاسب، حيث سبق وأن تعاملت مع أزمات مالية واقتصادية مماثلة.. مؤكدًا أن الثروة الحقيقية لا تختزل في مكامن النفط بل هي الشباب وأفكارهم لصنع مستقبل واعد.


أزمة مركبة

وأوضح أن الأزمة الاقتصادية الحالية هي أزمة مركبة، تكونت بسب انهيار أسعار النفط وجائحة كورونا، ولهذا يطلق عليها (متلازمة كورونا). ولأول مرة في التاريخ الحديث أن تكون حياة الإنسان على المحك مباشرة بسبب هذه الأزمة، حيث تداخل فيها البعد الإنساني مع البعد الاقتصادي. مشيرا إلى أن تأثير أزمة كورونا أكثر من الأزمات المماثلة لها أزمة سارس التي بدأت أيضا من الصين، كما أن وضع الصين اختلف فحجم اقتصادها في زمن سارس يشكل 4% فقط من حجم الاقتصاد العالمي، بينما الآن 17%، والناتج المحلي للصين 14 تريليون دولار وينمو بحوالي 6%، وتعتبر الصين المستورد الأكبر للنفط في العالم (تستورد 14 مليون برميل في اليوم) ولكن بسبب أزمة كورونا انخفض حجم استيراد الصين من النفط في حدود 20%.
وأشار المعولي إلى أن الاقتصاد العالمي كان منكشفًا وكان على شفا الولوج في أزمة اقتصادية قبل ظهور جائحة كورونا، فقد كان يعاني من عدة ظواهر منها الصراع التجاري بين الصين والولايات المتحدة وكذلك ارتفاع أزمة المديونية العالمية إلى 255 تريليون دولار بنهاية 2019، وبما يزيد عن نسبة ثلاثة أضعاف الناتج المحلي العالمي، إضافة إلى تداعيات إعلان خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وتوقعات لركود اقتصادي في دول مثل تركيا، والأرجنتين، وإيران، والمكسيك والبرازيل، والمملكة المتحدة، وألمانيا، وإيطاليا وغيرها.. وبالتالي كانت هناك حالة انعدام اليقين في الاقتصاديات العالمية قبل ظهور جائحة كورونا.

تحدٍ كبيرٍ

وقال عميد كلية الدراسات المصرفية والمالية: إن التداعيات الاقتصادية لفيروس كورونا المستجد وضعت السلطنة أمام تحدٍ كبيرٍ لمواجهة الأزمة المركبة (متلازمة كورونا). ويستدعي هذا التحدي الاقتصادي – الصحي اتخاذ العديد من الإجراءات الاقتصادية الاحترازية بالتواكب مع الإجراءات الصحية الاحترازية.. بل إن الأزمة الصحية سوف تنحسر مع انتهاء الوباء، أما الأزمة الاقتصادية فسوف تستمر لفترة أطول. مضيفًا إن اقتصاد السلطنة كان يعاني عددا من التحديات قبل ظهور أزمة كورونا مثل الدين العام المرتفع والعجوزات التراكمية والتصنيف الائتماني المتدني وتنامي أعداد الباحثين عن العمل وغيرها.

زيادة العجز

وقال أيضا: إن اقتصاد السلطنة يعتبر اقتصادا ريعيا يعتمد على إيرادات النفط والغاز ويعد الإنفاق الحكومي هو المحرك الرئيسي للأنشطة الاقتصادية المختلفة. ويتوقع متوسط نزول أسعار النفط في حدود 30 بالمائة إلى 35 بالمائة، ليكون متوسط سعر النفط في السلطنة حتى نهاية هذا العام في حدود 40 إلى 45 دولارا، وبالتالي هذا الانخفاض في الإيرادات قد يؤدي إلى زيادة العجز في الموازنة العامة للدولة بمقدار حوالي مليار إلى مليار ونصف المليار ريال عماني علاوة على العجز المقدر حاليا في موازنة 2020 بحوالي لـ2.5 مليار ريال عماتي.
وفصّل المعولي القول في تأثيرات جائحة كورونا على الاقتصاد الوطني فيما يتعلق بمستويات العرض والطلب الكلي فعلى جانب العرض، أدت متلازمة كورونا إلى انخفاض مباشر في عرض القوى العاملة المحلية، بسبب حظر التجمعات وإغلاق الأسواق وبالطبع هذا يؤثر على الإنتاجية، إضافة إلى ذلك هناك تأثير على سلاسل الإمداد وتأثرها بإغلاق المطارات وبعض المنافذ البرية وإغلاق بعص المصانع العالمية.
أما بخصوص الطلب، فقد تراجع مستوى الإنفاق نتيجة لخسائر الدخل، والخوف من انتقال العدوى، وتصاعد أجواء عدم اليقين. كما أدى الإغلاق إلى وقف الطلب لبعض الخدمات والمنتجات. ولا توجد حتى الآن دراسة توضح حجم الخسائر الاقتصادية الناجمة عن جائحة كورونا.

التدرج في الإجراءات

وأكد المعولي أن الحكومة راعت في إجراءاتها الاحترازية والتحفيزية لمواجهة أزمة كورونا مبدأ التدرج وذلك لتجنب الانزلاق في ركود اقتصادي عميق. مشيرا إلى أن من التدابير الاحترازية ترشيد الإنفاق التشغيلي والاستثماري للشركات الحكومية هذا العام بما لا يقل عن 10%. كما خفضت الميزانية المخصصة للوزارات والوحدات الحكومية خمسة بالمائة وذلك استجابة للتحديات المالية، كما أعلنت وقف منح العلاوات الاستثنائية لموظفي الدولة، وفي الوقت ذاته أقرت مجموعة من الإعفاءات تشمل رسوم البلدية ورسوم بعض التراخيص وغيرها. كما أصدر البنك المركزي العماني حزمة من الإجراءات التحفيزية والاحترازية والتي من المتوقع أن توفر سيولة إضافية متاحة في حدود 8 مليارات ريال عماني أمام البنوك والشركات، وذلك بهدف احتواء تداعيات الأوضاع الراهنة على أداء الاقتصاد الوطني.
وبالرغم من الجهود الحكومية المبذولة لتخفيف وطأة متلازمة كورونا يرى المعولي أن هناك لا تزال مساحة لدراسة المزيد من إجراءات تقليل الإنفاق الحكومي خصوصا في المصروفات الجارية ومراجعة الأولويات في المصروفات.
ولتحقيق الاستدامة المالية لا بد من اتخاذ المزيد من الإجراءات لتنمية الموارد غير النفطية ومراجعة الدعم الحكومي ومراقبة تطور الدين العام والسيطرة على العجوزات التراكمية والتسريع في عملية التحول إلى موازنة البرامج والأداء وضرورة أيضا العمل على رفع التصنيف ائتماني للسلطنة.

خفض الرواتب آخر الحلول

وكانت اللجنة العُليا المُكلَّفة ببحث آلية التعامل مع التطورات الناتجة عن انتشار فيروس كورونا (كوفيد-19)، قد أقرت حِزمة من التسهيلات لدعم القطاع الخاص والقوى العاملة به وذلك حرصا على استمرارية العمل في القطاع الخاص وحفاظا على القوى العاملة ومن بينها جواز خفض الرواتب مقابل خفض ساعات العمل لفترة محددة وذلك بالتفاوض بين الطرفين، وتأتي هذه الإجراءات للتوفيق بين مصالح العمال وأصحاب العمل من مبدأ لا ضرر ولا ضرار.
واعتبر الدكتور ناصر المعولي أن تخفيض الرواتب ينبغي أن يستخدم كآخر الحلول فقط وبعد استنفاد البدائل الأخرى الممكنة.. ولن يسمح لشركات ومؤسسات القطاع الخاص أن تسيء استخدام هذا البديل، حيث ستقوم وزارة القوى العاملة والنقابات العمالية المختلفة بمراقبة كيفية تطبيق قرارات اللجنة العُليا المُكلَّفة ببحث آلية التعامل مع التطورات الناتجة عن انتشار فيروس كورونا بما يخدم القوى العاملة ويضمن استمرارية العمل بالقطاع الخاص.

الموازنة بين الصحة والاقتصاد

ومنذ تفشي فيروس كورونا لجأت دول العالم إلى فرض التباعد الجسدي من خلال إغلاق الحدود والبقاء على العمل عن بعد، وهو ما كانت له تأثيرات حادة على الاقتصاد إلا أن بعض الدول بدأت الانفتاح التدريجي للأسواق والمصانع وغيرها فيما لا تزال الكثير منها تلتزم بالإغلاق تحسبًا لانتشار كورونا.
وأوضح عميد كلية الدراسات المصرفية والمالية أن هناك تباينا كبيرا بين وجهات النظر حيال تخفيف التدابير الوقائية لإعادة فتح الأسواق والمصانع تدريجيا، ويتعلق هذا بعملية الموازنة بين الحفاظ على الصحة العامة وكذلك الحفاظ على الاقتصاد من الدخول في سبات عميق.
ويرى المعولي أن استئناف الانفتاح التدريجي للحياة الطبيعية مرهون بتطور الإصابات من الفيروس، وأن الحفاظ على صحة وسلامة الإنسان تقدم على المصالح الاقتصادية ومتى ثبت أن الإصابات بدأت في التنازل الفعلي ولفترة من الزمن، فبالإمكان النظر في تخفيف إجراءات الإغلاق وبشكل متدرج ويكون مشروطا ضمن إجراءات وقائية صارمة، مؤكدا أن (رفع القيود عن الأنشطة الاقتصادية في السلطنة يجب أن يستند إلى اعتبارات صحية وبيانات اقتصادية).

الرهان على فكر الشباب

وعلى الرغم من الاختلاف في أسباب وأبعاد الأزمة الاقتصادية الحالية مقارنة بما سبقها من أزمات اقتصادية، إلا أن المعولي لديه قناعته بقدرة الحكومة على تجاوز آثارها وتحويل التحديات إلى مكاسب.
وقال: السلطنة لديها تجارب سابقة وخبرات متراكمة وإمكانيات متوفرة تجاوزت من خلالها الحكومة في السابق أزمات مماثلة كأزمة انهيار أسعار النفط في منتصف 1986 عندما وصل سعر برميل النفط دون 10 دولارات للبرميل وكذلك أزمة الأسعار في 1997 والتي حدثت بالتوازي مع الأزمة الاقتصادية الآسيوية، كما تجاوزت أزمة الرهن العقاري في سبتمبر 2008 وغيرها من الأزمات المالية والاقتصادية.
وأكد أن الإنسان العماني هو حجر الزاوية في البناء التنموي وهو قطب الرحى الذي تدور حوله كافة محاور التنمية وغايتها، فالثروة الحقيقية لا تختزل في مكامن النفط، بل توجد في مكامن فكر الشباب العماني القادر على صنع مستقبل واعد للسلطنة.