كورونا .. تأثير كبير على التجمعات الدولية!

د. عبدالحميد الموافي –

إن الأشهر القليلة الماضية، منذ ظهور الفيروس، هزت بشدة أسس وقوة الكثير من صيغ ومنظمات التعاون الإقليمي، في مختلف مناطق العالم، وعلى نحو من شأنه أن يؤثر على قدرة تلك المنظمات، والأهم على الثقة بين أعضائها، وتقييم كل منها لمصالحه في البقاء في عضوية المنظمة أو التكتل بشكل أو بآخر.

ليس من المبالغة القول بأن المائة يوم الماضية، أي منذ بداية هذا العام وما صاحبها من انتشار وباء كورونا، على نحو غير مسبوق في سرعة الانتشار والقدرة على تجاوز الحدود والاتساع الجغرافي أيضًا ليشمل كل العالم تقريبا، قد شهدت آثارا عدة، مرئية وغير مرئية، سواء في استجابات الدول المختلفة للتعامل مع هذه الجائحة، أو فيما ترتب على ذلك من مساس، لن ينتهي سريعا، بجوانب مهمة في العلاقات بين أعضاء العديد من التجمعات الدولية، وهو ما عبر عن نفسه بصور متعددة وملموسة ستظل حية في عقول المسؤولين والشعوب لأعوام عدة قادمة على الأرجح.
وإذا كانت قد انتشرت في الآونة الأخيرة مقولات منها، أن العالم بعد كورونا سيكون مختلفا عنه قبل كورونا، أو أن كورونا بمثابة فاصل بين عهدين أو مرحلتين في العلاقات الدولية، أو أن نظاما دوليا جديدا سوف يظهر على أنقاض النظام الحالي بسبب كورونا، أو غير ذلك من وجهات النظر، التي لا يمكن إلا احترامها أو وضعها في الاعتبار، ولكن ليس بالضرورة قبولها أو التسليم بها، فالأمران مختلفان بالتأكيد، فيمكن أن تحترم وجهة نظر ما ولكن تختلف معها بدرجة أو أخرى. واذا كان كثيرون لا يزالون يذكرون ما بشر به فوكوياما وأمريكا والغرب بوجه عام بعد تفكك الاتحاد السوفييتي السابق عام 1990، وما تحدث عنه بوش الأب بعد تحرير الكويت عام 1991 وما أعلن عنه بوش الابن عام 2003 بعد غزو العراق، من أن نظاما دوليا ينشأ في العالم، فإن الجميع يدرك الآن أن الأمر لم يكن سوى ترويج لحقبة أمريكية، حاولت الاستئثار بقمة النظام الدولي بعد تأثر روسيا الاتحادية ونزولها من قمة النظام الدولي بعد تفكك الاتحاد السوفييتي السابق، ومر العالم والنظام الدولي بالسنوات المضطربة التي حاولت فيها الولايات المتحدة الاستئثار بدرجة كبيرة بإدارة النظام الدولي، على مدى نحو ثلاثين عاما، وخلالها حاول النظام الدولي، عبر ثبات أسسه التي يمثلها ميثاق الأمم المتحدة، وقوة تقاليد التعاون الدولي القائمة على مبدأ السيادة والتعاون بحسن نية أيضا، تصحيح نفسه بشكل أو بآخر. ولأن النظام الدولي ليس نظامًا استاتيكيًا أو جامدًا، وبالتأكيد ليس ميتا، فإنه شهد تفاعلات وتغيرات مستمرة ومتواصلة، كنتيجة للتطورات الإقليمية والدولية، ولتفاعل القوى والقدرات الدولية المختلفة على مدى السنوات الماضية، ومن هنا بدأت الصين في الصعود، واستعادت روسيا الاتحادية قوتها ونفوذها بشكل ملموس بقيادة بوتين، وتدهورت قوة الولايات المتحدة بشكل أكبر، وبدأ الحديث يزداد داخلها حول العودة إلى الداخل، وإعادة ترتيب الأولويات العالمية بالنسبة لها، بل وإعلان دونالد ترامب شعاره «أمريكا أولا»، ومع ذلك يواصل النظام الدولي سيره وخطواته، ويحاول تعديل كيفية تعامله مع مختلف التطورات ليستوعب ما يجري، خاصة أن التطورات لم تنضج بعد لإحداث انقلاب، أو بمعنى أدق تغير واسع النطاق على مستوى النظام الدولي.
وفي هذا الإطار وفي ظل التفاعلات التي ترتبت وتترتب على ظهور فيروس «كوفيد-19» وتحوله إلى وباء عالمي، لم يصل بعد إلى نقطته القصوى التي يبدأ بعدها في السير نحو الانحسار والانتهاء بشكل عام، فإنه يمكن الإشارة باختصار شديد إلى عدد من الجوانب، لعل من أهمها ما يلي:
أولا: إن من أولى وأهم النتائج التي كشفها الوباء، هي انكشاف النظم الصحية على مستوى كل دول العالم. بالطبع لم تكن هناك دولة يمكن أن توسع نظامها الصحي ولا تزيد مخزوناتها من الأدوات الصحية، وحتى أقسام الرعاية المركزة عن حد معين، وذلك وفق الدراسات المعروفة التي تقوم على أساس متوسط حالات الإصابة واللجوء إلى المستشفيات، ومتوسط الحاجة للجوء إلى أقسام العناية المركزة على مدار العام، ولكن المشكلة نشأت في الأساس من انفجار حالات الإصابة بالفيروس وازديادها، ومن ثم الحاجة إلى استيعاب أعداد كبيرة من المصابين في وقت قصير يتجاوز كل قدرات النظم الصحية حتى الأمريكية والأوروبية واليابانية.
ويستدعي ذلك إلى الذهن حالة تكالب أعداد كبيرة من المودعين لسحب أموالهم من أي بنك في وقت واحد أو خلال أيام قليلة، وهو ما أدى ويؤدي عادة إلى إعلان إفلاس البنك، مهما كانت إمكانياته، لأن البنوك عادة تحتفظ بنسبة معينة من رأس المال ومن أموال المودعين تكفي لتغطية النشاط العادي وأكثر قليلا، وحدث ذلك عام 2008 في الولايات المتحدة عندما أفلس بنك مورجان، والآن واجهت الكثير من النظم الصحية حالة وضعتها على شفا الإفلاس، والاستغاثة، كما حدث حتى من جانب إيطاليا وإسبانيا وأمريكا بسبب ازدياد حالات الإصابة.
ومع أن الدول المختلفة حاولت وتحاول بكل الطرق تقليل تلك الفجوة، سواء بالاستيراد، أو حتى بالقرصنة والاستيلاء على شحنات وهي في طريقها إلى دول أخرى، حتى لو كانت صديقة، والمزايدة بدفع أثمان عالية للمصانع المنتجة، فإن هذه النتيجة أظهرت أهمية وضرورة التعاون الدولي لمواجهة الأوبئة، ولتحقيق ما يمكن تسميته بالأمن الصحي للعالم أو للكوكب ككل.
وهذه الحاجة التي أكدتها قدرة الفيروس على تجاوز كل الحدود والانتشار من شرق العالم إلى غربه ومن شماله إلى جنوبه، دفعت مجلس الأمن الدولي إلى مناقشة وباء كورونا قبل أيام، والمؤكد أن دول العالم ستعمل من أجل زيادة تعاونها مع بعضها البعض خلال السنوات القادمة، لأنه ليست هناك دولة يمكنها بمفردها تأمين كل احتياجاتها في هذا المجال. وإذا كانت دول العالم قد اعتمدت مبدأ الضمان الجماعي في عام 1945 لمواجهة العدوان واستخدام القوة المسلحة وهو ما أكد عليه ميثاق الأمم المتحدة، في محاولة لتحقيق السلام، فإن العالم الآن في حاجة إلى مبدأ الضمان الجماعي لمواجهة الأوبئة.
ومع أن منظمة الصحة العالمية حاولت وتحاول تحقيق أكبر قدر من التعاون الدولي وهو جهد مشكور، فإن من المفارقات أن يعلن ترامب تعليق مساهمة بلاده في ميزانية منظمة الصحة العالمية، وهو أمر أثار الكثير من الاستهجان داخل الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية وخارجها لأن العالم في حاجة إلى مزيد من التعاون في الواقع.
ثانيا: النتيجة الثانية شديدة الأهمية التي تركها وباء كورونا، هي أن الأشهر القليلة الماضية، منذ ظهور الفيروس، هزت بشدة أسس وقوة الكثير من صيغ ومنظمات التعاون الإقليمي، في مختلف مناطق العالم، وعلى نحو من شأنه أن يؤثر على قدرة تلك المنظمات، والأهم على الثقة بين أعضائها، وتقييم كل منها لمصالحه في البقاء في عضوية المنظمة أو التكتل بشكل أو بآخر.
والسبب المباشر الذي يقف وراء ذلك هو أن انتشار الوباء وعبوره للحدود دفع الدول المختلفة إلى النظر من منظور وطني شوفيني مغلق إلى حد كبير، فإلى جانب الاضطرار إلى إغلاق الحدود ووقف النشاط الاقتصادي وحركة النقل عبر الحدود، تحول العالم إلى جزر منعزلة، وصاحب ذلك تسابق حاد أحيانًا لخطف ما في يد الآخر لسد الاحتياجات الذاتية، حتى ولو كان هذا الآخر عضوا في تكتل أو حلف مشترك. وقد ترك ذلك مرارة شديدة، ودفع سياسيين ذوي تأثير إلى الشعور بأهمية إعادة تقييم فائدة الاستمرار في عضوية التكتلات القائمة، التي لم تنجح في مد يد المساعدة إليها في وقت الأزمة. وازداد الأمر سوءًا عندما عمدت بعض الأطراف إلى توجيه بعض مساعداتها إلى دول خارج تحالفاتها، أو خارج دوائرها التقليدية، مما أثار تساؤلات وربما حنق الدول الأخرى في تلك المنظمات والتحالفات.
وعلى أي حال فإنه مع التأكيد على أننا لن نشهد موجة من البريكست من الاتحاد الأوروبي أو من الجامعة العربية أو الأسيان أو غيرها خلال الفترة القادمة، إلا أنه يمكن القول بأن كورونا أدت إلى تسميم العلاقات بدرجة أو بأخرى داخل العديد من التحالفات والمنظمات الإقليمية، لأن «الأنا» كانت أعلى مما يمكن توقعه أو تفهمه، وعادة تأخذ الدول وقتا غير قليل لتقرر الانزواء، أو لتزيد من عدم الاهتمام بمنظمة تنتمي إليها، ولذا فإنه من المهم والضروري بالنسبة لكل المنظمات والتجمعات الإقليمية أن تعمل بجد وإرادة من أجل التغلب على هذه النتيجة السلبية، وإعادة التأكيد على المصالح المشتركة وخدمتها بشكل عملي وملموس، وهو ما يحاوله الاتحاد الأوروبي بعد أن فات وقت مهم عمق من المشاعر السلبية بين أعضائه، أما على المستوى العربي فإن الأمور معروفة سلفًا للأسف الشديد.