«كورونا» .. وفق سياقات المجتمع

أحمد بن سالم الفلاحي –
هناك من يثمن مستويات بعض الأحداث، وأثرها في تحفيز الذاكرة الجمعية لأن تتآزر إلى حد كبير مع التوجهات الرسمية تجنبا لمخاطر عميقة وكبيرة، وواسعة ليس في مقدور الفرد في المجتمع مجابهتها بنفسه، ولذا هو ينصاع لا إراديا، مشكلا بذلك عنصرا فاعلا في خضم التفاعل القائم، ولكن حالة النشاز تظل واردة.

تعيش بلدنا الحبيبة عمان؛ كحال كل بلدان العالم محنتها الكبيرة، من جراء وجود الجائحة الكونية (كورونا- كوفيد19) وعليها أن تعيش كل التحديات لمجابهة هذا الوباء والبلاء من خلال كل القوى الفاعلة للتخفيف من آثاره الخطيرة الكارثية، مع أنه؛ وبفضل الله على الجميع، لا يزال الوضع تحت السيطرة بفعل الهمة العالية في الأخذ بالأسباب المتاحة على المستويين الرسمي والشعبي، وهو تكاتف ينظر إليه بكثير من التقدير، والإكبار، فالتصالح المجتمعي في هذا البلد الكريم لا تزال كفته «راجحة» انعكاسا لرصيد اجتماعي غني بالمُثل والقيم الضابطة للسلوك الاجتماعي الراشد، وهذا من شأنه أن يخفف العبء على الجانب الرسمي، أو يؤازره ويتكامل معه في الجهد؛ على أقل تقدير، ولعل للأحداث الماضية الكبيرة التي مرت على عمان رسخت مبدأ التكامل بين الجانبين، وأسست ثقافة فاعلة لا تزال تحتضنها الذاكرة الجمعية، وتوظفها في مختلف المواقف المماثلة، وهذا من شأنه أن يعطي الكثير من الاطمئنان للجهد الرسمي، ويعمل على تعزيزه ومؤازرته، مع الأخذ في الاعتبار أن تكون هناك نتوءات خارجة عن السياق الاجتماعي من شأنها أن تشوه الصورة العامة، ولكن مع ذلك تظل حالات استثنائية لا تؤثر على المشهد العام المتكامل، ومع ذلك تحتاج مثل هذه النتوءات إلى تسويتها، وعدم تركها تشوه هذا السياق المتكامل، خاصة وأن هناك جهودا خيّرة تبذل للحد من تنامي تأثيرات هذه الجائحة على الجوانب التي تمس حاجيات السكان بصورة مباشرة.
كثير منا قرأ تصريح سعادة الدكتور محمد الحوسني – وكيل وزارة الصحة للشؤون الصحية – خلال الأسبوع الماضي فيما يخص السلوكيات الخاطئة التي يقوم بها بعض أفراد المجتمع، وهي السلوكيات التي تتناقض والتوجه الرسمي العام من عدم التقارب الاجتماعي لأضرارها الخطيرة المباشرة لانتشار (كورونا – كوفيد19) حيث جاء في سياق حديث سعادته: «أعتب على بعض الأسر العمانية التي تتجمع الآن على الرغم من أن الدولة أوصت بالعمل عن بعد وتقليل الموظفين إلى الحد الأدنى ولكن هناك موائد تقام داخل الأسرة الواحدة وهذه تشكل خطورة بسبب وجود حالات لا تظهر عليها أية أعراض وهي تتسبب في عدوى أكبر عدد من الأشخاص» – انتهى النص –
مع أن جل أفراد المجتمع يعون، وبصورة واضحة، أن مثل هذه التجمعات من شأنها أن تنسف كل الجهود المبذولة لمكافحة هذه الجائحة، وعدم الالتزام معناه، إعطاء فرصة أكبر لبقائها، وكم أكبر لتأثيرها على نطاق واسع، وهذا؛ يقينا؛ لن يرضي أي أحد، لوجود استنزاف غير طبيعي لكافة الموارد المادية والبشرية، كل ذلك للتقليل من إطالة عمر الجائحة، وتجفيف منابع بؤرها هنا أو هناك.
وفي مثل هذه الظروف يعول كثيرا على مستوى تقارب الفهم الواعي، بين ما تسعى إليه الجهات المعنية «كطرف رسمي» وبين ما يكون إليه الأفراد «كطرف مجتمعي» في مختلف شؤون الحياة العامة، وفي حالة وجود تناقض بين الموقفين، هنا يستدعي الأمر اللجوء إلى حلول «جبرية» لأن الطبيعة البشرية قائمة؛ كما هو معروف؛ إما على المناكفة وعدم قبول «الأمر» وإما على التمسك بالقناعات الذاتية، وكلا الأمرين يتناقضان مع ما تذهب إليه الخطط والبرامج والتوجيهات الرسمية، وذلك لوجود حقائق ومعلومات لدى الطرف الرسمي غير متوفرة لدى الطرف الاجتماعي، وبالتالي ما كان ينبغي للطرف الاجتماعي أن ينكفئ على قناعاته فقط، للتقليل من أثر الضرر المتوقع لأي توجه رسمي، خاصة في مثل هذه الظروف الحرجة جدا، والمتعلقة بمسألتي الحياة والموت، والفاعلين فيها بشر بامتياز.
يحرص المجتمع؛ في الغالب؛ من خلال تجربته الطويلة في الحياة، ومعايشته لكثير من الحوادث والمواقف على تأصيل نماذج ثقافية كثيرة، تكون بمثابة الخيارات المتنوعة التي يمكن اتخاذها في الأوقات الحرجة كـ«بدائل» لمعالجة تمرد الأفراد وخروجهم عن السياق الاجتماعي الذاهب إلى المعالجات والتصالحات لمختلف الأحداث التي تقع، وليس في ذلك فرق بين مجتمع متقدم، ومجتمع غير متقدم، لأن لكل مجتمع قيمه الراسخة في الذاكرة الجمعية، حيث لا يمكن أن يكون هناك على سطح هذه البسيطة مجتمع مولود للتو خارج عن سياق أية ثقافة متحصلة، وبالتالي فتفسير ما يحدث؛ وفق ما نبه إليه؛ وعتب من خلاله؛ سعادة وكيل الصحة، يفسر كنوع من تمرد الذاكرة الثقافية لدى البعض من أفراد المجتمع، كاستحضار صورة القضاء والقدر -على سبيل المثال- مع أن توظيف القضاء والقدر بهذا التبسيط لمثل هذه الصور المنافية للتعليمات الدينية وغير الدينية، هو تغليب ما لا يحتمل، وهو؛ يقينا؛ خروج عن مفهوم القضاء والقدر، إلى مفهوم عدم المبالاة، وعدم الانسياق للتوجه العام الذاهب إلى ضرورة التقيد بالتعليمات والنظم المفروضة بقوة الإرادة؛ إن استدعى الأمر ذلك، فالفرد بطبيعته لا ينساق للأمر الملزم؛ كما قلنا؛ ويرى فيه تقييدا لحريته الخاصة، وهذه إشكالية موضوعية في الثقافة الاجتماعية، وهي ليست جديدة؛ على كل حال.
يقول الدكتور عبدالغني عماد في كتابه (سوسيولوجيا الثقافة؛ المفاهيم والإشكاليات … من الحداثة إلى العولمة) ما نصه: «أن لكل مجتمع مخيالا جمعيا يصنع هويته، وإن لهذه الثقافات مؤسساتها وأبوابها بما فيها الدين والطقوس والأساطير والمعتقدات والأعراف والرموز، ويمدنا هذا المفهوم برؤية أساسية حول أسباب اتصاف السلوك الجمعي بالانتظام والخضوع لنهج معين» ويضيف: «والحقيقة أنه لولا ميل الثقافة لتكوين النماذج الثقافية لكان الانتظام في السلوك الاجتماعي أمرا مستحيلا، ولسلك الأفراد في فوضى وعشوائية ما تمليه عليهم دوافعهم البيولوجية والغريزية، ولأصبح المجتمع المنظم مستحيل الوجود»- انتهى النص –
ولكن مع ذلك لن تجد تصالحا جمعيا للإيمان بتطبيق هذه الثقافة الجمعية المتفق عليها؛ وفق المخيال الجمعي؛ الذي يشير إليه الدكتور عبدالغني، لأن النوازع الذاتية لا تزال تمخر في القناعات، وفي الاتفاقات، والمخيال الجمعي قد يتقارب في الرؤية في لحظة ذروة الحدث، ولكن مع تقادم الأيام والأحداث لحدث ما بعينه، يتراجع هذا المخيال، وتعود الأنفس لتحتكم إلى فطرتها الطبيعية، فالنوازع الفردية الذاتية، وهي التي تخرج بالفرد عن السياق الجمعي، حتى وإن كانت هناك ثقافة جمعية حاكمة تؤطر هذه العلاقة القائمة وتعمل على تعزيزها، لأن الدوافع الذاتية؛ بطبيعتها؛ عاطفية، وسريعة التأثر، وقد تقع في المزاجية الفردية، وهذه مثلبة كبيرة في عرف المجتمع المتصالح مع ذاته، كما هو معروف بالضرورة، وفي ذلك إشكالية موضوعية كبيرة تتعارض مع التوجه الرسمي في كل الحالات، وليس فقط في حالة حدوث الكوارث، والأحداث الجليلة.
وهناك من يثمن مستويات بعض الأحداث، وأثرها في تحفيز الذاكرة الجمعية لأن تتآزر إلى حد كبير مع التوجهات الرسمية تجنبا لمخاطر عميقة وكبيرة، وواسعة ليس في مقدور الفرد في المجتمع مجابهتها بنفسه، ولذا هو ينصاع لا إراديا، مشكلا بذلك عنصرا فاعلا في خضم التفاعل القائم، ولكن حالة النشاز تظل واردة.
ومن هنا يبقى من الخطأ الكبير أن يعتمد؛ كليا؛ على وعي المجتمع، أو الارتهان عليه فقط، للشروع في تنفيذ مختلف البرامج والتوجيهات، فالأخذ في الاعتبار، أن هناك من يخرج عن القاعدة؛ يبقى واردا؛ إلى حد كبير، ربما إذا توالت الأحداث ينظر إلى تواليها بكثير من الأهمية في استنطاق الذاكرة الجمعية الحاضرة مع الحدث لتكون في أوج تفاعلها مع مختلف الأحداث، فالذاكرة كثيرا ما تكون «كسولة» فتضعف جانبها المفترض أن يكون مؤازرا، وفاعلا بما يزيد عن التوقعات، وذلك للكثرة العددية المعول عليها لدى أبناء المجتمع، فهذا أوان وقوفها، واتضاح صورتها الحقيقية، وإلا فما الفائدة من كثرة العدد إذا كان «غثاء كغثاء السيل» فالأوطان دائما؛ كما هو معروف؛ لا تراهن إلا على أبنائها الأوفياء المخلصين، وهم كثرة، إن شاء الله، فعماننا ولّادة بمثل هذه النفوس الطيبة الكريمة، والمشهد أسمى من أي تعبير، فالأحداث تسجل صورا رائعة لقدرة أبناء المجتمع على لعب دور محوري في الأحداث الكبار التي تقع، وذلك انعكاسا لذخيرة ثقافية غنية بالتجارب عبر مسيرتها الطويلة، والاستثناءات التي تحدث هنا أو هناك، تبقى في حكم الاستثناء لا أكثر.