من خروف إلى إنسان!.. ما حكاية أول عملية نقل دم ناجحة في التاريخ؟

“عُمان”: خلال حديثه عن تقنية العلاج “بالبلازما المناعية” التي تجرب الآن لعلاج مرضى وباء كورونا أشار الدكتور مهنا بن ناصر المصلحي استشاري أول أمراض الدم والمدير العام المساعد بالمستشفى السلطاني إلى قصة أول عملية نقل دم للإنسان في التاريخ والتي تعود إلى يونيو من عام 1668 عندما قام الطبيب الفرنسي جان باتيست دينيس بنقل دم من خروف إلى إنسان، وكانت عملية ناجحة!
والقصة حقيقية وليست طرفة، ومثبتة في الكتب العلمية. والقصة المقتضبة التي تحدث عنها المصلحي دعتنا للبحث عن بعض تفاصيلها التي يعاد استذكارها اليوم خلال مرور الإنسانية بجائحة كوفيد19 والتي تلوح بارقة أمل فيها عبر العلاج بالبلازما والتي ترتبط بنقل الدم.
تعود فكرة نقل الدم إلى منتصف القرن السابع عشر عندما نجح الطبيب الإنجليزي ريتشارد لوار في نقل دم بين حيوانين وبالتحديد في عام 1665وكانت عملية نقل الدم قد تمت بين كلبين، وكانت عملية ناجحة. لكن بقيت عمليات نقل الدم بين الحيوانات إلى أن جاء شهر يونيو من عام 1667 حيث شهد العالم أول عملية نقل دم ناجحة للإنسان والتي قام بها الطبيب الفرنسي جان باتيست دينيس بنقل كمية بسيطة جدا من خروف إلى إنسان. كان ذلك الشاب مريضا وشاحب الوجه.. وسجل العالم بهذه العملية أول انجاز في مجال نقل الدم. وذاع صيت جان باتيست بعد العملية ما جعله يكررها مرة ثانية، ونجحت العملية أيضا.
رسم تمثيلي لأول عملية نقل دم في التاريخ

لكن ذلك النجاح لم يستمر طويل حيث مات المريض في المرة الثالثة ولكن بعد فترة وجيزة. لم ييأس جان باتيست حيث كرر الأمر للمرة الرابعة لكن المريض هذه المرة فارق الحياة مباشرة وخلال فترة نقل الدم. وسرعان ما رفعت زوجة المريض الرابع الذي توفي مباشرة قضية ضد الطبيب، واتهمته بالقتل العمد! ووقف القضاء معها وأوقف عمليات نقل الدم، وتوقفت عمليات نقل الدم في إنجلترا أيضا. ومر القرن السابع عشر بعد ذلك بدون عمليات نقل دم وكذلك القرن اللاحق له. لكن في منتصف القرن التاسع عشر ظهرت علماء كبار في علم الأحياء قدموا بحوثا جليلة للبشرية.
وبين عامي 1900 و1901 استطاعت البشرية أن تشهد أول عملية لنقل الدم بين البشر، وكانت للبحوث التي قدمها الطبيب النمساوي كارل لاندشتاينر دور كبر في هذا النجاح حيث تم اكتشاف ما صار يعرف بفصائل الدم التي أكدت دراساتها أن أي خلط بين فصيلتين غير متوافقتين يمكن أن يتسبب في الوفاة كما حدث في المرتين الثالثة والرابعة عند نقل الدم من الخروف إلى الإنسان.
وكان “الدم” في حد ذاته قد ارتبط كثيرا بالأساطير الإنسانية عند مختلف الشعوب وعلى مرّ التاريخ؛ ولذلك اكتسب الكثير من القدسية، فعبر إراقته كانت تقدم القرابين للآلهة ويدفع الشر ويجلب الخير. ولم تخل العملية التي قام بها جان باتيست من حضور الجانب الميثولوجي خلال عملية نقل الدم والتي يمكن التعرف على الكثير من تفاصيلها في المحاكمة الشهيرة التي أجريت له بعد موت مريضه الرابع والتي كانت محاكمة فلسفية أكثر من كونها محاكمة جنائية.