في الأسبوع الثاني من حجرها صحيا.. ماذا يحدث في ولاية مطرح؟

كتب ـ عاصم الشيدي

ماذا يدور في ولاية مطرح الآن؟ هذا سؤال الشارع العماني هذه الأيام. وهذا هو الأسبوع الثاني بعد إغلاق الولاية أمام حركة الدخول والخروج بعد أن فرض عليها حجرا صحيا كامل، لا أحد يدخل إليها ولا يخرج منها إلا للضرورة القصوى التي تقدرها نقاط السيطرة والتحكم وتشرف عليها قوات السلطان المسلحة وشرطة عمان السلطانية. هذا الأمر ولّد لدى الجميع الفضول لمعرفة ما يدور هناك خلف تخوم الولاية، خاصة مع بدء عملية واسعة للمسح الطبي فيها!
مطرح التي كانت تعج بالحركة ليلا ونهارا تحولت فجأة إلى ولاية هادئة جدا، طريقها البحري الذي كان يسامر أمواج البحر القادمة من عمق المحيط صار قفرا، لا أحد يمر به إلا المتخصصين في عمليات التعقيم والتطهير. وشوارعها التي كانت مزدحمة تتطلع الآن لأي زائر من بعيد، وسوقها الذي كان يرتاده العمانيون والسياح من كل بقاع العالم صار مغلقا تماما “يُسمع فيه صفير الريح” وفق المثل العربي. “والبندر” الذي كان يعج بالحركة والأصوات خبأ صوته وخفت. وحدها الأضواء ما تزال تتسلل بين الطرقات، وتعبر بخفة في الدهاليز المتوارية لتعطي انطباعا أن ثمة بشرا يعيشون هنا وإن لزموا منازلهم تطبيقا للتعليمات.

       إجراءات تعقيمية عند وصول المصابين بالأعراض عند مدخل سبلة مطرح

لكن بعض الطرقات في الولاية لا تخلو من الحركة، ولكنها حركة حذرة جدا، ولاتجاهات أربعة معروفة للجميع الآن، وهي المواقع التي تجرى فيها الفحوصات الطبية للكشف عن المصابين بفيروس كورونا “كوفيد 19” الذي قلب العالم رأسا على عقب، وحصد أرواح عشرات الآلاف في العالم حتى الآن.
“عمان” تحاول، بحذر، كشف تفاصيل ما يدور في مطرح، والجهود الجبارة صحيا واجتماعيا التي تنشط في الولاية لتجاوز آثار الوباء على الجميع.
من وسط الزحام، والقلق على المصابين والقلق من العدوى رغم كل الاحتياطات المتخذة تحدث إلينا من قلب مطرح الدكتور عاصم بن محمد المنجي الطبيب في دائرة مراقبة ومكافحة الأمراض الذي ينشط هذه الأيام في الولاية العريقة.
ليس سهلا أن تجد الفرصة للحديث مع الدكتور المنجي، فهو في قلب مشهد الولاية التي أخذت كل معطيات الطوارئ الصحية وبات القلق والحذر باديا على جميع من فيها.

      جهد كبير تبذله الطواقم الطبية والتمريضية في ولاية مطرح

يتحدث المنجي عن المشهد الصحي والوبائي في الولاية، فيتجنب أن يعطي الأرقام والنسب، ويفضل الحديث عن الإجراءات التي تجري على الواقع، ويتحدث عما يجب أن يمارسه الناس من عادات صحية في هذه اللحظة التي يصفها بالمهمة والحرجة، ويفضل أن يطمئن الجميع أن هذا المشهد لن يطول شريطة أن يلتزم الجميع بالإجراءات والنصائح الطبية والصحية.
يقول الدكتور المنجي: لدينا في مطرح أربعة مواقع نستقبل فيها الناس للفحص، رغم ذلك نخطط أو نسعى لإنشاء مواقع أخرى؛ لنستطيع استيعاب الناس الذين تظهر عليهم الأعراض ونستهدفهم في هذا المسح الطبي.

    فحص وترقب وانتظار

وعندما سألته هل هو فحص مجتمعي يشمل جميع من تظهر عليه الأعراض ومن لا تظهر عليه في جميع أنحاء الولاية أجاب المنجي: لا لا. نحن نفحص من تظهر عليه الأعراض الآن فقط. من لا تظهر عليه الأعراض من الأفضل أن يلتزم بيته، ويخضع لاستراتيجية التباعد الاجتماعي، وحتى التباعد الجسدي وفق معطيات المرحلة التي وصلنا إليها. ويعلل المنجي عدم وجود مسح شامل في الولاية يشمل الجميع بالقول: وجود غير المصابين في هذه المرحلة مع المصابين قد يعرضهم للعدوى، وما دام الشخص لا تظهر عليه الأعراض فمن الأفضل أن يبقى ملازما لبيته. ومن تظهر عليه الأعراض ويتم أخذ عينة منه يسأل هل لديه مكان مناسب للعزل المنزلي؟ ومن لا يتوفر لديه مكان للعزل المنزلي وفق الشروط التي حددتها وزارة الصحة يوفر له عزل مؤسسي ويخضع للرعاية الصحية سواء كان عمانيا أو وافدا. ويضيف المنجي: في البدء نريد أن نفحص جميع من تظهر عليهم الأعراض، ربما تقرر وزارة الصحة في ضوء معطيات جديدة القيام بفحص الجميع ولكن هذا الأمر لم نصل إليه حتى الآن.
ورغم إن الدكتور المنجي تحدث عن أربعة مواقع للفحص إلا أن الفرق الصحية والتطوعية تذهب إلى جميع حارات ولاية مطرح “بيتا بيتا” لتطلب ممن تظهر عليهم الأعراض أن يبادروا للذهاب إلى مقرات الفحص. وعندما سألته عن الإقبال على مراكز الفحص قال المنجي: الإقبال جيد حتى الآن. وبالنسبة للوافدين عرفوا أن الفحوصات مجانية فأقبلوا وعرفوا أننا لسنا معنيين بجوانب الإقامة سواء كانت قانونية أو غير قانونية فأقبلوا، وخلال عملية الفحص يكتفى برقم الهاتف في حالة عدم توفر بطاقة المقيم لتقييد البيانات والتواصل مع من تتأكد أصابتهم وكل هذه الإجراءات والتطمينات جعلت الإقبال جيدا وهذا مفرح في حد ذاته.

    مطرح.. ولاية التاريخ في لحظة تعقيم وتطهير من الوباء

ويشرح المنجي العملية بالقول: إن الأمر يخضع للكثير من التدقيق، يتم الطلب ممن يعانون من الأعراض بالذاهب لمراكز الفحص، ولكن عند الوصول إلى المراكز يتم فرز الجميع، ولا يدخل لمحطة أخذ البيانات إلا من تنطبق عليه الأعراض فعلا، أعني أعراض الإصابة بفيروس كورونا، وفي محطة أخذ البيانات يتم فرز آخر. كل هذه الإجراءات يراها الدكتور المنجي أنها تساعد في عدم تعريض غير المصابين لخطر الإصابة، فالجميع من وجهة نظره يعملون الآن لتقليل أعداد الإصابة لا زيادتها.
وعندما سألته عن الوافدين الذين لا تتوفر لديهم في الأساس شروط العزل المنزلي والمتمثلة في غرفة بدورة مياه خاصة أجاب: ربما هذا بشكل عام، ولكن هناك وافدين كثر لديهم شروط العزل المعتمدة، وعموما من لا تتوفر لديه الشروط هناك عزل مؤسسي.
ويعود الدكتور عاصم للحديث عن الإجراءات التي تسير في محطات الفحص فيقول: تؤخذ العينات من قبل طبيب باحتياطات وقائية خاصة؛ لأن حماية الكوادر الطبية في مقدمة أولويات الاستراتيجية الطبية دائما وفي هذه الأحوال بشكل خاص. ثم بعد الفحص يتم أدخال بيانات المفحوص في برنامج “رصد” وترسل العينات إلى المختبر المركزي.
وعندما سألت الدكتور عاصم المنجي عن نسب من تأتي فحوصاتهم إيجابية من مجمل المفحوصين كل يوم رد بالقول: بالنسبة لي هذه ليست قضية، ثم إن النسب تختلف من يوم لآخر، وكذلك الأعداد تختلف من يوم لآخر حسب الإقبال. لكن المنجي يقول أيضا إن هذه الفترة هي فترة انتشار فيروسات أخرى أعراضها شبيهة بأعراض فيروس كوفيد19 وأصحابها يخضعون للفحص من أجل التأكد ولذلك بعض من تظهر عليهم أعراض وكأنها أعراض كورونا تأتي نتيجة فحوصاتهم سلبية.

    الطريق البحري يخلو من زواره المعتادين

يصمت الدكتور عاصم عن الحديث قليلا ثم يعود للقول: هنا في مطرح حالة لا بد من الحديث عنها، وهي حالة التكاتف من الجميع، الجميع يعملون هنا بصبر وتحمل وبإخلاص من أجل أن نخرج من هذه الغمة. أبناء الولاية ورجال القوات المسلحة والشرطة والفرق التطوعية، الجميع يعمل ما يستطيع، حتى أن بعضهم تحول إلى العمل كمترجم وهو ما يساعدنا في سهولة التواصل مع الجميع. يبتعد صوت الدكتور عاصم مرة أخرى وكأنه يتحدث من مكان بعيد ثم يأتي بوضوح فجأة: ما نطلبه من الجميع الآن أن يطبقوا استراتيجية التباعد الاجتماعي، والتباعد الجسدي، لو طبقنا كل هذا بالتزام تام فإننا سنتجاوز الأصعب سريعا.
غير ذلك تبدو مطرح هادئة، والشمس تتسلل لشوارعها الضيقة والمتوارية وتلفح وجوه المارة فيها بخوف وقلق. والعمل الاجتماعي فيها مستمرا يبحث عن المحتاج أينما كان ويوفر له احتياجاته الغذائية في هذه المحنة التي كشفت عن حقيقة التكافل الاجتماعي في عمان. وهذا حديث يستحق وقفة أخرى.