نوافذ .. مَن للفقراء في هذه الأوقات الصعبة؟!

عاصم الشيدي
assemcom@hotmail.com

أكتب هذه الزاوية وأمامي إحصائية تشير إلى أن فيروس كورونا قد أصاب أكثر من مليون و700 ألف إنسان في كل بقاع الأرض، وأن أكثر من مائة ألف منهم قد فارقوا الحياة على عجل فيما كانوا يحلمون بسنة جديدة قبل أشهر قليلة لا تخلو من أمنيات وخطط ومشاريع. هذه كارثة حقيقية تمر بها البشرية ولا يبدو أن الدول قد استعدت لها بما يكفي. هناك أخبار عن عشرات الملايين فقدوا وظائفهم في العالم، وعن بورصات قد انهارت واقتصادات أصبحت أثرا بعد عين. وهذا وجه آخر من وجوه المأساة التي تعيشها البشرية. ما زالت دولنا الخليجية متماسكة بعض الشيء أو أنها تحاول التماسك ولكن ما يأتي على اقتصادات العالم القوية آت علينا لا محالة. الوباء في شقه الطبي سينتهي، فلكل وباء دورته ومنحناه الذي يصعد فيه ثم يبدأ في الهبوط، وهذا أمر لا جدال فيه كثيرا رغم عدم القدرة المطلقة في التنبؤ بلحظة وصول المنحنى إلى خط الصفر والموت النهائي مع تلاشي الفيروس. لكن ما سيبقى بعد مرور هذه العاصفة الهوجاء وجع الناس على من فقدوا، وعلى من تيتموا وترملوا. ثم الآثار الاقتصادية السلبية التي خلفها الوباء والتي ستحتاج إلى سنوات طويلة حتى تستطيع الدول واقتصاداتها التعافي منها.
لكن الآثار الاقتصادية التي نسمعها ونتحدث عنها ليست فقط في سقوط البورصات الكبرى، وخسارة الشركات العابرة للقارات فقط، ولكن هناك طبقة مهمة في قاع أي مجتمع لا يسمع صوتها في العادة لأسباب كثيرة ربما بينها أن لا منبر يعلو بصوتها عاليا، وهذه الطبقة هي أكبر الخاسرين والمتأثرين من هذه المشهد السريالي المؤسف الذي يمر بالعالم أجمع.
في بلادنا عُمان هناك الكثير من المتأثرين من هذه الجائحة، الذين إن قدر الله لهم وسلموا من الخطر الصحي فإن الأثر الاقتصادي مدركهم لا محالة.
هناك مواطنون بسطاء فقدوا مصادر دخلهم، أجبرتهم الظروف القاسية على غلقها أو توقفها بحكم الظروف المجتمعية. سائق التاكسي الذي لا دخل له غيره لا يجد اليوم من يطلبه فالناس في بيوتهم، والشوارع شبه خالية والمحافظات مغلقة تقريبا، لكن هذا السائق الذي يُطلب منه هو الآخر أن يجلس في بيته احترازيا لديه أسرة تحتاج إلى مصاريف يومية وشهرية، وأمامه بعد أقل من أسبوعين شهر رمضان المبارك، ومن بعده العيد، العيد الذي لا أعلم شخصيا بأي حال سيعود علينا إذا ما استذكرنا بيت المتنبي الذي يقول: “عيد بأية حال عدت يا عيد، بما مضى أم لأمر فيك تجديد”. وهناك أصحاب المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي أغلقت تماما وأصبح أصحابها بلا دخل تماما، هناك محلات الحلاقة التي لا دخل أيضا لأصحابها إلا عملهم اليومي، ناهيك أنهم مطالبون بدفع إيجار للمحل وللبيت الذي يقطنون فيه. وهناك المطاعم التي وإن بقيت مفتوحة إلا أن زوارها تراجعوا كثيرا، وهناك المقاهي والكثير من المحلات التي أغلقت سواء كانت لعمانيين أو لوافدين.. هناك جانب من حركة اقتصادية متوقفة تماما ومعها يتوقف دخل أسر بشكل تام.
في البدء أتفهم جدا، بل أنا مقتنع جدا جدا بالإجراءات التي تتخذها اللجنة العليا التي تنظر في المقام الأول لسلامة المواطنين والوطن من هذه الجائحة، وأعرف يقينا أنها لا تهمل الجانب الاقتصادي في كل ما يحدث قدر الإمكان. ولكن لا بد من قرارات حاسمة للتخفيف من الآثار الاقتصادية على هؤلاء وسريعا، فبعضهم عليه ديون آن أوانها، وأقساط حان وقتها، وإيجارات لا سبيل لتجاوزها أو إلغائها.
وإذا كانت الدولة ومؤسساتها مطالبة بتحرك عاجل وجذري لتجاوز آثار هذه الجائحة في شقها الاقتصادي فإن المجتمع أيضا مطالب أن يكون له دور حقيقي.. اليوم، اليوم وليس غدا، “فهذا أوان الشد، فاشتدي زيَم” كما يقول المثل العربي المعروف. هذا أوان التكافل الاجتماعي، وهذا أوان الهبّة المجتمعية العمانية. لا يمكن أن يبات جزء كبير من المجتمع قريري العين فيما يبات جزء آخر حتى لو كان صغيرا يذرف دموعه في خفية لأنه لا يستطيع تأمين مصروف عائلته.
وهذا وقت مبارك لنرى التكافل المجتمعي في أزهى صوره. نبحث عن زمن جديد، ونتحدث عن معالمه؟! لنكن أول من يتحرك في هذا الزمن وأول من يصنع معلما من معالمه. وهذا لا يعفي الدولة ومؤسساتها من المسؤولية الملقاة على عاتقهم.