جائحة فيروس كورونا وعلاقة العمل

د. عبد القادر ورسمه غالب –

علاقة العمل، من الناحية القانونية، تنظمها قوانين العمل في كل بلد إضافة للمواثيق الدولية الموحدة السارية في كل البلدان والتي تسعى لوضع الضمانات الكافية لتوفير بيئة العمل السليمة للجميع في كل مكان في عالم واحد. وهذه القوانين والمواثيق، تضع الأحكام العامة التي تنظم علاقة العمل بين صاحب العمل من جهة والعامل من الجهة الأخرى. وإضافة لهذا، هناك عقد العمل الذي يبرم بين صاحب العمل والعامل، وفي هذا العقد تتم الإشارة لتفاصيل العلاقة وكيفية أداء العمل والحقوق الآنية والمستحقات اللاحقة على حسب الاتفاق بين الأطراف. وهكذا، من مجمل الأحكام القانونية والمواثيق الدولية وتفاصيل عقد العمل، نجد الإطار القانوني لعلاقة العمل وهي من أسمى العلاقات التي تضمن مسيرة الحياة ودوران المصانع وحصاد المزارع وتقديم الخدمات الأساسية من تعليم وصحة وأمن وترفيه وغيره. والكل يعمل من أجل مصلحته، وفي نفس الوقت، من أجل مصلحة الكل.
والآن، كما يعلم الجميع، يمر العالم بفترة عصيبة وخوف ونكسة وتدهور ثم ركود في العمل، بسبب جائحة كورونا اللعينة التي تسعى حثيثا لتدمير العالم وتهديده في مسيرة حياته وأمنه حيث لا أمان الآن في أي مكان في كل أقطاب العالم. إلا من رحم ربي.
وفي مثل هذه الظروف المستجدة، وبسبب توقف دولاب العمل بسبب انتشار الفيروس وقلة الإنتاج وبالتالي تدهور الأوضاع الاقتصادية ومجال الأعمال، قد يضطر صاحب العمل لإعادة النظر في علاقة العمل المبرمة بينه وبين العامل. ولقد سألني العديد من أرباب العمل والشركات عن المخرج من المأزق. لكن، السؤال هنا، هل نترك هذا الأمر الحساس لصاحب العمل بمفرده أو تتدخل الدولة لوضع أسس عامة يتم التصرف وفقها خلال فترة «إعصار الكرونا» الفجائي غير المألوف والذي يضرب بدون رأفة في كل الأماكن وبدون فرز أو تفريق بين صاحب العمل والعامل الذي يعمل معه.
أعتقد، أنه من الأفضل، أن تقوم الدولة بدراسة الوضع والمستجدات المستحدثة ومن ثم وضع أحكام عامة يلتزم بها الجميع، وعدم ترك الأمر لكل حالة بحالها. وهذا بالطبع، يتطلب إعادة النظر في قوانين العمل السارية وكذلك عقود العمل المبرمة بين أصحاب العمل والعمال. ونظرا لأن جميع أطراف العلاقة يعانون من جائحة فيروس كورونا، فهناك حاجة لبعض التضحيات من الجميع وفق أسس مدروسة شاملة للجميع.
ولتتم المعالجة بما يفيد أطراف علاقة العمل، وفي نفس الوقت، العمل على كسر امتداد وانتشار الوباء. يقول الأطباء وأهل الاختصاص: إن الابتعاد عن بعض والبقاء في البيت ستكون له آثار مباشرة في السيطرة على انتشار الوباء ووقف امتداده وانتشاره. ولذا، فإن بقاء العمال بعيدا عن مكان العمل سيعود بالفائدة عليه وعلى المجتمع كافة. وانطلاقا من هذا التوجه، فإن وضع أحكام جديدة تتعلق بإجازة العامل قد تكون مفيدة وتأتي بنتائج أكثر إيجابية. وعليه، نأمل إصدار قوانين خاصة أو لوائح أو قرارات توجه الجميع بوضع ترتيبات جديدة يتم الاتفاق عليها بخصوص إجازات العامل، الاضطرارية أو السنوية أو غيره. وبالطبع، لا بد من ربط هذه القوانين واللوائح والقرارات بفترة زمنية تتعلق بوباء كرونا ومدى أثره الضار ومدى نهايته. وأيضا، إذا قامت الحكومات بتقديم مساعدات مادية أو غيرها لأصحاب العمل لتجاوز الآثار الضارة لجائحة كرونا، ففي هذه الحالات لا تمس مصالح العامل من أي ناحية نظرا لأن صاحب العمل تلقى العون والدعم المطلوب من الدولة.. وفي حقيقة الأمر، هذا ما تقوم به غالبية الحكومات الآن وتم تخصيص مبالغ هائلة في العديد من الدول يتم دفعها للتعويض حتى تستقر الأوضاع وللحد من الآثار السلبية على العمل والأعمال في الدولة.
هناك نقطة أخرى أيضا، ذات علاقة ولها أهميتها وتتمثل في إتاحة الفرصة لمن يرغب في التطوع ومد يد العون للجهات الرسمية والطبية واللوجستية التي تعمل ليل نهار بدون تأخر في مواجهة ومحاربة الوباء اللعين الذي يهدد كل العالم. وقطعا، هذه الجهات الرسمية تحتاج للمتطوعين من الشباب ومن ذوي الخبرة والكفاءات للعمل معها وتسخير طاقاتها في جميع الأوقات ليلا ونهارا. وقد يكون من الأفضل، منح كل من يتطوع للعمل في هذه الظروف، إجازة خاصة مدفوعة الأجر طيلة أيام التطوع. وهذا الموقف المثالي، سيفتح الباب للمزيد من المتطوعين للعمل في رفد «جيوش التصدي» لدحر جائجة فيروس كرونا خاصة وأن معظم الدول أعلنت «حالة الطوارئ» لمحاربة كورونا. وبهذا، يكون أصحاب العمل والعمال ساهموا بكل إيجابية في العمل التطوعي الذي يعود بالفائدة لكل المجتمع في الدولة. ولنعمل جميعا لهذا.