الاسمنت متوفر … و لكن


د. هلال بن سيف بن راشد الضامري

طفت على السطح في الآونة الأخيرة مشكلة عدم قدرة المستهلكين على الحصول على الاسمنت المحلي رغم توفره، إذ أن مصانع الاسمنت لم تقلّص الطاقة الإنتاجية اليومية رغم تداعيات جائحة كورونا على السلطنة والعالم أجمع.
فالبداية كانت باكتشاف تلاعب كبير في الاسمنت المستورد لعدم مطابقته للمواصفات مما قد يؤدي في المستقبل إلى ظهور عيوب في البناء والتشييد، وعلى إثر هذا التلاعب قامت وزارة التجارة والصناعة منذ الأول من مارس الماضي بإجراءات رقابية على هذا الاسمنت قبل دخوله أراضي السلطنة، مما يحتم على أعمال الإنشاءات استخدام الاسمنت المصنوع محليًا في الفترة الراهنة، ولكن هل نحن بالفعل بحاجة للاسمنت المستورد؟ علمًا بأن السلطنة لديها من الإمكانيات ما يؤهّلها للاكتفاء الذاتي في صناعة الاسمنت إذ أن جميع المواد الأولية اللازمة لصناعته متوفرة وبكميات كبيرة، إلا أن الإغراق بالاسمنت المستورد حال دون إنشاء مصانع إضافية.
بعد تطبيق الإجراءات التي نصت على أخذ عيّنات من الاسمنت المستورد وفحصه ومن ثم السماح ببيعه في أسواق السلطنة بعد التأكد من نتائج الفحص، إذ توقف جميع الاسمنت المستورد عن الدخول للسلطنة وهذا قد يدل على أن هناك فعلاً تجاوزات كبيرة في جودته، ومن ناحية أخرى نتجت خلال تلك الفترة فجوة مختلقة في السوق ؛ فبينما سارعت المصانع المحلية إلى زيادة الإنتاج حتى وصلت لأعلى طاقة حسب التصميم لكل مصنع؛ وذلك حتى لا تتعطل مسيرة التعمير والإنشاء في السلطنة ولتغطية السوق المحلي بالاسمنت ذي الجودة العالية، إذ أصبح الاسمنت متوفرًا في مختلف المحافظات، إلا أنه تبيّن أن هناك بعض التجار يقومون بتخزين الاسمنت المحلي وبيعه بأسعار عالية مستغلين الوضع لكسب أرباح سريعة والغالبية من هؤلاء التجّار أجانب، كما أنَّ هناك موزعين لم يكونوا يتعاملون بالشراء مع الاسمنت المحلي وبالتالي توقف إمدادهم للمستهلكين بعد الإجراءات المُتخذة على الاسمنت المستورد فلو قاموا بالتواصل مع المصانع المحلية لسد فجوة النقص، إضافة إلى أنَّ الموزعين والناقلين للاسمنت المحلي كانوا في السابق يتلقون طلبات بعدد معيّن في اليوم الواحد إلا أنّه بعد فرض الإجراءات الرقابية على الاسمنت المستورد أصبح الطلب عندهم كبيرًا؛ وذلك لإقبال مَن كانوا يشترون الاسمنت المستورد مِن التجّار الآخرين، مما اضطرهم إلى إعطاء الأفضلية للزبائن السابقين وذلك بحكم طاقتهم اليومية في التوزيع وتغطية الطلبات.
وعند تقصي الحقائق والحديث عن سعر الاسمنت قد يظن البعض أن الفارق الضئيل في سعر الاسمنت المحلي عن المستورد هي أرباح مبالغ فيها من المصانع المحلية، ولكوني أعمل في أحد مصانع الاسمنت ومطّلعا على الحسابات المالية والتكاليف، ومن خلال خبرتنا في الأسواق، فإن الاسمنت المستورد يُباع في السلطنة بأقل من سعر التكلفة وهناك دلائل كثيرة ومؤشرات حسابية على ذلك وفي أحيان كثيرة يتم بيعه بسعر تكلفته وبهامش ربح بسيط جدا. وفي عُمان رغم أن تكاليف الصناعة ارتفعت في السنوات الماضية بشكل كبير بسبب رفع كلفة الغاز والكهرباء إلى أكثر من الضعف للصناعات الثقيلة و منها صناعة الاسمنت، إلا أن مصانع الاسمنت المحلية القائمة ومن ضمنها شركة إسمنت عمان لم تقُم برفع سعر البيع بل بالعكس قامت وبشكل مستمر بتخفيض سعر البيع من المصنع.
وبحساب سعر التكلفة ليس من المعقول وصول أسعار الاسمنت المستورد إلى هذا المستوى وهذا ما يبيّن أن مصانع الاسمنت التي يُستورد منها تقوم بصنع الاسمنت بتكاليف متدنية من خلال التقليل من جودته، فعلى سبيل المثال يتم بيع الاسمنت في مناطق بعيدة في السلطنة بعد أن تقطع الشاحنات مسافة تصل لأكثر من 600 كيلومتر بسعر أقل من الاسمنت المُنتج محليًا، علمًا بأن تكاليف النقل باهظة ولا يمكن أن يكون هامش الربح كبيرًا، كما يعود السبب الرئيسي لبيع الاسمنت المستورد بهذه الأسعار لوجود فائض كبير في إنتاج الاسمنت في تلك الدول التي يُستورد منها، إذ أن بيعه بسعر التكلفة المتغيّرة يحقق بحد ذاته ربحًا لمصانع الاسمنت على اعتبار أن المصانع تبيع الاسمنت داخل دولتها بسعر أعلى و تجني أرباحها من خلال المبيعات المحلية لا التصدير.
إذن مَن المستفيد من عملية بيع الاسمنت المستورد؟ لا شك أن هناك مَن يربح مِن خلال عمليات الإغراق؛ فالمستفيد هم بعض التجّار الوسطاء وتجار الخرسانات ، حيث إن حصولهم على اسمنت رخيص يزيد هامش الربح لديهم دون المساس بتكاليف البناء ؛ حيث إن تكاليف البناء للمتر المربع تبقى مثل ما هي دون تغيير، والربح يذهب للمقاولين وتجّار الاسمنت المستورد على حساب جودة البناء والخرسانات ، بالإضافة إلى أن هذا مخالف لقانون المناقصات في المشاريع الحكومية التي تنص على إلزام المقاولين استخدام المنتجات المحلية.
في الختام نبعث رسالة نطمئن بها المستهلكين في السلطنة بأن المصانع المحلية قادرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي من الاسمنت ، وينبغي التكاتف من الجميع سواء من التجّار والموزعين بتغليب المصلحة الاقتصادية العامة وعدم البحث عن الربح السريع على حساب الجودة وسلامة الأفراد ، و ذلك من خلال تشجيع استخدام المنتج المحلي ؛ إذ يخضع الاسمنت المحلي للمراقبة الدائمة من الجهات المختصة ، كما أن استخدام الاسمنت المستورد يؤدي إلى خروج مبالغ كبيرة سنويا تتجاوز الـ 100 مليون ريال عماني إلى خارج السوق العماني وهذه المبالغ السلطنة أولى بها إذ ستساهم في إعطاء الاقتصاد دفعة وزيادة الاستثمار في الصناعة وتوفير فرص عمل للمواطنين، ومن هنا ندعو أيضًا إلى إنشاء مصانع اسمنت جديدة لتعزيز الطلب المتزايد مستقبلاً و توفير فرص عمل و تشغيل المؤسسات الصغيرة و المتوسطة.